وليد جمعة عراقي / بغدادي، كان طائراً حراً، لا يقبل أن يستريح على غصن ولو مات تعباً، درس اللغة الفرنسية في كلية اللغات، وعلى الأرجح تركها قبل أن ينهيها، لست متأكداً، وليد كان في مطلع حياته بعثياً، ثم صار شيوعياً، وسرعان ما ضاق ذرعاً بالحزب الشيوعي، وبكل أحزاب الدنيا، وضاقت الأحزاب به، وليد لا يستطيع أن يكون حزبياً ملتزماً، لا يقدر ولا يقبل أن يكون رأسه ملكية عامة، وبقي هكذا مثقفاً مشاكساً، فوضوياً، إن في الوطن أو في المهاجر.. هو لا منتمي إن صحت رؤيتي (Out Sider) حتى وإن كان لا يريد الاعتراف بذلك، لأنه أصلاً ضد كل فكرة انتماء، ضرب من الوجودية كان وليد يمارسها بلذة.
في مطلع 1964 وكنت خارج من السجن قبل فترة وجيزة، التقيت وليد كعادته يتسكع وعلى الأغلب مفلساً في باب الشرقي. وكان بيدي كتاب سميك مجلد تجليداً فاخراً، طباعة موسكو، يعتبر كنزاً في تلك الأيام، وعنوانه " ماركس أنجلز: الماركسية ".. فلما شاهده وليد طارت روحه، وراح يتوسل بي أن أعيره له، ولكني أعرف أن راح هذا الكتاب فلن يعود أبداً، ولما أعيته الحيلة، قال لي، لنتبادل الكتاب بآخر لا يقل روعة، فدهشت وقلت له وهل عندك شيئ يعادل هذا الكتاب، قال لي كعادته متوتراً تنهمر الكلمات والأحكام من فمه كالشلال" إنه كتاب أفضل من كتابك، وقد فرغت من قراءته مرتين، وإلا لم أكن لأفرط به " .
قال لي أن الكتاب هي رواية " الساعة الخامسة والعشرين "، والكاتب أسم لا يعرفه إلا من قرأ كثيراً (كونستانتان جورجيو)، ممن يعتبرون أدباء النخبة. فرفض العرض، فضحك وليد وقال" أما زلت تعتبر كولن ولسن وسارتر، وديبفوار وكامو، وشتاينبك، ودستوفسكي أدباءك المفضلين ؟“ وكنت في الواقع قد تجاوزت هذه الذروة، وكنت أبحث عن الأعمق والأعمق، وكتاب الأعماق (كتاب النخبة) ليسوا معروفين على نطاق واسع، ومنذ ذلك الحين (1964) وأنا أعلم أن الأفكار العميقة هي ليس للانتشار. قلت لوليد جمعة أن أصحاب المكتبات في بغداد معظمهم أصدقائي، وسأجد الكتاب حتماً.
وطيلة أشهر وأنا أبحث عن الكتاب بلا هوادة، ومن بين من سألنهم مكتبة المثنى، وكانت إلى جانب مكتبة النهضة، أضخم مكتبتان في بغداد. ورغم أني كنت قد سألت المثنى مراراً عن الكتاب، إلا أن الإجابة كانت دائماً سلبية. وأخيراً وفي سؤالي للمرة العاشرة من مكتبة المثني، أخرج المرحوم قاسم الرجب وهو كتبي كبير، الكتاب من درجه، وأعطاه لي قائلاً " أخذ الكتاب وشي يصير خلي يصير ! ". وخرجت وأنا أمسك بيدي كنزاً. علمت فيما بعد أن الرواية كانت في تلك السنوات ممنوعة بأمر الرقابة.
من يعرفني من الأهل والأصدقاء، يعلمون أني سريع الملل، لا أطيق رؤية شيئ مرتين، وأمل بسرعة حتى من ملابسي ومن نوع معين من الطعام، ولا أشاهد فلم مرتين إلا نادراً جداً، مزاج متعب. ولكني قرأت هذا الكتاب 25 مرة ...! وعقدت العزم أن أقرأه مرة في السنة، وفعلت ذلك سنوات طويلة، إلى أن حفظت أحداثه (510 صفحة)، وقمت بأهداء الكتاب ونصحت حوالي 150 صديق لقراءته. ماذا أقول عن الكتاب.
النسخة الأصلية للكتاب صدرت عن دار اليقظة / دمشق، وهي دار قدمت روائع الأعمال في الخمسينات. في تلك الطبعة، التي ترجمها شخصية سورية كبيرة فائز كم نقش، وقد كتب المقدمة الفيلسوف الفرنسي مارسيل غابريل. كتب عن هذه الرواية ما يجعلها تحلق في سماء الأدب لعهود غير محددة كتب يقول كما أذكر :" هذه الرواية الرائعة .. هذه الرواية الرهيبة يسرني أنها تصدر باللغة الفرنسية، بسبب ظروف كاتبها، ولا أشك أن هذه الرواية ستترجم إلى لغات عديدة وإلا لكان في ذلك مدعاة للحزن ".
فكرت كثيراً فيما كتبه الفيلسوف غابريل، ولم أجد مبالغة فيما ذكر، وأنا أعتقد أن تغيراً، بل تغيراً كبيراً سيحدث في نفس من يقرأ الرواية.. ولهذا قررت قراءة الرواية مرة كل سنة، وواضبت على ذلك سنوات طويلة، وفي كل قراءة أكتشف فيها زاوية جديدة، أو رؤية جديدة.
لست أبالغ، ولكني أقول بكل ثقة، من لم يقرأ هذه الرواية قد فاتته معايشة هائلة لتجربة إنسانية عميقة جداً .. بعدها ستتغير رؤيته للإنسان ولكرامة الإنسان وحريته.
أن هذه الرواية العملاقة جرى إنتاجها في السينما، وبتمثيل انتوني كوين، إلا أن الرواية ككتاب أروع بكثير من الفلم، وهذا وما يجده بعض القراء غريباً، وأنا لا أجده كذلك، لا شيئ يعادل روعة الكتاب المطبوع.
كل شيئ في الحياة يتغير .... الكتبي الكبير هاشم الرجب رحل، وكذلك الكتبي الصديق العزيز عبد الرحمن حياوي / مكتبة النهضة، وبناي .. الكتبي المناضل الذي أرتقى من بائع كتب على الرصيف إلى كتبي وناشر، ووليد جمعة مات مشردا في كوبنهاغن، الرواية الهائلة صارت فلما مثله أنتوني كوين، توفي هذا العملاق، ومن المؤكد أننا سنلحق بهم لم يبق على ساعة الحائط من الوقت الكثير ...!...
الرواية “ الساعة الخامسة والعشرون “ باقية بوجه أعاصير الكتب والأدباء والثقافة العالمية التي لا حدود لها، تقرأ حتى اليوم وتذهل الناس بصدقها .. وعمق معاناة أبطالها ...
رجاء أقرؤا هذه الرواية الهائلة ... وهي متوفرة على الانترنيت مجاناً..!
الساعة الخامسة والعشرون
2025-12-17
421 قراءة
مختلفات
د. ضرغام عبد الله الدباغ
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال