بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

الخطاب الديني ..من منطق المعنى إلى منطق التداول السوقي

2025-12-19 302 قراءة مقالات فكر صابر النفزاوي
يثير حضور الإشهـار داخل محتوى بعض صانعي المحتوى التوعوي الديني -أيوب مفتـاح نموذجًـا- أسئلة أعمـق من مجرد استصدار حكم أخلاقي أو شرعي مباشر وهي أسئلة لا تستقيم دون قدرٍ من التمهّل والاستفصال؛ فهذه الظاهرة لا يمكن تناولها بمنطق التعميم أو الإدانة المطلقة لأنّها تختلف باختلاف الجهة المُشهَـر لها وطبيعة السلعة أو الخدمة وحدود تدااخل الخطاب الديني مع الرسالة الإشهارية فضلًا عن السياق العام الذي يُنتَج فيه المحتوى،، ومن ثمّ فإنّ المقاربة الرشيدة -في ما نزعم- تقتضي الخوض فيها حالةً بحالة بعيدا عن الرجم بالغيب واستكناه النوايا، إذ السرائر ـ كما هو معلوم ـ لا يعلمها إلا الله سبحانه وتعالى !..

غير أنّ هذا التحفّظ المنهجي لا يمنع من مساءلة ”البنيـة” التي يتحرّك داخلها هذا النمط من الممارسة، فالإشهار من حيث هو آليّة اشتغـال ينتمي إلى منطق السوق لا إلى منطق المعنى ولا يستدعي العقل بقدر ما يستثير العاطفة، وحين يدخل الخطاب الديني هذا الفضاء فإنّه يتعرّض -بحكم البنية لا بحكم القصد- إلى نوع من ”التشييء”
Chosification
حيث يُختزل الدين في وظيفة إقناعية سريعة الأثر ويُنزَع من سياقه التربوي والتزكوي طويل النفس لينتقل المقدّس من منطق الهدايه إلى أفق التداول، إذ لا يمكن فصل الظاهرة عن تحوّل الداعية أو الواعظ الشاب إلى “مؤثّــــر”، يخضع -شاء أم أبى- لمعايير المنصّات الرقمية انطلاقًا من عدد المشاهدات ونسب التفاعل ، مرورًا بقابلية المحتوى للانتشار، وصولاً إلى ملاءمته للخوارزميّـات، وهنا لا يكفّ ”الفعل الإشهاري” عن أن يكون تفصيلاً تقنيّا أو موردا ماليّا عارضا ليتحوّل بطريقة دراميّة إلى عنصر مُنظِّم للخطاب نفسه يضغط عليه من الداخل ويعيد تشكيل بنيته الإيقاعية والدلالية بما بتوافق مع منطق ”الترندات” !..

بهذا المعنى وعلى هذا المعنى لا تغدو نقطة الإشكال مرتبطه بفساد النيّة أو صلاحها إنما ترتبط رأسا بما تفرضه البنية السوقية من شروط غير مرئية حيث يُعاد تعريف “النجاح الدعوي” بلغة الأرقام ويُقاس الصدق بعدد المتابعين ويُستعاض عن قوّة الحجّة بدرجة الانتشار ..

ولمّا كان ذلك كذلك ..
فإنّ النقاش حول تجربة أيوب مفتاح أو غيره من صانعي المحتوى الديني لا ينبغي أن ينزلق إلى ثنائيّة ”الاتهـام” الذي تغلب عليه إما مشاعر الحسد أو نوازع التحريم بالجملة، و”التبريـر” الذي تطغى عليه عاطفة الضحية أو المهزوم التاريخي أمام العلمنة والتغريب ..
السجال الصحّي والمطلوب يجب أن يُدار بوصفه نقاشًا حول شروط إنتاج الخطاب الديني في زمن المنصّـات !..

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال