بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

جيل ما بعد التربية: قراءات فينومينولوجية في اللامعيارية وانهيار المعنى: دراسة مُعمَّقة

2025-11-28 583 قراءة مقالات بحوث سمير سعدولي
مقدّمة فينومينولوجية: من انهيار البنى إلى تفكّك التجربة

تعيش تونس اليوم مرحلة تتجاوز الأزمة التربوية والسياسية والاقتصادية نحو أزمة وجودية تمسّ علاقة الفرد بالعالم. فالانتقال من “مجتمع التربية” إلى “مجتمع ما بعد التربية”—كما تكشفه الوقائع الميدانية والدراسات التونسية (المؤدّب، 2015؛ شرف الدين، 2021)—لا يعني تغيّرًا في البنى فقط، بل في كيفية عيش الإنسان لعالمه.

من منظور فينومينولوجي، تتحوّل اللامعيارية من مجرد حالة اجتماعية كما صاغها دوركايم (Durkheim, 1897) إلى شكل من الوعي بالعالم: عالم لا يمنح أطرًا جاهزة للفهم، ولا معايير للاستقرار، ولا “أفقًا معنويًا” يستند إليه الفرد في بناء ذاته.

إنّ عالم اليوم، كما وصفه باومان (Bauman, 2000)، عالم سائل، متحوّل، بلا مركز وبلا يقين. في تونس، يتخذ هذا السائل شكل أزمة وجودية حقيقية نتيجة هشاشة المؤسسات، وانسحاب العائلة، وانهيار المدرسة، وصعود الفضاء الرقمي كفاعل اجتماعي يفرض واقعًا جديدًا على وعي الفرد.

1. اللامعيارية كخبرة معاشة: من توصيف دوركايم إلى تشخيص الوعي اليومي

اللامعيارية عند دوركايم كانت تعني غياب الضبط الأخلاقي وارتباك المعايير (Durkheim, 1897).
لكن في السياق التونسي المعاصر، تكتسب اللامعيارية بُعدًا فينومينولوجيًا: إنها ليست خللًا اجتماعيًا فحسب، بل وضعية وجودية يعيشها الأفراد كتجربة فقدان للمعنى.

كيف يعيش التونسي اللامعيارية؟

كغياب لسلطة رمزية قادرة على توجيه الفعل

كارتباك داخلي أمام تدفق قيم متعددة ومتناقضة

كفقدان لمرجعيات كانت تعتبر ثابتة: العلم، المدرسة، العائلة

كتحوّل “العالم المشترك” إلى فسيفساء مضطربة لا تتيح استقرارًا وجوديًا

تؤكّد أبحاث العيادي (2018) أنّ الشباب التونسي يعيش حالة من تشتّت القيم حيث تتساوى المرجعيات القديمة والجديدة دون إمكانية التمييز. ووفق منهج هوسرل وميرلوبونتي، فإنّ فقدان البنى الرمزية هو فقدانٌ لإمكان العيش في عالم “مفهوم”.

إنّ اللامعيارية اليوم ليست فقط “تُعاش”، بل تسكن الوعي وتعيد تشكيل علاقة الفرد بالحياة والتعليم والمعرفة.

2. العائلة: من مؤسسة للمعنى إلى وحدة بلا وظيفة رمزية

تشير أدبيات علم الاجتماع التونسي (العيادي، 2018؛ شرف الدين، 2021) إلى أنّ العائلة فقدت تدريجيًا دورها التربوي، لكن التعمّق الفينومينولوجي يكشف أنّ المسألة تتجاوز ذلك:

العائلة لم تعد وسيطًا للمعنى، بل أصبحت “عالمًا منزوع الرمزية”

الأبوة والأمومة لم تعد مراكز سلطة رمزية

التواصل صار لحظيًا وظرفيًا، لا مشروعًا قيميًا مستمرًا

انشغال الوالدين الاقتصادي أفرغ العلاقة من بعدها التربوي

لم تعد العائلة تصنع “أفقًا وجوديًا” للطفل

وفق ميرلوبونتي، يفهم الطفل العالم من خلال “وسطه الأصلي”، والعائلة هي ذلك الوسط. وعندما ينهار هذا الوسط، يدخل الطفل العالم بلا سند يكسبه القدرة على تأويل التجارب.

بهذا المعنى، يعيش الجيل الجديد الفراغ التربوي كشرط للوجود، لا كخلل عرضي.

3. المدرسة التونسية: انهيار التجربة التربوية وانحراف الجيل

تصف الدراسات التونسية الوضع المدرسي بأنه أزمة وظائف (شرف الدين، 2021؛ محجوب، 2019). لكن الفينومينولوجيا تذهب أبعد، لتكشف أنّ المدرسة لم تعد “عالمًا ذا معنى” بالنسبة للتلميذ، بل فضاء يختلط فيه فقدان القصدية بالانحراف السلوكي:

التجربة الصفية فقدت بعدها العياني

العلاقة بالمعرفة فقدت معناها الوجودي

الدرس أصبح طقسًا فارغًا لا حدثًا تربويًا

القسم تحوّل إلى فضاء إداري، لا فضاء جدلي أو معرفي

التلميذ فقد “الاهتمام الأساسي” الذي يجعل التعلم ممكنًا (Heidegger)

انحراف بعض التلاميذ، من عنف لفظي وجسدي موجه إلى الإطار التربوي، أصبح ظاهرة متزايدة

صعود سلوكيات التفاهة واللامبالاة كجزء من نمط حياة يعكس الفراغ القيمي والوجودي

الدراسات الحديثة (محجوب، 2019) تشير إلى أنّ التلميذ يشعر بأنّه “غير معني” بالتعليم، وهي ظاهرة يمكن تفسيرها فينومينولوجيًا بـغياب القصدية التربوية.

المعرفة لا تتجه نحو المتعلم، والمتعلم لا يتجه نحو المعرفة. إنها علاقة منقطعة، ومهددة بالانحراف الأخلاقي والسلوكي في غياب أي إطار قيَمي مستقر.

4. جيل ما بعد التربية: انغماس في التفاهة والفساد

هذا الجيل لا يعيش أزمة قيم فقط، بل يعيش تحوّلًا عميقًا في نمط وجود الذات وانغماسًا مقلقًا في عالم الفساد والتفاهة والجريمة بلا ضوابط، بلا أسس. الهوية أصبحت سائلة (Bauman, 2007):

لا ماضٍ يستند إليه

لا مستقبل يتطلع إليه

بل حاضر مجزأ ومفتوح على إمكانات لا نهاية لها

الفينومينولوجيا تكشف ثلاث سمات أساسية لهذا الجيل:

أ. انقطاع الجذر الرمزي:
الجيل الجديد لم يعد يمتلك “أصلًا” قيميا أو تربويا يعود إليه في الأزمات.

ب. علاقة استهلاكية بالمعنى:
القيم تُستعمل ولا تُبنى، العلاقات تُستهلك، والتجارب تُعاش بسرعة دون عمق.

ج. فراغ قصدية الوجود وانغماس في التفاهة والفساد:
لا مشروع، لا أفق، ولا معايير واضحة للسلوك. هذا الفراغ الوجودي يجعل البعض يتجه نحو الانغماس في العنف، الفساد، استهلاك المخدرات، والممارسات الإجرامية، إلى جانب الانغماس في التفاهة الرقمية. هذه الظاهرة تتكامل مع الانحراف المدرسي لتخلق بيئة تربوية واجتماعية مهددة لكل أفق وجودي حقيقي.

هذا ما يفسّر:

صعود العنف والجريمة داخل المدرسة وخارجها

ضعف الانتماء الاجتماعي والمؤسسي

انطفاء الرغبة في التعلّم

هشاشة الهوية المدرسية

الإدمان على الفضاء الافتراضي

كما وثّقته أبحاث المؤدّب (2015) والعيادي (2018).

5. نحو إعادة بناء المعنى: الشرط الفينومينولوجي للنهضة التربوية

السؤال اليوم ليس:
كيف نصلح المدرسة؟
ولا:
كيف نعيد سلطة العائلة؟

بل:
كيف نعيد إلى الإنسان قدرته على عيش العالم بوصفه عالمًا ذا معنى؟

الفينومينولوجيا تقدّم ثلاثة شروط أساسية:

أ. استعادة العالم المشترك:
إعادة بناء فضاء قيمي يتقاسمه الجميع: المدرسة، العائلة، المجتمع.

ب. تجديد القصدية التربوية:
أن تعود المعرفة لتكون حدثًا موجّهًا نحو المتعلّم، وأن يعود المتعلم فاعلًا لا مستهلكًا.

ج. إعادة بناء الهوية بوصفها مشروعًا لا حالة:
هوية تُبنى على الاستمرارية، لا على الاستهلاك اللحظي.

خاتمة فينومينولوجية:

الأزمة التربوية في تونس ليست انهيارًا للمؤسسات فقط، بل انهيار للأفق الوجودي للإنسان التونسي. لقد تحوّلت اللامعيارية إلى خلفية يومية يعيش فيها الفرد دون أدوات للفهم أو للتأويل، وبدون مشروع يمكن أن يجمعه بغيره.

الخطر ليس أن تسقط المدرسة، بل أن يتعوّد الجيل على غيابها.
وليس أن تنسحب العائلة، بل أن يفقد الطفل الحاجة إليها.
وليس أن تنهار القيم، بل أن يصبح غيابها أمرًا طبيعيًا.

ومع ذلك، فإنّ كل وضعية فقدان تُنتج سؤالًا، وكل سؤال يُعيد إمكان المعنى.
ولعلّ اللحظة الراهنة ليست إعلان نهاية التربية، بل بداية تفكير جديد في الإنسان والمعنى والمجتمع.

ويبقى السؤال الفلسفي الذي يجب أن يوجّه كل مشروع تربوي قادم:

هل يمكن إعادة بناء المعنى في مجتمع يعيش اللامعيارية كحالة وجودية، وينغمس جيله في الفساد والتفاهة والانحراف بلا ضوابط؟ أم أنّ تونس مدعوّة إلى صناعة “تربية جديدة” تنبثق من قلب الأزمة، وتعيد إلى الإنسان بوصلته الوجودية؟

المراجع:

1. Althusser, L. (1971). Idéologie et appareils idéologiques d’tat.

2. Bauman, Z. (2000). La Modernité liquide.

3. Bauman, Z. (2007). Le Temps des incertitudes.

4. Durkheim, . (1897). Le Suicide.

5. Freire, P. (1970). Pédagogie des opprimés.

6. المؤدّب، حمّادي (2015). سوسيولوجيا المدرسة التونسية. تونس: دار محمد علي الحامي.

7. العيادي، محمد الحاج (2018). الشباب والتحوّلات القيمية في المجتمع التونسي. تونس: كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية.

8. شرف الدين، محمد (2021). الأزمة التربوية في تونس. تونس: دار نقوش.

9. محجوب، المنصف (2019). أزمة التربية وإعادة بناء المعنى. تونس: دار سوتيميديا.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال