بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

رماد الجمهورية

2025-12-18 275 قراءة مختلفات عماد عيساوي
لم تكن روما في القرن الأول قبل الميلاد مدينة تبحث عن الحرية، بل مدينة تبحث عن الاستقرار، والفرق بين الاثنين هو الفرق بين شعب يُطالب بحقه، وشعب يطلب من غيره أن يريحه من عبء القرار.
الجمهورية الرومانية، التي وُلدت قبل خمسة قرون على كره الملوك، لم تسقط لأنها خانت مبادئها فجأة، بل لأنها استُهلكت حتى التآكل، ولأن “الشعب” الذي قيل إنه مصدر السيادة،تحوّل تدريجيًا من شريك صامت إلى أداة صاخبة،ومن شاهد إلى وقود.
كانت الجمهورية الرومانية نظامًا شديد الحذر، معقّدًا إلى حدّ الارتياب، يوزّع السلطة حتى لا يستقرّ شيء في يد واحدة،قناصل يتناوبون، مجلس شيوخ يراقب، جمعيات شعبية تُصادق، أعراف أقوى من القوانين، وتوازن هشّ يقوم على فكرة واحدة فلا أحد يُوثق به كفاية ليُترك وحده.

لكن هذا النظام لم يكن أخلاقيًا بقدر ما كان عمليًا، ولم يكن ديمقراطيًا بالمعنى الحديث، بل جمهورية أرستقراطية تسمح للشعب بالصراخ لا بالحكم.
غير أن التوسّع غيّر كل شيء فروما التي ابتلعت البحر المتوسط، ابتلعت معه تناقضاتها.
الذهب تدفّق، نعم، لكن معه تدفّق العبيد، ومع العبيد انهار الفلاح الروماني الصغير، ذلك العمود الذي بُنيت عليه الجمهورية.
عاد الجنود من الحروب بلا أرض، بلا عمل، بلا مستقبل، بينما استحوذت طبقة ضيقة على الأراضي، وشُكّلت اللاتيفونديا،مزارع شاسعة تُدار بالعبيد، لا بالمواطنين.
وهكذا، ولدت طبقة جديدة هي فقراء أحرار بلا قيمة اقتصادية وهؤلاء، حين لا يملكون أرضًا ولا سلاحًا ولا أفقًا، لا يبقى لهم سوى الصوت.
في هذا الفراغ، ظهر التريبون الشعبوي، لا كمنقذ، بل كمُشغِّل.
التريبون، الذي صُمّم أصلًا لحماية العامة من تعسّف النخبة،تحوّل إلى قناة مباشرة بين الغضب الشعبي والطموح السياسي، رجل يتجاوز مجلس الشيوخ، يخاطب الشارع،ويُقدّم نفسه ممثلًا حصريًا لـ”الشعب”، لا لأنه يفهمه،بل لأنه يستخدمه.
حين ظهر تيبيريوس غراكوس سنة 133 ق.م، لم يكن شيطانًا ولا ملاكًا، بل ابن النظام الذي بدأ ينهار، رأى ظلم توزيع الأرض، ورأى خطر تراكم الفقراء، فاختار الطريق الأسرع: تعبئة الشارع، كسر الأعراف، فرض القرار بالقوة المعنوية للجماهير.
كانت نيّته إصلاحية، لكن سلاحه كان قاتلًا و هو تحويل الشعب من طرف يُوازن، إلى كتلة ضغط.
حين قُتل تيبيريوس داخل المدينة، لم يُقتل رجل، بل كُسر محرّم.
ذلك اليوم، دخل العنف الرسمي السياسة الرومانية.
ومنذ ذلك اليوم، لم يعد الدم خطأ بل خيارًا.
بعده، جاء غايوس غراكوس، أكثر ذكاءً، أكثر راديكالية، أكثر قدرة على اللعب على حافة النظام، لكنه سقط بالطريقة نفسها، لأن الجمهورية التي تسمح باستعمال الجماهير ضد مؤسساتها، لا تستطيع إيقاف الانهيار عند حدّ “الإصلاح”.
من تلك اللحظة، لم يعد الصراع بين شعب ونخبة، بل بين نخب تستخدم الشعب ضد نخب أخرى.
صار الفقراء يُستدعون للتصفيق، للهتاف، للاشتباك، ثم يُعادون إلى الفقر.
صار “الشعب” شعارًا يُرفع، لا مشكلة تُحلّ.
وصار التريبون الشعبوي لا يعيش من الحل، بل من الأزمة،لأن انتهاء الأزمة يعني انتهاء دوره.
ومع كل جولة صراع، كان مجلس الشيوخ يُفرَّغ من هيبته، لا لأن الشعب حاسبه، بل لأن السياسيين حاصروه بالجماهير،وصار الاقتحام، والتهديد، والضرب داخل أروقة الحكم، سلوكًا عاديًا، حتى باتت روما مدينة يحكمها التوتر الدائم، لا القانون.
ثم جاء ماريوس، الجنرال الذي فهم أن الشعب لا يكفي، وأن الجيش هو المرحلة التالية.
فتح التجنيد للفقراء، لا حبًّا فيهم، بل ليصنع ولاءً شخصيًا،وحين ارتبط الجندي بالقائد لا بالجمهورية، سقط آخر جدار.
ومن بعده، جاء سولا، الذي دخل روما بالسلاح، لا ليُنهي الفوضى، بل ليؤكد أن السلاح أصبح لغة السياسة.
الحروب الأهلية لم تكن خللًا طارئًا، بل نتيجة منطقية.
الجمهورية التي سمحت بتسييس الجماهير، ثم بتسليحها، لم يعد بإمكانها الادّعاء بأنها نظام قانون.
كانت جمهورية بالاسم، ساحة صراع بالفعل.
وعندما ظهر يوليوس قيصر، لم يكن انقطاعًا، بل خلاصة.
رجل جمع كل الخيوط خطاب شعبوي،شرعية عسكرية،احتقار للأعراف،وموهبة في تقديم الاستبداد كإنقاذ.
حين عبر الروبيكون سنة 49 ق.م، لم يكن الشعب يقف ضده، بل خلفه.
لم يهتف للجمهورية، بل للرجل الذي وعد بالخبز، بالأرض،بالكرامة، وبنهاية الفوضى.
وحين صار ديكتاتورًا، لم يشعر الناس بأنهم فقدوا الحرية،لأنهم كانوا قد فقدوها تدريجيًا، وهم يصفّقون.
اغتيال قيصر سنة 44 ق.م لم يُحيِ الجمهورية، لأنه لم يبقَ فيها روح.
الشعب الذي تعلّم أن السياسة صراع زعماء، لا مسؤولية مواطنين، لم يعد قادرًا على الحكم.
وحين جاء أوغسطس، لم يحتج إلى القمع، بل إلى التنظيم.
حوّل الفوضى إلى نظام، والحرية إلى طقس فارغ، والعبودية إلى استقرار.
وهكذا، انتهت الجمهورية لا بمرسوم، بل بإجماع متعب.
الشعب الذي صرخ يومًا “الحرية”،سلّم نفسه طواعية لعبودية منظّمة،أقلّ ضجيجًا،أكثر انضباطًا،وأفقر معنى.
وهنا، يعيد التاريخ درسه القاسي، بلا شفقة أن الشعب، حين يُستعمل أداة في صراع النخب،لا يحكم،ولا ينتصر،بل يُستبدل به سيدٌ أكثر كفاءة.
روما لم تسقط لأنها لم تكن ديمقراطية،ولا لأنها كانت جمهورية ناقصة،بل لأنها صدّقت أن الصوت يغني عن العقل،وأن الغضب سياسة،وأن الحرية يمكن أن تُدار بالحشود.
ومنذ ذلك الحين،كل شعب يخلط بين السيادة والضجيج،وكل جمهورية تسمح بتحويل مواطنيها إلى وقود،تسيربنفس الخطى،نحو إمبراطور جديد،حتى لو تغيّر اسمه.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال