إنّ النموذج الحضاري الإسلامي الذي تحتاجه تونس اليوم ليس خطابًا هوياتيًا ولا مشروع هيمنة دينية، بل تصوّر شامل للحياة ينطلق من مبادئ الإسلام الكبرى، ويُترجمها في الواقع عبر المواطنة، والأخلاق، والعدل، والإنتاج. وهو نموذج يؤمن بأن الإسلام دين اختلاف وتنوّع، لا دين خلاف وإقصاء، وأن المجتمع يُبنى على أُمّة المواطنين لا على فرز عقدي بين مؤمنين وكافرين
ويُناط بالشباب دور محوري في بلورة هذا النموذج، عبر قيادة حوار شبابي وطني يعيد تعريف العلاقة بين الدين والسياسة والمجتمع. فالشباب اليوم، بما يمتلكونه من وعي نقدي وتجربة رقمية وانفتاح ثقافي، قادرون على كسر الصورة النمطية التي تربط المرجعية الإسلامية بالثيوقراطية، وإبراز أنّ النموذج الحضاري الإسلامي هو نموذج مدني بالقيم، لا ديني بالسلطة
ينطلق هذا النموذج من
ثقافة إسلامية منفتحة تشجّع التفكير والنقد والإبداع. مثال ذلك المبادرات الشبابية الثقافية التي تمزج بين الفنون والهوية، كنوادي القراءة، والمسارح المستقلة، والإعلام الرقمي البديل الذي يناقش القيم دون وصاية
أخلاق إسلامية عملية تُترجم في السلوك العام، لا في الوعظ فقط. ويتجسّد هذا في تجارب شبابية تطوعية في الأحياء المهمّشة، حيث تُستعاد قيم التضامن والأمانة وخدمة الصالح العام
سياسة إسلامية شريفية تقوم على النزاهة والمساءلة، لا على القداسة. وقد برزت نماذج شبابية في العمل البلدي والمدني قدّمت ممارسة نظيفة، واعتبرت المسؤولية تكليفًا لا تشريفًا
رؤية اقتصادية حسنة غير ربوية، تُقدّم الإنسان على الربح. ونجد أمثلة واقعية في مشاريع الاقتصاد الاجتماعي والتضامني، والتعاونيات الفلاحية، والمبادرات الشبابية التي اعتمدت التمويل التشاركي والعمل الجماعي بدل منطق الاستغلال
إعادة الاعتبار للمجتمع المتخلّق، عبر تقوية الأسرة المتماسكة، ومرافقة الشباب نفسيًا واجتماعيًا، وبناء فرد سويّ حرّ ومسؤول، لا مستهلكًا أو تابعًا
إنّ الشباب، من خلال هذه الممارسات، لا يقدّمون تنظيرًا مجردًا، بل يحوّلون المرجعية الإسلامية إلى قوة اقتراح وبناء. فهم يثبتون عمليًا أنّ الإسلام، حين يُفهم حضاريًا، يُنتج مجتمعًا متنوّعًا، متماسكًا، عادلًا، ودولةً تخدم مواطنيها دون تمييز
الخلاصة
النموذج الحضاري الإسلامي ليس مشروع ماضٍ
بل أفق مستقبل يصوغه الشباب بالفعل لا بالشعارات
هو نموذج قيمي شامل
مدني في بنيته
إسلامي في مرجعيته
مواطني في روحه
ويشكّل الطريق الأجدى
لانتقال سياسي مستقرّ وبناء حضاري حقيقي
الشباب وصياغة النموذج الحضاري الإسلامي: من الفكرة إلى الواقع
2026-01-03
189 قراءة
مقالات فكر
حسام سعايدية
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال