قبل أن تولد روما بثقتها المتعجرفة،وقبل أن يتعلم الرومان كيف يشحذون الحديد أو يقودون الجيوش، كانت قرطاج تتمدد على خريطة المتوسط مثل نسر أرجواني فرد جناحيه فوق البحر.
لم تكن مجرد مدينة ،كانت أسطورة تُصنع.
كانت الأشرعة البنفسجية تغطي الأفق، وكان التجار القرطاجيون يدخلون المدن مثل ملوك متنكرين.
لم يكونوا بحاجة إلى السيوف،كان يكفي أن يلمح الناس عباءة أرجوانية ليعرفوا أن قوة العالم قد وصلت.
لكن الأرجوان، مثل كل الأشياء النفيسة،أخطر ما فيه أنه لا يُعطى إلا للأقوياء ولا يغفر لمن يسيء حمله.
ومن هنا بدأ التاريخ يكتب مأساته المفضلة،مأساة المدن التي تكبر ثم تُذبح بأيدي أهلها.
التاريخ يصرّ،فلم يكن الأرجوان مجرد صبغة بل احتكار قوة.
في مصانع الصباغة على ساحل قرطاج، كان العمّال يعصرون آلاف أصداف الموريكس ليخرجوا من بطن البحر قطرة واحدة من اللون الملكي.
كانت القطرة أغلى من الذهب،أغلى من القمح،أغلى من السلاح.
وكانت القاعدة المقدسة تقول"لا يلبس الأرجوان إلا من يستطيع حماية الإمبراطورية".
بهذه الفلسفة بنى الملوك والبحارة والأساطيل إمبراطورية عبرت إلى سردينيا وصقلية وإيبيريا.
وبهذه الفلسفة فهمت روما أن سقوط قرطاج لا يتم عبر البحر بل عبر إفساد مستخدمي اللون.
تاريخ القرطاجيين لا يرحم ،ففي القرن الثالث قبل الميلاد،
بدأت طبقة من الداخل تتسلل إلى قلب الحكم ،طبقة لا تعرف البحر،لا تعرف الحرب،لا تعرف التجار الحقيقيين، ولا تعرف أن اللون مسؤولية قبل أن يكون زينة.
بدأ الأرجوان ينتقل من كتف القادة إلى كتف "المُقرّبين"،
من رجال البحر إلى رجال الدواوين،
من أصحاب الجرأة إلى أصحاب النفوذ الصوتي و هنا دخلت قرطاج مرحلة الانحطاط الخفي. مرحلة تافهين بصراخ عالٍ،
وكفاءات صامتة تُحشر خارج القرار.
لم تسقط الإمبراطورية،بل سقط عقلها.واللون الذي كان رمز قوة،صار عباءة يُتاجر بها.
ومن يتاجر بالرموز يبيع الأوطان دون أن يشعر.
كل المدن تُختبر بانقسامها.وما أصاب قرطاج لم يكن مجرد خلاف سياسي،بل شقوقًا في روح المدينة.
كان هناك جناح الأرجوانيين و هم التجار، الدواوين، المصالح، المتنفذون،الذين يريدون دولة بلا حرب لأنهم لا يريدون خسارة أرباحهم.
وكان هناك جناح الحديد و هم عائلة برقة، حنبعل، البحارة، قادة الجيش،الذين يعرفون أن البحر لا يحترم إلا القوة.
اللون ضد الحديد،الربح ضد السيادة و الصفقة ضد المشروع.
وعندما تطغى الصفقات تُخنق المشاريع حتى تموت.
حين كان حنبعل يهزم روما في كاناي وتراسيميني،كانت المدينة الأم قد سُحقت من الداخل.
مجلس الشيوخ القرطاجي المليء بالأرجوانيين قطع عنه الإمدادات،وتركه وحيدًا في مواجهة أعظم آلة حربية عرفها التاريخ.
هذا ليس تاريخًا،هذا درس في علم سقوط الدول:
المدينة لا تموت حين تُهزم عسكريًا ،بل حين يقرّر مسؤولوها التوقف عن القتال.
وفي اللحظة التي لبس فيها الضعفاء الأرجوان،انتهى كل شيء.
في كل زمن،توجد مدينة تشبه قرطاج في لحظاتها الأخيرة:
ثروات تُدار بسطحية،نخب تلبس لونًا لا يليق بها،دولة تُحاصر من الداخل لا من الخارج،مشاريع تتوقف عند أول اعتراض،وولاءات تهزم كفاءات،ومسؤولون يملكون المقعد لا الوزن،وصوت أعلى من العمل،وعقل أدنى من المسؤولية.
لا تحتاج هذه الدول إلى روما جديدة.يكفيها أن تستمر طبقته الأرجوانية تلك التي تُمسك القرار بلا مشروع،وتحتكر السيادة بلا كفاءة،وتصرخ أكثر مما تعمل حتى تسقط سقوطًا يشبه قرطاج.
ولذلك يقول التاريخ،الأرجوان الذي يُرتدى بلا استحقاق
يحرق الكتف التي تلبسه.
قرطاج لم تمت بسبب سكيبيو،ولا بسبب روما،ولا بسبب الحروب بل ماتت يوم فقد أهلها معنى اللون الذي يحمونه.
ماتت يوم سمحت لأصحاب الصوت العالي أن يرتدوا عباءة أكبر منهم.
ماتت يوم أصبحت السلطة امتيازًا لا مسؤولية.
وكل دولة تُعيد الخطأ نفسه،تستحق المصير نفسه.
فالأرجوان لا يحمي الضعفاءبل يكشفهم.
حين سقط الأرجوان
2025-12-08
882 قراءة
مختلفات
عماد عيساوي
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال