بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

”الحريّـة” أم ”التوحيد” ؟!.. مفـارقة التأسيس السياسي وحدود المشروع الإصلاحي في فكـر الشنقيطــــي

2025-12-31 186 قراءة مقالات فكر صابر النفزاوي
لا جدال في أنّ الدكتور محمّد مختـار الشنقيطي أستاذ الشؤون الدوليّة في جامعة قطر أحد أبرز المفكّرين الذين حاولوا استعـادة الفاعليّة الفكريّه للخطاب السياسي الإسلامي في العقود الأخيرة، وقد تميّز بانفتاحه مسارات معرفيّـة متعدّدة تمزج بين التأصيل الشرعي والتحليل التّـاريخي والتنظير الاستراتيجي زائد الاشتباك الفعّـال مع قضايا الراهن السياسي العربي،، كما يُحسب له انخراطه في نقد الاستبداد ومنـاصرته للمقاومة الفلسطينية و الثورات وحرصه على إعادة إبراز المفـاهيم الإسلاميّـة الكبرى كالعدل والشورى في مواجهة منظومـات الحكم التسلّطـي ..

غير أنّ فكره رغم ثرائه واتسـاعه الملهم يبقى من حيث الجوهـر أقرب إلى إعـادة تأهيـل الخطاب الإسلامي داخل حدود الدولة القُطرية/الحديثـة أو ما يسمّيه هو ”الدولة العقارية المعاصرة’’ لا إلى تفكيك هذه البنيـة أو التأسيس لبديل يتجاوزهـا جذريًّـا، إنّه خطاب يعمل في الداخل لا الخارج مُعيـدًا ترتيب ممكنـات النظام القائم دون مساءلة جوهر بنيته الفلسفيّـة والسيـاسية ..

فالشنقيطي يتعامل مع ”الدولة الحديـثـــة” كفضاء قدَري لا مناص من الاعتراف به، بل ويفترض أن المشروع الإسلامي لا بُدّ أن يتأقلم مع آليـاته ومؤسسـاته، غير أن الإشكـال لا يكمن في اعتراف واقعـي بوجود الدولة القُطريّة أو بتركيبها الإداري، إنّما في تغاضي المشروع عن الطابع الفلسفي الكـامن في هذه الدولة حيث السيادة مُنتزعة من المجال الإلهي وممنوحة -في الأصل- إلى الجمـاعة السياسية لا إلى الوحي ..

صحيح أن ”الدولة الحديثة” سياق تاريخي متحوّل وليست بنية صمّاء، إلّا أن المراهنة على أسلمتها من داخلها دون تفكيك المنطلقـات التي قامت عليهـا تجعل الجهد الإصلاحي يدور في حلقة مفرغة، فالدولة القوميّة ليست حيادًا مؤسسيا، هي سلطة تأويليّـة تحدّد ما هو ديني وما هو دنيوي، وتُعيد هندسة الشريعة لتعمل ضمن أفقها القانوني والإداري،، حين تُطرح صيغة ”الدولة المدنيه ذات المرجعية الإسلامية”يُفترض مسبقًا قبول الدولة القومية كإطار شرعي ثم يُطلب من الشريعة أن تتكيّف داخل هذا الإطار لا أن تعيد تشكيله ..

من الملامح البارزة في أطروحـات الشنقيطي -سواء في حواراته الإعلامية أو في كتابيه «الخلافات السياسية بين الصحابة» و«الأزمة الدستوريّـة في الحضارة الإسلاميّة.. من الفتنة الكبرى إلى الربيع العربي»- تلك النزعة اللافتة إلى تقديم ”الحرية السياسيّـة” بوصفها القيمة المركزية في الإسلام، بل وكأنها تعادل أو تكاد ”العبودية لله” من حيث المرتبة التأسيسيّـة،، وهذا الطرح وإن كان مدفوعًا بنقد الاستبداد ومقاومته إلّا أنّه ينطوي على انزياح مفاهيمي خطيرررر ، إذ يتم قلب العلاقة بين التحرّر والعبودية لتُصبح ”الحرية” -بدلًا من التوحيد- أصل الأصول وبؤرة التأسيس السيـاسي، وبطبيعة الحال هذا النوع من الخطاب بما فيه من احتفاء بالانعتـاق ومناهضة للطغيان خطاب بـالغ الإثــارة والإغراء للعوام الذين قد يغيب عنهم مزلق إعادة إنتاج المفاهيم الغربية عن الحرية الفردية بوصفها مرجعية نهائية بدل التأسيس لمفهوم إسلامي للعبودية والسيادة والشرعية ينطلق من مركزيّة الخالق لا من مركزية الإنسان !..

فأن يقول الشنقيطي : «الاستبداد والحيف السياسي هما أصل الفتن السياسية ومصدرها، وأنّ الوقوف في وجه الظلم السياسي قبل استفحاله هو الذي يحصّن المجتمع من الفتن السياسية» كتاب ”الأزمة الدستورية في الحضارة الإسلامية” ص431 - منتدى العلاقات العربية والدولية ط2 2019 فذلك مما يبدو على قدر كبير من الوجاهة غير أنه ينطوي في جوهره على إشكال شرعي كبير لأنّ الفتن السياسية لها أصول أخرى أكثر أهمية و مفصليةً يأتي على رأسها التحاكم إلى غير ما أنزل الله وموالاة الكفّار، أما عما تعيشه الدول الغربية من ”استقرار” و”عدل وضعي” فذلك لا يعني تحصنها من الفتن لأنها أولا تعيش الفتنة الأعظم وهي الضلال العقدي ولأنها ثانيا تعيش فتنًا أخلاقية وتشريعية مدمّرة تجعل بنيتها الداخلية قابلة للتآكل والانهيار من شرعنة الفواحش وإباحة الربا وتقنين الاستعمار الاقتصادي والسياسي، وتعميم فلسفة العدمية على الوجود الإنساني،، فالاستبداد وإن كان مدخلًا للفتنة في الدولة المسلمة، فإن الكفر والعلمنة والفجور عين الفتنة في الدولة الكافرة بل هي أمّ الفتن كلها !..

فتحويل الحرية إلى مركـز معيـــاري في النظر السياسي الإسلامي من شأنه أن يؤدي إلى خلط بين المنطق الليبرالي والمنطق التوحيدي ليتحوّل الإسلام بذلك من نظام تعبّدي سيادي إلى مجرّد خطاب أخلاقي تحرّري قابل للاندماج في منظومة القيم الحديثـة دون مقاومة حقيقية لبنيتهـا العميقة !..

فنحن هنا أمام إحدى أخطـر المغـالطات المعرفيّـة/الشرعيّة/المنهجيّة المتكررة بشكل لافت في متون الشنقيطي التفكيكية؛ حيث يتمّ إنزال مطلب تحقيـق ”الـحـرّيّــــــة” التي تقابل ”الاستبداد السياسي” منزلة لا يستحقّها شرعًـا، إذ إنّه من الخطأ بل من الخطيئة التسويق للحريّات -على مكانتها العظيمة في الإسلام- بصفتها أصل دعوة الأنبيـاء والرسل أو جوهرها أو روحَها أو محورها، فإن كانت هذه حال الحريّـة ومكانتها في الإسلام فكيف هي حال مفاهيم مثل ”التوحيـد” أو ”العبوديّـة لله" ؟!!!! ..

يقول "سلطان بن عبد الرحمان العميري" في كتابه «فضاءات الحريّة.. بحث في مفهوم الحريّة في الإسلام وفلسفتها وأبعادها وحدودها» (ط2/ص136 -المركز العربي للدراسات الإنسانية) :

«وقد عاش عدد من الصحبة تحت الاستبداد والتسلّط ما يقرب من سبعين سنة وثار بعضهم عليه، ومع ذلك لم يقل أحدٌ منهم إنّ الحريّة والثورة على الاستبداد تمثّل محور دعوة الرسل وجوهر رسالتهم، وكذلك من لم يثُر منهم لم يعتقد أنّه منتهك أو مقصّر في (محور) دعوة الرسل» ..

صحيح أنّ ”تحريـر الإرادة” مِن الشريعـة لكنّه ليس كلَّ الشريعة،، إذ يُفترَض أن يكون ”التوحيد” بالاصطلاح الفلسفي ”هَيولى” التفكيـر الإيماني أي مادّته الأولى كما بيّنّا في كتاب «المسألة الهووية في تونس»، ثمّ إنّ تحكيم الشريعـة نفسه يحرّر الإرادة، فلا حاجة بهذا المعنى إلى اصطنـاع سلّم أولويّـات زائف من نوع ”الحريّـة قبل الشريعـة” أو ما شـابه،، وهذه المفاضلة المفتعَلة بالذات شائعة جدًّا -للأسف- في ”الوسـط الإخوانــي” !..

ومن الطبيعي أن يُفضي مثل هذا التمَثّل المشوّه للتحرّر إلى تبنّي تصورات مساواتية تتعارض مع ألف باء الشرع كالقول بجواز تنصيب غير المسلم على رأس دولة إسلامية :
«أما أن يكون الحاكم غير مسلم في نفسه، لكنه وصل إلى السلطة باختيار حر من غالبية الناس في بلد غالبية شعبه من المسلمين وهو ملتزم بإدارة الدولة طبقا لنصوص دستور صاغته الأمّة بحرية وأقرّته غالبيتها بخيارها، وضمّنته تحصينا لمرجعيتها الإسلامية فليس من وجه شرعي لمنع هذا المواطن غير المسلم من تولّي أي منصب عام سواء كان قضاءً أو قيادة عسكرية أو رئاسة للدولة»..
من كتاب ”الأزمة الدستورية في الحضارة الإسلامية” ص567.

يحاول الشنقيطـي -الذي يقدّم نفسَه باعتباره من ”إخوان الإخوان”- كما كثير من روّاد التيار المقاصدي المعاصر تقديم صياغة توافقيّـة بين الإسلام والديمقراطية، على أساس أن هذه الأخيرة تمثّل جملة من الآليّـات السياسية التي يمكن ضبطها بقيم إسلامية،، لكنه لا يُقدّم في هذا الصدد نقدًا معرفيّا كافيا لجذور الديمقراطية من حيث هي تعبيرر عن ”السيادة الشعبية” ونفي ضمني لفكرة ”السيادة الإلهية” في المجال الـعام ..

إن المشكلة لا تكمن في التداول السياسي أو الشورى المؤسسيّـة إنما في المرجعيّـة التي تحكم المجال العام وإن كانت وحيا مُنزّلا معصوما أم إرادة جمعيّة متغيّرة،، فدون معالجة هذا التساؤل الجذري يصبح التوفيق مجرّد تلبيس لغوي يتحدّث عن ”شورى ديمقراطية” أو ”مرجعية مقاصدية” دون مساءءلة النسق الكامن وراء المفـاهيم السياسية الحديثة !..

ثم إنّ اختزال الديمقراطيّــة في ”مجموعة آليات” يفصلها عن حمولتها الفلسفيّـة ويتجاهل ولادة هذه الآليات في سياق معرفي يفصل الدين عن السياسة ويؤسّس للمجال العام على قاعدة الصراع والتوازن بين الإرادات لا على قاعدة العبودية والسيادة لله ، لذلك لا يدّخر الرجل جهدا في التسويق للدمَقرطة كحالة مستقلّة عن العلمنة كأنّ الديمقراطية ليست علمانية بالضرورة لمجرد أنها تحوّل الشريعة إلى خيار من بين خيارات بشرية نسبية أخرى لا مرجعية ملزمة راجع حواره على يوتيوب ”نحو ديمقراطية غير علمانية”..

طبعًـا لا يُمكن إنكار أهميّة المشروع الذي يشتغل عليه الشنقيطي في تجديد الخطاب السياسي الإسلامي ضمن واقع شديد التعقيد والتركيب، لكن هذا المشروع يظل في أطره التحليلية الموجِّهة متصالحًا مع الإطار الحداثي للدولة المعاصرة ومقيَّدًا بشرووطها المرجعية حتى وهو يستدعي مفاهيم من التراث الإسـلامي ..

لا شكّ أنّ التحرّر من هذا الإطار لا يعني بالضرورة القطيعة الشعاراتيّـة أو النكوص إلى الماضي، إنما يتطلّب إعادة بنـاء المفاهيم السياسية من داخل الرؤية التوحيديّـة الكلية للإسلام بحيث يكون المشروع السياسي الإسلامي امتدادًا للعبوديه لا للتكيّف وتعبيرًا عن سيادة الوحي لا عن الشرعية الإجرائيّـة ..

الرهان إذن لا ينبغي أن يكون على ”تدييـــن الممكن”، الأفق التنظيري النضالي الحقيقي هو توسيع الممكنـات نفسها من خلال إعادة تخيّل المجال السياسي بعيدا عن منطق المواءءمة بين الإسلام ومنتجات الغرب السياسيّة ..

قصـارى القول ..

يشكّل فكر محمد مختار الشنقيطي -الذي يشتغل الن على كتاب جديد ننتظره بشغف حول ”شروق الشرق وغروب الغرب”- محطّة ضروريّـة في مسار النقاش حول تجديد السياسة الإسلاميّـة لكنّه لا يمثّل تلك القفزة التأسيسيّـة المطلوبــة للخروج من أسر الدولة الحديثة، وبين الإصلاح الممكن والتأسيس المطلوب تبقى الحاجه قـائمة إلى اجتهاد أكثر حسمًـا وجذريّـة يعيد ترتيب أولويات الخطاب السياسي الإسلامي ويعيد تعريف مفاهيمه الكبرى؛؛ من الحرية إلى السيادة وم الدولة إلى الأمّة ومن المشاركة إلى ”العبودية لله” بوصفها الأصل الجامع لكل تصوّر سياسي إسلامي سويّ !..

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال