الألم ليس الطيف الذي يحاول الإنسان الهروب منه طوال حياته، بل هو المرآة التي تضعه في مواجهة نفسه.
فكل تجربة موجعة تكشف منطقة لم تكن الروح قد رآتها من قبل، وكل جرح يفتح نظرة جديدة لمعنى الوجود، وكل خسارة تضيء فراغاً داخلياً يطلب إعادة البناء.
ولهذا لا يكبر الوعي عبر الراحة، بل عبر تلك اللحظات التي تشعر فيها الروح بأنها تسقط ثم تكتشف أنها تتعلم الطيران.
الألم ليس نقيض السعادة، بل هو المجال الذي تختبر فيه النفس قدرتها على الفهم والتأمل.
إن الإنسان الذي لم يعرف الألم يبقى هشاً مهما بدا قوياً، لأن القوة الحقيقية لا تنبع من العضلات أو من القدرة على الاحتمال السطحي، بل من ذلك الاتساع الداخلي الذي يولده الألم عندما يمر عبر الروح فيغير ترتيبها.
هو امتحان لا أحد يطلبه، لكنه يأتي كي يعرّف الإنسان إلى أعماقه.
في كل ألم سؤال خفي يطلب إجابة، وفي كل معاناة فرصة لإعادة النظر في المسار الذي نمشي فيه.
فالإنسان حين يتألم يبدأ في طرح أسئلة لم يكن يملك الشجاعة لطرحها أيام السعادة.
ماذا أريد حقاً
من أنا حين أُجرّد من كل ما كنت أظنه مهماً
ما الذي يبقى مني حين يتساقط كل ما كنت أحمله على كتفي
هذه الأسئلة ليست مجرد كلمات، بل هي أبواب تفتحها التجربة الموجعة لكي يدخل الإنسان إلى مساحة أعمق من ذاته.
الألم يملك قدرة غريبة على تنقية الروح من كل ما هو زائد.
فهو يزيل الضجيج الداخلي الذي يملأ النفس في أوقات الرفاه، ويجبر الإنسان على أن يختار ما يبقى وما يرحل.
لا يعود قادراً على تضييع وقته مع ما لا يستحق، ولا على منح قلبه لمن لا يراه، ولا على تكرار العادات التي تستهلك عمره دون أن تعطيه شيئاً.
ومن هنا يولد نوع خاص من الحرية، الحرية التي تأتي من الفقد، الحرية التي يولدها الألم حين يعيد ترتيب الأولويات ويجعل الإنسان وفياً لما يليق بروحه فقط.
الألم ليس دائماً قيداً، بل قد يكون الطريق الوحيد الذي يفهم من خلاله الإنسان حدوده.
فكل روح تحتاج إلى لحظة تتكسر فيها الصورة القديمة كي تُبنى صورة جديدة أكثر صدقاً وأكثر صلابة.
ولا شيء يكسر الصورة كما يفعل الألم، ولا شيء يعيد بناءها كما يفعل الفهم العميق لما جرى.
فالألم الذي لا نفهمه يتحول إلى سجن، أما الألم الذي ندرك معناه فيصبح جسراً نحو وعي أعلى.
هناك ألم يحرر وألم يستعبد.
الأول يفتح العين على الحقيقة، ويمنح الإنسان طاقة لإعادة تشكيل حياته من جديد.
أما الثاني فهو الألم الذي يتغذى على الخوف والندم والتمسك بما انتهى، وهذا النوع يعيش داخل النفس كالضباب ويمنعها من رؤية الطريق.
والفرق بين النوعين هو طريقة النظر، فالألم ذاته يمكن أن يكون بداية حياة جديدة أو نهاية كل شيء، والإنسان هو الذي يقرر في أي اتجاه يسير.
الروح لا تطلب الألم، لكنها تعرف قيمته حين يأتي.
ففي تلك اللحظات التي نشعر فيها بأن العالم يضيق يصبح العقل أكثر قدرة على التركيز، وتصبح المشاعر أكثر صدقاً، وتتخلص النفس من ادعاءات القوة الزائفة.
وهذا التجرد يجعل الإنسان يرى ما لا يُرى عادة، يرى هشاشته، يرى حاجته إلى الآخر، يرى وحدته العميقة، يرى كم كان يهرب من نفسه وهو يظن أنه يهرب من الظروف.
ومع هذه الرؤية تبدأ الروح بالنضج.
الإنسان لا ينضج حين يحصل على ما يريد، بل حين يتعلم كيف يتعامل مع ما لم يختره.
حين يدرك أن الحياة ليست سلسلة من المكاسب، بل سلسلة من التحولات، وأن كل تحول يترك في القلب علامة، وأن هذه العلامات مجتمعة تشكل شخصية جديدة أكثر قدرة على الفهم.
إن النضج ليس أن تصبح قوياً طوال الوقت، بل أن تعرف كيف تنهض حين يسقط كل شيء من حولك.
الألم يمتحن علاقتنا بأنفسنا قبل أن يمتحن علاقتنا بالناس.
فهو يضع الإنسان أمام مرآته دون زينة، ويجعله يرى تلك الطبقات التي كان يخفيها خلف الانشغال والضحك والعمل والعلاقات والكلمات.
ومن يجرؤ على النظر إلى هذه المرآة يخرج بحكمة لا يمكن لأي كتاب أن يمنحها.
إنها الحكمة التي تخرج من التجربة، من اتساع القلب بعد الضيق، من فهم الإنسان لنقاط ضعفه دون أن يكره نفسه عليها.
وفي النهاية يبقى الألم أحد أقوى الطرق التي تصل بها الروح إلى حريتها.
فالحرية ليست غياب الصعاب، بل هي القدرة على تحويل الصعاب إلى وعي، وتحويل الجراح إلى معنى، وترك الماضي دون أن نسمح له بأن يمنعنا من السير.
وحين يتعلم الإنسان ذلك يشعر بأن كل ما مرّ به لم يكن عبثاً، وأن الحياة رغم قسوتها تملك حكمة عميقة تعمل في الخفاء لتشكّل روحه بطريقة لا يفهمها إلا بعد سنوات.
هكذا يصبح الألم جزءاً من الطريق لا عدواً له.
ويصبح المعنى أعمق من مجرد رغبة في النجاة، بل رغبة في العيش بوعي صلب لا تكسره التجارب، ووعي رقيق في الوقت نفسه يسمح للإنسان بأن يظل إنساناً مهما اشتدت عليه الحياة.
رسالة الحرية 3 : في الألم ومعنى أن تنضج الروح
2025-11-22
1084 قراءة
مقالات رأي
محمد علي العقربي
التعليقات والردود
2
مع تعليقي الأول أضيف أنه أحيانا يصبح المرء أكثر عدوانيتا ويمرض نفسانيا بسبب الألم، إن الألم مقيت عفانا الله منه وكفانا شره.
أرى بأن الأنسان لا يتغير بالألم أولا بل بالعزلة، العزلة تجعله يرتب أفكاره، ويرى أهمية علاقته مع الله حين يختفي كل شيئ وتختفي التشتيتات البسيطة على بصيرة الإنسان الضعيفة على نور الله.
إن العزلة والسفر للراحة يغيران الإنسان فعلاً، وأنا لا أقصد يوماً أو يومين، بل أتكلم عن مدةٍ تتجاوز شهراً على الأقل، في بيئةٍ جديدة. إنهما يجعلان الإنسان يدرك كثيراً من الأشياء ويستوعبها، فيتغير للأفضل.
تُبنى العضلات في النوم بعد الجهد الكبير، ويُبنى العقل أيضاً بالراحة بعد التعب الطويل،راحة العقل ليست في الصمت فقط، بل في الابتعاد، في أن تمنحه فرصة ليهدأ.
حين يتوقف الإنسان عن إسترجاع الماضي لبناء الهدوء، ويتوقف عن رؤية الأشياء القديمة المسبوقة بالتعريف بنفس الزاوية المعتادة، وحين يتوقف عن التفاعل المفروض عليه كل مرةٍ يقابل فيها شخصاً أو موقفاً اعتاد عليه حتى أصبح يعرفه.
حين تتراكم الأفكار وتترسّب، ويبدأ النسيان في غربلتها، حينها يتغير الإنسان إلى الأفضل، حين يعطي نفسه فرصةً للنضج.
تنسى الكثير من الأشياء، وينسحب تعريف كثيرٍ من الأشخاص منك ويتغيّر، فتولد تعريفاً جديداً لنفسك ،بنفسك.، تُبنى أولويات. لتولد من جديد وتكتشف ذاتاً أخرى أفضل، فيتطور السلوك والإدراك.
هون الله حياة كل مسلم ومؤمن وجاركم الله من الألم.
إن العزلة والسفر للراحة يغيران الإنسان فعلاً، وأنا لا أقصد يوماً أو يومين، بل أتكلم عن مدةٍ تتجاوز شهراً على الأقل، في بيئةٍ جديدة. إنهما يجعلان الإنسان يدرك كثيراً من الأشياء ويستوعبها، فيتغير للأفضل.
تُبنى العضلات في النوم بعد الجهد الكبير، ويُبنى العقل أيضاً بالراحة بعد التعب الطويل،راحة العقل ليست في الصمت فقط، بل في الابتعاد، في أن تمنحه فرصة ليهدأ.
حين يتوقف الإنسان عن إسترجاع الماضي لبناء الهدوء، ويتوقف عن رؤية الأشياء القديمة المسبوقة بالتعريف بنفس الزاوية المعتادة، وحين يتوقف عن التفاعل المفروض عليه كل مرةٍ يقابل فيها شخصاً أو موقفاً اعتاد عليه حتى أصبح يعرفه.
حين تتراكم الأفكار وتترسّب، ويبدأ النسيان في غربلتها، حينها يتغير الإنسان إلى الأفضل، حين يعطي نفسه فرصةً للنضج.
تنسى الكثير من الأشياء، وينسحب تعريف كثيرٍ من الأشخاص منك ويتغيّر، فتولد تعريفاً جديداً لنفسك ،بنفسك.، تُبنى أولويات. لتولد من جديد وتكتشف ذاتاً أخرى أفضل، فيتطور السلوك والإدراك.
هون الله حياة كل مسلم ومؤمن وجاركم الله من الألم.
تعليق على مقال