نحن لا نجادل شرعيّـة الاعتراض على ”التيـار المدخــلي” بما هو انحراف خطيـر في فهم الدين وتوظيفه لخدمة السلطان الجائر، فهذا أمر مفروغ منه أو يُفترَض أن يكون مفروغا منه؛ فقد حوّل هذا التيّار الدين من رسالة تحريـر وتكريم إلى أداة ضبط وقمـع، مضيّقًـا مفهوم ”السنّـة” حتى كاد يحصرها في الطاعة السياسيّة العمياء والبراءة من كل مخالِف ..
لكنّ هذا النقد المشروع بما يستند إليه من ثوابت شرعية وعقائديّـة واضحة لا ينبغي أن يعمينا عن رصد قطاع واسع من المنتقديـن للمدخليّـة، قطـاع لا يتحرّك بدافع ”الثابت الشرعي” بل بما يُمليه ”المتحوِّل الســياسي” !..
فكثير من الاعتراضـات التي نسمعها اليوم لا تنطلق من إشكـالات عقدية أو منهجية إنّمـا من تصوّرات حرّكتها الرغبـة في الانعتـاق من قيد الطاعـة السياسية أو في استعادة حريّة الفعل السياسي دون أن يصاحبها تحرير حقيقي لمفهوم ”الدين” نفسه من الهيمنــة التأويليّـة التي أنتجت هذا التيار وأمثاله، وعلى هذا المعنى علينا أن نحمل هذا التلاقي العجيب في الموقف بين أطياف من ”اليمين” و”اليسار” إزاء واقعة هلاك ربيــع المدخلي مثلاً؛ إذ لم يُنظر إلى الرجل بوصفه رمزًا لانحراف عقدي خطير، بل بصفته حائلًا دون تجذيـر ”الروح الثورية” أو تحقيق ”الحلم الليبـرالــي” بالتحرّر ..
ما يعني أنّ رفضهم هو أساسا رفض وظيفي لا ”مبدئيّ/تأسيسي”؛ هُم يريدون إسقاط ”الفهم المدخلي” لأنّه يصطفّ مع السلطان ويكبح الطموحات الدنيوية/الوضعيّة في المشاركة والتعبير والتداول، لا لأنه يخرّب التوحيـد ويفرّغ السُّنّـة من معناها الجهادي/الرسالي/المنهاجي !..
إن هذا الأفق المسيَّس الطاغي على التفكير المعارض يُنتج خطابًـا بائسا يختزل معركة الإصلاح في مجرّد استعـادة الحريّـات السياسية والمدنية دون أن يضع الدين في مركز التحرّر، ودون أن يعيد النظر في المنهجيّـات التي شرّعت للاستبداد في لبوس ديني سواء في المدرسة المدخليّـة أو خارجهـا !..
وبهذا يصبح الاعتراض في كثير من الحالات مجرد ردّ فعل على النتائج السياسية للانحراف المدخلي/الجامي، لا مراجعة جذريّـة لأصولها ومقدّماتها العقديّـة والمنهجيّـة،، وهو ما يُنتج بدوره معارضــات سطحيّة تنتهي -باسم الحريّة- إلى التمـاهي مع نمـاذج أكثر بعدًا عن الإسلام أو حتى إلى إنكـار الحاجة لأي مرجعية دينيّـة في المجال العام ..
ولمّـا كان ذلك كذلك ..
علينا تجاوز مجرّد نقد التيار المدخلي إلى نقد الطرائق الانتقائيّـة والمسيّسة في مواجهته، وذلك عبر تمييز من ينتقده نصرةً للدين عمّن يعارضه انسياقًـا لـتصوّرات حداثيّـــة للحرية والسيـاسة لا تقل تشويها للدين عن المدخليّـة نفسها !..
فالمعركة مع التيارات السلطانيّة لا تُكسب بمجرد ”الرفض السياسي”، إنّمـا تحتاج إلى مشروع تأويلـي جذري يعيد الاعتبـار للدين بوصفه طـاقة تحرّر وتغيير وممـانعة، لا بوصفه سلطة نـاعمة توظَّف عند الحاجة ثم يُستغنى عنهـا بـعد ”الثورة” !..
رفض ”المدخليّة” بين النقد العقدي والتوظيف السياسي
2026-01-01
315 قراءة
مقالات فكر
صابر النفزاوي
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال