تمهيد: الطفولة حين تُختزل في زمن مؤسسي
لم تعد أزمة المدرسة التونسية تُختزل في ضعف التحصيل، أو تدهور المناهج، أو اهتزاز صورة المعلّم، بل باتت أزمة زمن ومعنى بامتياز. فالطفل لا يُستقبل داخل المؤسسة بوصفه ذاتًا في طور التشكّل، بل كعنصر يجب إدراجه داخل نسق زمني صارم، يُحدَّد له متى يتحرّك، متى يصمت، ومتى يُنتج (Durkheim, 1922؛ Foucault, 1975).
بهذا المعنى، لا تكون الطفولة فقط «مبتورة»، بل سُحقت رمزيًا ووجوديًا، حين جُرِّدت من زمنها الطبيعي، ومن حقها في البطء، والتجريب، واللعب، والخطأ. فالزمن المدرسي لا يُبنى وفق حاجات النمو، بل وفق منطق الضبط والامتثال، فيتحوّل الطفل إلى جسد مُستنزَف داخل آلة زمنية لا تعترف بفرادته (Foucault, 1975).
يبدأ يوم الطفل مع السادسة صباحًا ولا ينتهي قبل السابعة مساءً: حصص رسمية، دروس تدارك، واجبات منزلية تمتد إلى الليل. وكأن الطفولة تحوّلت إلى وظيفة بوقت كامل، بلا عطلة نفسية، ولا متعة. يتحوّل البيت إلى امتداد للمدرسة، والمسـاء إلى زمن استكمال ما لم ينتهِ صباحًا. هكذا يُحبس الطفل داخل زمن مدرسي ممتد يبتلع اليوم بأكمله ويُنهكه قبل أوانه.
1. اللعب: الزمن المسلوب من الطفولة
اللعب ليس ترفًا، بل هو الشكل الأصلي لوجود الطفل. في اللعب، يقاس الزمن بالمعنى والاكتشاف، لا بالإنجاز. هويزينغا يوضّح أن اللعب يؤسّس الثقافة لأنه يخلق زمنًا خارج منطق المنفعة (Huizinga, 1938)، بينما يرى بياجيه أن اللعب شرط أساسي لتوازن البنية المعرفية (Piaget, 1969).
لكن المدرسة التونسية، تحت ضغط البرامج والتقييمات، تتعامل مع اللعب كزمن ضائع، فتقصيه لصالح «الدرس الجاد». وهكذا لا يُلغى نشاط تربوي فحسب، بل يُلغى زمن وجودي كامل، ويفقد الطفل حقه في أن يكون طفلاً، قبل أن يُدفع إلى عالم الكبار بلا أدوات رمزية أو نفسية.
حتى في بعض اللحظات الفراغية، قد يلجأ الطفل إلى الألعاب الرقمية أو الوسائط التفاعلية كمساحات بديلة لإيقاعه الخاص، لكن هذه المحاولات لا تُعالج جذريًا الضغط الزمني المدنس داخل المدرسة، بل تبقى مؤشرات ضمنية على الحاجة إلى فضاءات أكثر حرية للطفولة.
2. الدروس المُنهِكة: المعرفة كعبء زمني
تتحول الدروس داخل المدرسة إلى وحدات زمنية متلاحقة، لا تراعي إيقاع الفهم أو التملّك المعرفي. المعرفة هنا مسلوبة من معناها، فتتحوّل إلى عبء ثقيل.
كما يوضّح إيليتش، المدرسة الحديثة تحوّل المعرفة إلى سلعة زمنية وتنتج علاقة استهلاكية بالتعلم (Illich, 1971). وفي السياق التونسي، يشير الكيلاني إلى أن التضخم المعرفي في المناهج لا ينتج تعلّمًا، بل يُراكم الإخفاق ويزيد الملل (الكيلاني، 2007).
الطفل يُدفع لحفظ ما لا يفهم، واجتياز ما لا يعنيه، فتتشكل لديه عداء صامت للمعرفة.
3. الزمن المدرسي كأداة سلطة:
الزمن المدرسي ليس محايدًا، بل أداة سلطة تأديبية (Foucault, 1975). الجرس، تقسيم الحصص، العقاب المرتبط بالوقت، كلها آليات لإنتاج أجساد مطيعة لا ذوات ناقدة.
التأخير خطيئة، البطء تهمة، الشرود انحراف. كل خروج عن الإيقاع الرسمي يُصنَّف سلوكًا غير مقبول ويُعالج بالوصم أو العقاب. بهذا يظل الطفل تحت سلطة زمنية مستمرة تحول التعلم إلى امتثال، والذهن إلى متابعة للجداول.
4. الطفولة المسروقة: بين البيت والمدرسة
الطفولة لا تُسحق داخل المدرسة فحسب، بل يُشارك في ذلك بعض الأولياء، حين تتحول الطفولة إلى مشروع أعداد ومعدلات. الطفل يسعى لتكديس النقاط، وتقديس المعدلات، استجابة لرغبة اجتماعية ترى في النجاح الرقمي خلاصًا طبقيًا.
هنا تتحول الطفولة إلى استثمار، والزمن إلى سباق مستمر، بلا لعب، بلا ملل خلاق، بلا مساحة للذات.
خاتمة: الطفولة المبتورة وأفق الزمن الممكن
مفهوم، الفكرة هنا أن السؤال الأخير يجب أن يأتي في موقع طبيعي داخل النص، بحيث يكون ختامًا منطقيًا للنقد ولا يبدو مفصولًا أو مجرّد إضافة. أفضل موقع له هو بعد شرح اختفاء الحرية واللعب والفضول للطفل، كخاتمة طبيعية للفقرة الأخيرة قبل الانتقال إلى المراجع. إليك اقتراحي:
---
خاتمة: الطفولة المبتورة وأفق الزمن الممكن
الطفولة المبتورة في المدرسة التونسية ليست مجرد حادثة عابرة، بل نتاج بنية تربوية واجتماعية متكاملة تُقدّس الزمن المؤسسي وتُقصي زمن الحياة، فتُحوّل الأطفال إلى أجساد مستنزفة قبل أن تتشكل ذواتهم. مدرسة تدرّس بلا توقّف، تقيس بلا معنى، وتقيّم بلا اهتمام بالفضاءات الرمزية للطفل؛ تجعل المعرفة عبئًا ثقيلًا، واللعب رفاهية مرفوضة، والفضول خطيئة.
الطفل نفسه يبحث عن لحظات من الحرية، عن اللعب والاكتشاف، عن فرصة لتجربة الخطأ والتعلّم، لكن محاولاته للفضاء البديل، مثل الألعاب الرقمية، لا تعوّض عن فقدان الزمن الطبيعي للطفولة داخل المدرسة، ولا تمنحه حقه في أن يكون طفلاً بحق. وهنا تتبلور الحقيقة المرة: فمن يعيد له طفولته؟
الأسئلة الكبرى تبقى مطروحة: هل يمكن للمدرسة أن تعترف باللعب والفضول كحقوق أساسية للطفل؟ هل يمكن أن يُعاد ترتيب الزمن المدرسي وفق إيقاعه الخاص؟ هل نريد مدرسة تُنصت للطفل تحتضن خطأه وتجربته، أم نريد استمرار آلة الامتثال والزمن الميت؟
المراجع:
1. Durkheim, . (1922). ducation et sociologie. Paris: Alcan.
2. Foucault, M. (1975). Surveiller et punir. Paris: Gallimard.
3. Huizinga, J. (1938). Homo Ludens. Paris: Gallimard.
4. Piaget, J. (1969). La psychologie de l’enfant. Paris: PUF.
5. Illich, I. (1971). Une société sans école. Paris: Seuil.
6. Postman, N. (1982). The Disappearance of Childhood. New York: Delacorte.
7. الكيلاني، محمد (2007). إصلاح التربية والتعليم: الإشكالات والرهانات. تونس.
طفولة مبتورة وزمن مدرسي مُدنَّس قراءات سوسيولوجية في المدرسة التونسية
2025-12-16
385 قراءة
مقالات بحوث
سمير سعدولي
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال