حين التصقت عبارة «صُنع في الصين» بالمنتج، لم تكن الصين هي التي قررت معناها، بل العالم الذي احتاج إلى شماعة أخلاقية يعلّق عليها تناقضه.
الغرب احتاج إلى مصنع بلا صوت، بلا تاريخ، بلا حق في الكلام، كي يحتفظ لنفسه بحق السرد، واحتاج المستهلك العربي إلى عدو مريح يحمّله فشله في الفهم.
هكذا تحوّلت الصين إلى اسم مستعار لكل ما هو رخيص في المخيال الجمعي، بينما كانت في الواقع تتحول، قطاعًا بعد قطاع، إلى العمود الفقري للاقتصاد العالمي، ليس لأن العالم أحبها، بل لأنه استسهلها، ثم اكتشف متأخرًا أنه سلّمها مفاتيح اللعبة.
لنبدأ من القاعدة التي لا يحب أحد الاعتراف بها
كل قطاع صناعي في هذا العالم، من الإبرة إلى القمر الصناعي، مرّ بالصين أو سيضطر للمرور بها.
النسيج، أولًا، حيث تبدأ القصة تاريخيًا.
القطن، الخيط، الصباغة، القصّ، الخياطة، التغليف.
أوروبا التي بنت ثروتها على استغلال المستعمرات قررت بعد السبعينات أن هذه الصناعة لم تعد تليق بصورة الرفاه، فنُقلت إلى آسيا.
الصين لم ترفض، بل التقطت الإهانة وحوّلتها إلى تدريب طويل.
اليوم، القميص الذي يُباع بعشرة دولارات أو بألف، غالبًا ما بدأ حياته في نفس الجغرافيا.
الفرق ليس في القدرة، بل في القرار.
نفس المصنع قادر على إنتاج قميص يعيش سنوات أو قميص يموت بعد غسلتين.
السوق الذي يفرض معيارًا يدفع ثمنه، والسوق الذي يريد الأرخص يحصل على ما يستحقه، ثم يصرخ أخلاقيًا كأنه خُدع.
ننتقل إلى الأحذية، حيث تتجلى الوقاحة الرقمية. Nike، Adidas، Puma، New Balance، أسماء تُباع لك كهوية لا كمنتج. تكلفة الحذاء الصناعية، في الغالب، لا تتجاوز عُشر سعره النهائي.
الباقي يُحرق في الإعلانات، في الرعايات، في خلق وهم أن قطعة مطاط وقماش يمكن أن تمنحك قيمة إنسانية إضافية. نفس المصانع الصينية التي تنتج هذه الأحذية، تنتج أيضًا نسخًا أقل جودة للأسواق التي لا تراقب.
العربي يشتري الأرخص، ثم يلعن الصين، لا لأنه فهم، بل لأنه لا يريد أن يعترف بأنه شارك في الجريمة.
الإلكترونيات هي قلب الفضيحة.
الهواتف، الحواسيب،الشاشات، الأجهزة المنزلية،الخوادم،مراكز البيانات. Apple، Dell، HP، Lenovo، Samsung، Sony، كلهم مرّوا من الصين. تكلفة تصنيع هاتف فاخر لا تبرر أبدًا سعره النهائي، لكن الفرق يُبرر بقصة.
الصين هنا ليست سوى العامل الذي يعرف أجره.
من يربح فعليًا هو من يملك البراند، لا من يملك المصنع. وحين حاولت شركات صينية أن تخرج من دور العامل إلى دور الراوي، كما فعلت Huawei وXiaomi وBYD، انقلب الخطاب فجأة إلى أخلاقي، أمني، سياسي.
لم يعد العيب في الصناعة، بل في الجرأة.
الأجهزة الطبية؟ الصين.
من الكمامات إلى أجهزة التصوير، من الأدوات الجراحية إلى المعدات المخبرية.
أثناء الجائحة، اكتشف العالم فجأة أنه لا يملك حتى القدرة على حماية أطبائه دون الصين.
الدول التي كانت تسخر من «الصيني الرخيص» كانت تتوسل شحنات عاجلة.
الجودة هنا لم تكن سؤالًا فلسفيًا، بل مسألة حياة أو موت. وحين انتهت الأزمة، عاد الجميع إلى كذبتهم القديمة.
الصناعات الدوائية؟ الفضيحة أعمق.
كثير من المواد الفعالة للأدوية الأوروبية والأمريكية تُنتج في الصين أو الهند.
الدواء الذي يُباع لك بثمن مرتفع يحمل في داخله مادة خام صينية.
الفرق في السعر ليس في الكيمياء، بل في البراءة، في التغليف، في الاحتكار القانوني.
المستهلك لا يرى المادة، يرى العلبة، ويظن أن الصحة لها جنسية.
الطاقة؟ الصين هنا ليست مصنعًا فقط، بل لاعبًا استراتيجيًا. الألواح الشمسية، توربينات الرياح، البطاريات، الشبكات الذكية.
العالم يريد انتقالًا طاقيًا نظيفًا، لكنه لا يريد أن يعترف أن هذا الانتقال يمر عبر الصين. أكثر من 70% من سلاسل توريد الطاقة الشمسية والبطاريات تحت سيطرة صينية.
الغرب يتحدث عن البيئة، والصين تبيع له أدواتها.
العربي يصفق للخطاب ولا يسأل من صنع اللوح ومن يملك التكنولوجيا.
السيارات تكشف النفاق الكامل.
أوروبا تتباهى بتاريخها، وأمريكا تتباهى بابتكارها، لكن المستقبل كهربائي، والبطارية صينية، والمعادن تُعالج في الصين، والبرمجيات تُطوَّر هناك.
السيارة لم تعد محركًا فقط، بل كمبيوتر على عجلات،والصين فهمت ذلك قبل الجميع.
في المقابل، تُرسل إلى الأسواق الضعيفة نسخ منخفضة المواصفات، ليس لأن الصين لا تستطيع أفضل، بل لأن السوق لا يطلب ولا الدولة تفرض.
الرداءة هنا ليست قدرًا، بل اختيارًا جماعيًا صامتًا.
الزراعة؟ الأسمدة، المبيدات، الآلات، أنظمة الري، الطائرات المسيّرة الزراعية.
الصين لاعب أساسي.
الغذاء الذي يصل إلى موائد كثيرة مرّ بتكنولوجيا صينية. حتى هنا، حين يفسد شيء، يُشتم الصيني، لا المنظومة.
البناء؟ الحديد، الإسمنت، الزجاج، المعدات الثقيلة،المصاعد،أنظمة التكييف.
مدن كاملة في إفريقيا والعالم العربي بُنيت بأدوات صينية. الجودة تختلف حسب العقد، لا حسب الجنسية.
من وقّع عقدًا رخيصًا بنى رخيصًا، ثم شتم الصانع.
حتى الثقافة الرقمية، المنصات، الكاميرات، الطائرات المسيّرة، الألعاب الإلكترونية، الذكاء الاصطناعي.
الصين لم تعد خلف الكواليس.
هي في القلب.
الغرب يكتب القصة، نعم، لكن الصين تكتب الكود.
وسط كل هذا، يبقى المستهلك العربي أسيرًا لجملة واحدة مريحة «الصيني رديء».
هذه الجملة تختصر كسلًا معرفيًا، وغياب دولة، وفوضى سوق، وخوفًا من مواجهة الذات.
من لا يفهم السلسلة الصناعية سيظل يشتم حلقتها الأضعف. من لا يفرض معيارًا سيُغرقه الرديء.
ومن لا يسأل عن التكلفة سيظل عبدًا للسعر.
الصين لم تخدع أحدًا.
قبلت بالدور الذي عُرض عليها، ثم وسّعته، ثم أعادت تعريفه. الغرب صدّر الصناعة ليحتفظ بالصورة، فاكتشف أن الصورة لا تطعم.
ونحن صدّقنا الصورة ونسينا الحساب.
«صُنع في الصين» ليست إهانة ولا مديحًا، إنها حقيقة باردة. الحقيقة التي تقول إن هذا العالم لا يُدار بالقيم التي نُرددها،بل بالأرقام التي لا نقرأها.
ومن لا يملك شجاعة النظر إلى الأرقام سيبقى يشتم الجغرافيا، بينما الجغرافيا تواصل العمل،الصعود،والسيطرة،بلا خطب، بلا تبرير، وبلا حاجة إلى رضا أحد.
صُنع في الصين
2026-01-04
212 قراءة
مختلفات
عماد عيساوي
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال