بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

أبو عبيدة: الاسم الذي قاوم الزمن حين انهارت المعاني

2026-01-01 410 قراءة مقالات رأي محمد علي العقربي
في السياسة، ليست الأسماء محايدة، ولا تُستدعى المصطلحات اعتباطًا. ثمة أسماء تُقال فتمرّ، وأخرى حين تُنطق تُحدث ارتجاجًا في الوعي، لأنها لا تشير إلى شخصٍ بقدر ما تشير إلى معنى. اسم أبي عبيدة من هذا الصنف الأخير. اسمٌ يعبر التاريخ لا بوصفه ذكرى، بل بوصفه معيارًا أخلاقيًا يُستعاد كلما اختلّ ميزان القوة، وكلما احتاج الفعل السياسي إلى غطاءٍ من الشرعية لا تصنعه المؤسسات ولا تمنحه البيانات.
حين نستحضر أبا عبيدة عامر بن الجراح، لا نستحضر قائدًا عسكريًا بالمعنى التقليدي، بل نستحضر نموذجًا نادرًا لرجلٍ وُضعت السلطة بين يديه، فلم تُغره، وحُمّل القرار، فلم يُفسده. في زمن التأسيس، حيث كانت الدولة في طور التشكّل، وحيث كان السيف قريبًا من اليد، اختار أبو عبيدة أن يكون أقرب إلى الميزان منه إلى المنصة. لم يبنِ حضوره على البلاغة، ولم يحتج إلى تضخيم صورته ليقنع الناس بشرعيته. كانت شرعيته صامتة، تنبع من اتساقٍ داخليّ بين ما يُقال وما يُفعل، بين الموقع الذي يشغله والرغبة التي يتخلّى عنها.
هذا المعنى بالذات هو ما يجعل استدعاء الاسم اليوم فعلًا سياسيًا واعيًا، لا مجرد تورية رمزية. أبو عبيدة الناطق باسم كتائب القسام لا يقدّم نفسه باعتباره “قائدًا” بالمعنى الشائع، ولا يسعى إلى احتلال مركز الصورة. يظهر حين تفرض اللحظة ظهورًا، ويغيب حين يصبح الغياب جزءًا من الرسالة. صوته ليس دافئًا ولا حميميًا، لكنه دقيق. لغته لا تفيض بالعاطفة، لكنها مشبعة بالانضباط. وكأن الرجل، أو الرمز، يدرك أن فائض الكلام في زمن الهزيمة ليس شجاعة، بل شكل آخر من أشكال الهروب.
الربط بين الشخصيتين لا يقوم على تشابه الظروف، فالفارق بين دولةٍ في طور التمدّد، وحركة مقاومة محاصَرة داخل جغرافيا خانقة، فارق جذري. لكنه ربط يقوم على تشابه أعمق وأخطر: تشابه في فهم معنى المسؤولية. أبو عبيدة بن الجراح فهم مبكرًا أن القيادة ليست امتيازًا، بل عبء، وأن الشرعية لا تُنتزع بالقوة وحدها، بل تُصان بالأمانة. وأبو عبيدة القسّام يتكلّم من موقع مشابه: موقع من يدرك أن كل كلمة تُقال تُحاسَب، وأن كل وعدٍ يُطلق يُطالَب بثمنه.
في زمن عربيّ تآكلت فيه فكرة التمثيل، وتحوّلت فيه السلطة إلى جهاز منفصل عن الناس، يصبح هذا النوع من الخطاب استثناءً. ليس لأنه ثوري بالضرورة، بل لأنه منضبط. الانضباط هنا ليس عسكريًا فقط، بل أخلاقي أيضًا. ثمة اقتصاد في اللغة، وصرامة في التوصيف، وابتعاد متعمّد عن الاستثمار في الألم. وهذا ما يمنح الخطاب قوته: أنه لا يطلب التعاطف، بل يفرض الاحترام، حتى من الخصوم.
سياسيًا، يمكن قراءة هذا الامتداد الرمزي بوصفه محاولة غير مباشرة لإعادة تعريف مفهوم القيادة في المخيال العربي. في مقابل زعماء يملأون الشاشات ويُفرغون المعنى، يظهر رمز يتحدّث قليلًا، ويترك فراغًا واسعًا للتأويل. هذا الفراغ ليس ضعفًا، بل مساحة يُجبر فيها المتلقّي على التفكير، لا على الاستهلاك. وفي عالم تُدار فيه السياسة بمنطق العرض المستمر، يصبح الصمت أحيانًا أبلغ من البيان.
الأخطر في هذا كله ليس أن يتحوّل أبو عبيدة إلى رمز جامع، بل أن يكشف هذا الرمز حجم الفراغ الذي خلّفه غياب الدولة العادلة، والنخبة الصادقة، والخطاب المسؤول. حين يصبح صوت مقاومة محاصَرة أكثر اتزانًا من خطابات أنظمة كاملة، فالمسألة لا تتعلّق بالكاريزما، بل بانهيار المعايير. هنا، لا يعود الرمز مشكلة، بل يصبح مرآة.
بين أبي عبيدة بن الجراح، الذي مات دون أن يخلّف بيتًا عامرًا ولا ثروة، وأبي عبيدة القسّام، الذي يتحدّث دون أن يقدّم وجهًا ولا اسمًا، خيطٌ واحدٌ واضح: إلغاء الذات لصالح الفكرة. هذا الإلغاء ليس إنكارًا للنفس، بل وعيٌ حادّ بأن القضايا الكبرى لا تُحمل على الأكتاف المتعطّشة للضوء.
في زمن تُقاس فيه القوة بعلوّ الصوت، يذكّرنا اسم أبي عبيدة بأن أخطر أشكال القوة هي تلك التي لا تحتاج إلى استعراض، وأن السياسة، حين تُفصل عن الأخلاق، تتحوّل إلى ضجيج بلا أثر. ربما لهذا السبب بالذات، يبدو الاسم قديمًا وحديثًا في آنٍ واحد، كأنه يقول ,لم يتغيّر جوهر الصراع… الذي تغيّر فقط هو مقدار الصدق.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال