لم تعد تونس في أزمة سياسية أو اقتصادية فحسب.
ما يحدث اليوم أخطر من إفلاس خزينة أو ارتباك حكومة. نحن أمام إعادة تشكيل جذرية للوعي العام، أمام حرب ناعمة تُدار بخوارزميات لا تُرى، وبمنصات لا وطن لها.
شباب تُعاد صياغة رغباته قبل أن يكتشف نفسه، وأجيال تُساق يوميًا إلى محتوى سائلٍ يقتات من وقتها، من انتباهها، ومن قدرتها على التفكير.
الخطر ليس في التفاهة، بل في هندستها.
ليس في المحتوى، بل في الخوارزميات التي تصنعه، تلك التي يعترف بها الخبراء اليوم باعتبارها أقوى آلة نفسية في التاريخ: économie de l’attention ، ingénierie comportementale ، algorithmes de manipulation.
هي منظومة تحوّل الإنسان إلى وحدة زمنية تُباع وتشترى. عيناه عملة، تفاعله رأسمال،مشاعره وقود.
وكلما كان هشًّا ومرتبكًا وغير محصّن، ارتفع سعره في بورصة التحكم الرقمي.
تونس اليوم مكشوفة بالكامل لهذه الحرب.
فـ 70% من الشباب يستهلكون المحتوى عبر منصات لا تخضع لأي رقابة وطنية، ومعدل الانتباه عند المراهقين انخفض عالميًا إلى أقل من 8 ثوانٍ وهو رقم صارخ يعني أن جيلًا كاملًا يُدفع نحو “العقل القصير” غير القادر على التفكير المتسلسل أو التحليل العميق.
وما يزيد الطين ظلامًا أن 85% من المحتوى الأكثر انتشارًا بين الشباب في تونس تافه، جنسي، أو مليء بسلوكيات مقلّدة، بينما المحتوى الثقافي والفكري لا يتجاوز 3% من الاستهلاك اليومي.
هذه ليست أرقامًا عابرة.
هذه إحصائيات تُنذر بأننا نخسر معركة الوعي قبل أن ندخلها.
الإعلام المحلي، بدل أن يكون درع الوعي، صار جزءًا من المشكلة.
برامج سطحية، مسابقات فارغة، مقالات بلا روح، محتوى رقمي هش لا يتجاوز مدة الصلاحية فيه خمس ثوانٍ.
والمدرسة ذلك الحصن الذي كان يبني مواطنًا قادرًا على التفكير تحولت إلى فضاء يخرّج شبابًا لا يتقنون hygiène numérique، ولا يفهمون الخوارزميات، ولا يملكون جهاز مناعة ذهني أمام اقتصاد الانتباه.
الدولة نفسها تتحرك ببطء زاحف.
لا ثقافة رقمية، لا قوانين صارمة لحماية القاصرين، لا مرصد لمراقبة المحتوى، لا بديل وطني جاذب، ولا استراتيجية حقيقية تدمج التعليم بالإعلام بالبحث العلمي.
وهكذا تُترك عقول الشباب رهينة شركات عالمية لا تعرف الرحمة، تُعيد تشكيل وعيهم بلا نقاش ولا إذن، وتُحوّل الأسرة إلى متفرج مرتبك لا يصدّق أن أطفاله يعيشون في عالم آخر.
لكن رغم هذا السواد، المعركة ليست خاسرة.
عندي مشروع شامل وطني، علمي، واقعي يمكنه أن يقلب الطاولة على الكارثة الرقمية قبل أن تتحول إلى قدر لا يُرد.
فأرجوكم يا سادة القرار أن تقرأو و تستوعبو ،خذو مني هذا المقترح و لا رغبة لي حتى في معرفة أنكم تبنيتم المشروع ،ما يعنيني هو بلدي فقط ،تونس العزيزة و شبابها الغالي.و لا رغبة لي في أي زعامة ورقية و لا كرسي من كراسيكم الولائية.
تونس يا سادة تحتاج إلى حالة طوارئ وعي، لا شعارات. برنامج يبدأ من المدرسة وينتهي بالمنصة الرقمية، يدمج البحث العلمي بالتربية الرقمية وبمناعة المجتمع.
تونس تحتاج إلى مرصد وطني للخوارزميات، يراقب، يحلل، يقيس، ويكشف: من يوجه عقول أطفالنا؟ ولماذا؟ وبأي أدوات؟
تونس تحتاج إلى إصلاح تربوي يدمج métacognition numérique، يعلّم الطفل كيف يفكر، لا ماذا يفكر.
تونس تحتاج إلى اقتصاد محتوى حقيقي، يدعم الإنتاج المحلي، ويخلق نجوما يعوّضون نجوم التفاهة.
تونس تحتاج إلى تشريع ذكي، لا يقمع ولا يُرهب، بل يحمي ويحترم ويمنع الانزلاق نحو الهاوية.
تونس تحتاج إلى Digital Wellbeing Index رسمي، يقيس صحة الوعي كما نقيس ضغط الدم.
هذه ليست أفكارًا نظرية، بل خطة جاهزة، قابلة للتنفيذ، تشتغل اليوم عليها عشرات الدول، بينما نحن نواصل النوم في قلب المعركة.
إن أخطر ما تواجهه تونس اليوم ليس التضخم ولا العجز ولا الفقر.
الخطر الحقيقي هو تفكك الوعي،هو أن نتحول من شعب يفكر إلى شعب يُفكَّر له.
من مجتمع قادر على المقاومة إلى مجتمع يُقاد عبر إشعار، ومقطع قصير، وصدمة بصرية.
هو أن يصبح مستقبلنا مجرد خلاصة قصيرة في منصة رقمية، لا نصنعها نحن، بل تُصنع لنا.
تونس فكرة والفكرة لا تموت إلا حين يستولي عليها الآخرون.
وإن لم نحمِ عقول شبابنا اليوم، فلن نحمي شيئًا غدًا
لا وطنًا، ولا هوية، ولا سيادة، ولا حلمًا صغيرًا اسمه المستقبل.
هذه ليست معركة رفاهية.إنها معركة بقاء.والوقت ينفد.
تونس تحت قصف الخوارزميات
2025-12-05
431 قراءة
مختلفات
عماد عيساوي
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال