ملاحظة منهجية تمهيدية:
لا يهدف هذا التحليل إلى إدانة أشخاص بعينهم أو الطعن في نوايا فاعلين سياسيين أو إداريين، بل إلى تفكيك منطق سياسات عمومية كما تشكّلت تاريخيًا بعد الثورة، وقراءتها في ضوء أدوات التحليل السوسيولوجي والنقدي. فالمقال ينخرط في مساءلة البُنى والآليات، لا في محاكمة الأفراد.
تمهيد: من سياسة التشغيل إلى آلية تدجين اجتماعي
لم تكن الثورة التونسية لحظة انتقال من دولة سلطوية إلى دولة اجتماعية، بقدر ما كانت لحظة إعادة تموضع لأدوات السيطرة نفسها. ففي قلب هذا التحول الملتبس، لم يُعد بناء التشغيل كسياسة عمومية تخطيطية ذات أفق تنموي، بل أُعيد توظيفه كآلية تدجين اجتماعي، تُدار بها البطالة، وتُحتوى بها الاحتجاجات، ويُعاد عبرها ترتيب العلاقة بين الدولة والسكان.
هنا لا يعود التشغيل مسألة اقتصادية، بل يصبح ممارسة سلطوية ناعمة، تشتغل داخل ما يسميه ميشال فوكو بالحكمانية: أي إدارة حياة السكان عبر تقنيات غير قمعية مباشرة، ظاهرها اجتماعي وباطنها ضبطي (Foucault, Sécurité, territoire, population). فالدولة لا تسعى إلى إنهاء البطالة، بل إلى جعلها غير قابلة للانفجار، عبر إدخالها في مسارات عمل هشّة، مؤقتة، قابلة للسحب.
من هذا المنظور، يمكن توصيف ما بعد الثورة في تونس بأنه انتقال من سياسة التشغيل إلى ما نسمّيه هنا التشغيل التدجيني: تشغيل لا يهدف إلى تحرير الفرد اقتصاديًا أو إدماجه اجتماعيًا، بل إلى ترويضه رمزيًا عبر إبقائه داخل وضعية هشّة تُنتج الخوف، الامتنان، والصمت.
1. عمال الحظائر – الشكل البدائي للتشغيل التدجيني:
يشكّل ملف عمال الحظائر التجلي الأكثر بدائية ووضوحًا للتشغيل التدجيني. فالذي قُدِّم خطابياً كحل اجتماعي ظرفي، تحوّل عمليًا – خصوصًا خلال مرحلة حكم الباجي قائد السبسي – إلى خيار سياسي مستدام. لم يكن الهدف إدماج هذه الفئات في الدورة الاقتصادية، بل تثبيتها داخل منطقة رمادية بين العمل والبطالة.
لقد جرى توسيع الحظائر على حساب منطق الكفاءة، وتم إدماج آلاف الأفراد دون حد أدنى من التأهيل، بمن فيهم أميون، مقابل إقصاء منهجي للمعطلين من خريجي الجامعات. هذا الاختيار لا يُفهم أخلاقيًا، بل سوسيولوجيًا: تشغيل من لا يملك أدوات السؤال، وإقصاء من يملك رأس مال معرفي قادرًا على تحويل البطالة إلى وعي احتجاجي.
بيير بورديو يبيّن أن أخطر أشكال الفقر هو ذلك الذي يقترن بالوعي والقدرة على التسمية (Bourdieu & Passeron, La reproduction). لذلك، كان عمال الحظائر جسدًا اجتماعيًا مثاليًا للتشغيل التدجيني:
أجر هزيل يمنع الاستقلال
وضعية قانونية هشّة تُنتج الخوف
ارتباط مباشر بالسلطة المحلية يُعيد إنتاج الزبونية
بهذا المعنى، لا تُدير الدولة الفقر لتقليصه، بل لتدجينه وتحويله إلى حالة مستقرة يمكن التحكم فيها.
2. النيابات في التعليم – التدجين عبر المسار المهني:
في قطاع التعليم، يتخذ التشغيل التدجيني شكلًا أكثر تعقيدًا وخطورة. ففي مرحلة أولى، جرى تبخيس النيابات في المدارس والمعاهد العمومية، وتقديمها كحل وقتي بلا قيمة مهنية أو رمزية. كانت النيابة علامة هشاشة، لا مدخلًا إلى الاعتراف.
غير أن الدولة نفسها حوّلت النيابة، في مرحلة لاحقة، إلى معيار انتداب، حتى وإن لم تتجاوز يومًا واحدًا. هكذا تحوّلت الهشاشة إلى رأسمال توظيفي، وتحول الحظ الجغرافي والظرفي إلى محدد لمسار مهني كامل.
نحن هنا أمام ما يسميه بورديو إعادة إنتاج اللاعدالة داخل أجهزة يُفترض أنها تصحيحية (Bourdieu, La domination masculine؛ Bourdieu & Passeron, La reproduction). فالمدرسة العمومية، بدل أن تكون أداة ترقٍ اجتماعي، أصبحت فضاءً للتدجين المهني، حيث يُنتدب من تعوّد على الهشاشة لا من راكم الكفاءة.
الدولة التي لم تحمِ المدرّس النائب، جعلت منه لاحقًا نموذجها المثالي: ذات مهنية مدينة للدولة، ممتنّة لها، وقابلة للضبط.
3. من مناظرة الاستحقاق إلى تعميم التشغيل التدجيني:
إن تفكيك المناظرة الوطنية الشفافة لصالح صيغ انتداب هجينة (عقود، حظائر، نيابات) لا يُمثّل فشلًا إداريًا، بل تعميمًا لمنطق التشغيل التدجيني. فالمناظرة تُنتج موظفًا يتمتع بحدّ أدنى من الاستقلال الرمزي، بينما التشغيل الهش يُنتج ذاتًا تخشى فقدان موقعها أكثر مما تطالب بحقها.
زيغمونت باومان وصف هذه الوضعية بالحداثة السائلة، حيث يتحول العمل إلى تجربة بلا أفق وبلا استقرار (Bauman, Liquid Modernity). في السياق التونسي، اتخذت هذه السيولة طابعًا سياسيًا: تفكيك الاستحقاق لصالح القابلية للتدجين.
ومن منظور أمارتيا سَن، لا يمكن الحديث عن تنمية دون توسيع قدرات الأفراد على الاختيار والفعل (Sen, Development as Freedom). غير أن التشغيل التدجيني لا يوسّع القدرات، بل يُقلّصها، ويحوّل الشغل من حق اجتماعي إلى أداة ضبط.
خاتمة: أي دولة يُنتجها التشغيل التدجيني؟
ما بعد الثورة لم يُنتج عدالة تشغيلية، بل دشّن مرحلة التشغيل التدجيني بوصفه منطقًا حاكمًا. دولة لا تُنهي البطالة، بل تُعيد توزيعها في صيغ عمل هشّة. لا تُنتج مواطنين مستقلين، بل ذواتًا مدجّنة، تشتغل كي لا تثور، وتصمت كي لا تُقصى.
نحن اليوم أمام دولة تُشغّل الأجساد وتُدجّن الوعي، دولة تخشى الكفاءة لأنها غير قابلة للترويض، وتكافئ الهشاشة لأنها سهلة الضبط.
فهل نعيش فشلًا في سياسات التشغيل… أم نجاحًا كاملًا للتشغيل التدجيني؟ وهل أخطر أشكال البطالة هي غياب الشغل، أم حضور شغلٍ يُفرغ الإنسان من قدرته على السؤال والرفض؟ وأي أفق يمكن بناؤه في مجتمع يُكافأ فيه الصمت، ويُعاقَب فيه الوعي؟
المراجع:
1. Foucault, Michel. Sécurité, territoire, population. Gallimard, 2004.
2. Foucault, Michel. Naissance de la biopolitique. Gallimard, 2004.
3. Bourdieu, Pierre & Passeron, Jean-Claude. La reproduction. ditions de Minuit, 1970.
4. Bourdieu, Pierre. La domination masculine. Seuil, 1998.
5. Bauman, Zygmunt. Liquid Modernity. Polity Press, 2000.
6. Sen, Amartya. Development as Freedom. Oxford University Press, 1999.
طوبوغرافيا التشغيل ما بعد الثورة: قراءة في التشغيل التدجيني في المشهدية التونسية
2026-01-03
218 قراءة
مقالات بحوث
سمير سعدولي
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال