تمهيد: المدرسة كفضاء فلسفي–سوسيولوجي
المدرسة التونسية اليوم ليست مجرد مؤسسة تعليمية، بل مرآة تعكس التناقضات الاجتماعية والسياسية والثقافية في البلاد (Bauman, 2000; Althusser, 1971). إذ تعكس الفضاءات المدرسية انقسامات المجتمع: بين المحافظة والانفتاح، بين التهميش والتمكين، وبين الرسالة الرسمية والقيم الحقيقية السائدة.
في هذا السياق، يكتسب مفهوم الكوجيتو التربوي بعدًا جديدًا: فهو ليس مجرد تفكير فلسفي ذاتي كما عند ديكارت، بل وعي المعلم والمتعلم بدورهما في إنتاج المعرفة، ومراقبة كيفية استمرار العملية التربوية ما بعد المدرسة، أي خارج جدران الفصل التقليدية. الكوجيتو هنا أداة نقدية لفهم العلاقة بين المعرفة، السلطة، الرسالة التربوية، والمجتمع.
الفصل الأول: المثلث الديداكتيكي وانهيار البنية
المثلث الديداكتيكي الكلاسيكي – المعلم، المتعلم، والمعرفة – كان يُعتبر الهيكل البنيوي للتعليم، إذ يقوم كل ضلع بدور محدد وواضح. لكن في الواقع التربوي التونسي المعاصر، أصبح هذا المثلث سائلًا وغير متوازن:
1. المعلم بين الروتين والبيروقراطية: يُختزل دوره في التبليغ والتنفيذ، وأحيانًا في فرض الانضباط، بعيدًا عن الإبداع والفعل التربوي (بن مراد، 2016؛ النفطي، 2019).
2. المتعلم المتشتت: يعيش ضمن فصول مكتظّة، مشهد تربوي فوضوي، ومنهجيات تلقينية تفقده القدرة على بناء الوعي النقدي (بوغطاس، 2020).
3. المعرفة المغتربة: مناهج لا تواكب الزمن الاجتماعي، ولا تمتد إلى عالم المتعلم الواقعي والرقمي (بن عاشور، 2018).
هذا التفكك البنيوي يجعل المدرسة جهازًا لإعادة إنتاج القيم السائدة بدل أن تكون فضاءً للتحرر الفكري والإبداع (Bourdieu & Passeron, 1970؛ القلال، 2017).
الفصل الثاني: ما بعد المدرسة – الكوجيتو التربوي
"ما بعد المدرسة" هو امتداد للفعل التربوي خارج المؤسسة الرسمية، حيث تتجاوز المعرفة حدود الدرس والجدول الزمني:
تعزيز التعلم المستقل: تحرير المتعلم من أسر الحفظ والتلقين.
تنمية المهارات الحياتية: ربط المعرفة بالقيم الأخلاقية والتحولات الاجتماعية (بوغطاس، 2020).
تجاوز الفوضى المنظمة: تحويل الانضباط من ضغط خارجي إلى وعي داخلي.
في هذا الإطار، يصبح الكوجيتو التربوي ممارسة فلسفية–سوسيولوجية واعية، يفهم فيها المعلم والمتعلم علاقتهما بالسلطة والمعنى والواقع المتحول (Freire, 1970؛ النفطي، 2019).
الفصل الثالث: مثلث برمودا التعليمي – استعارة التناقضات
مثلث برمودا الجغرافي، حيث تختفي السفن والطائرات في لغز غامض، يتحول هنا إلى استعارة لفهم التناقضات التربوية:
اختفاء دور المعلم الفعلي بسبب الروتين، الضغط البيروقراطي، وغياب الاعتراف (بن مراد، 2016).
تلاشي المتعلم داخل فوضى اللامعيارية وتشتت الانتباه (بوغطاس، 2020).
المناهج كمصدر للغموض: معرفة معزولة عن الواقع اليومي، منحصرة في عالم ورقي بعيدًا عن العالم الرقمي الذي يعيشه المتعلم (بن عاشور، 2018).
هكذا يصبح المثلث الديداكتيكي "مثلث برمودا تربوي" يبتلع الفاعلية التعليمية ويترك الفصول في حالة تيه معرفي وقيمي.
الفصل الرابع: الانعكاسات السوسيولوجية والفلسفية
المدرسة التونسية تعكس أزمة المجتمع:
تهميش المعلم: غياب الاعتراف الاجتماعي يضعف سلطته التربوية (بن مراد، 2016).
تشتت المتعلم وتمرده: جيل جديد يرفض المدرسة لأنها لم تعد تشبع رغباته واحتياجاته (الجلاصي، 2021).
غياب الرؤية: تخبط سياسات الدولة وابتعاد المناهج عن الواقع (العبيدي، 2015؛ القلال، 2017).
الأزمة ليست تقنية فقط، بل أزمة معنى: المدرسة لم تعد تنتج الوعي والمواطنة الفاعلة، بل تعيد إنتاج هشاشة المجتمع وصراعاته (الحدّاد، 2014).
الفصل الخامس: تمرد الجيل والفوضى كمنظومة تربوية جديدة
أدى انهيار البنية الديداكتيكية إلى خلق ما يمكن تسميته بـ"جيل الفوضى التربوية" (الهوني، 2022):
جيل لا يجد في المدرسة سوى فضاءٍ متخشب، فيمارس تمرده عبر الانغماس في اللامعيارية والهروب إلى العوالم الرقمية.
هذا التمرّد ليس سلوكًا فرديًا، بل تعبيرًا سوسيولوجيًا عن قطيعة رمزية بين المدرسة والجيل الحالي.
تتحوّل الفوضى من مجرد ظاهرة إلى بنية اجتماعية يعاد عبرها تشكيل علاقة المتعلم بالسلطة وبالمعرفة.
الكوجيتو التربوي هنا فعل وعي مضاد، يسعى إلى تفكيك آليات الانفلات واستعادة دور المعلم والمتعلم كفاعلين داخل واقع مضطرب.
الخاتمة:
إنَّ كوجيتو الممارسة التربوية ما بعد المدرسة ليس تنظيرًا إضافيًا في حقل مكتظ بالمفاهيم، بل محاولة لإعادة إحياء السؤال التربوي في تونس: من نحن داخل المدرسة؟ وما الذي نريد أن نصنعه خارجها؟
كشف التحليل أنّ المثلث الديداكتيكي، في صيغته السائلة، لم يعد قادرًا على تأمين الحدّ الأدنى من المعنى، وأنّ مثلث برمودا التعليمي ليس سوى استعارة لتيه أعمق: تيه المجتمع نفسه وهو يعيد إنتاج هشاشته داخل فصول منهكة.
ولا تكتمل الصورة دون رصد تمرّد الجيل الجديد: جيل يعيش انغماسًا عميقًا في الفوضى الرمزية واللامعيارية، لا لأنه يرفض المدرسة فحسب، بل لأنه يرفض كل نظام لا يعكس تجربته اليومية وفضاءه الرقمي. هذا الجيل يبحث عن معنى لم يعد يجده في المدرسة الرسمية، فيلجأ إلى أشكال بديلة من الهوية والمعرفة، لكنها غالبًا مشبعة بالعشوائية والانفلات.
الكوجيتو هنا فعل مقاومة ضد الانهيار البطيء للمعنى التربوي، وضد تسرب الجيل إلى فضاءات بلا ضوابط ولا رؤية. هو عودة إلى الذات التربوية – معلمًا ومتعلّمًا – لفهم موقعها داخل لعبة السلطة والمعرفة واللامعيارية.
ستستعيد المدرسة التونسية دورها فقط إذا انتقلت من منطق إعادة الإنتاج إلى منطق إعادة التأسيس: تأسيس لسلطة معرفية نقدية ذات معنى، ولمدرس فاعل يكسب التقدير، ولمتعلم صانع للمعنى، ولمعرفة متجذّرة في الواقع ومنغمسة فيه.
ويظل السؤال الفلسفي مفتوحًا:
هل يمكن للمدرسة التونسية أن تعود فضاءً للمعنى والانضباط القيمي، أم ستظل مثلثًا آخر من مثلثات الغموض واللامعيارية يبتلع الفاعلين بلا أثر؟
المراجع:
1. Althusser, L. (1971). Idéologie et appareils idéologiques d’tat.
2. Bauman, Z. (2000). Modernité liquide.
3. Bourdieu, P., & Passeron, J.-C. (1970). La reproduction.
4. Freire, P. (1970). Pédagogie des opprimés.
5. Apple, M. W. (1979). Idéologie et curriculum.
6. العبيدي، محجوب. (2015). المدرسة والتحولات الاجتماعية في تونس: قراءة سوسيولوجية. المجلة التونسية للعلوم الاجتماعية، 162، 45–68.
7. بن عاشور، محمد. (2018). الأزمة البيداغوجية في المدرسة التونسية: تحليل نقدي للمناهج والتكوين. مجلة التربية، 12(2)، 89–112.
8. بوغطاس، نادرة. (2020). اللامعيارية والقيم الجديدة لدى المراهق التونسي. مجلة الفكرية للعلوم الاجتماعية، 7(1)، 133–158.
9. الحدّاد، عبد المجيد. (2014). أزمة الهوية المدرسية في تونس. مجلة علوم التربية، 30، 21–44.
10. النفطي، سوسن. (2019). سوسيولوجيا الفعل التربوي. مجلة بحوث التربية والتعليم، 5(1), 55–78.
11. الجلاصي، طارق. (2021). المراهق التونسي والعالم الرقمي. مجلة العلوم الإنسانية والاجتماعية، 14(3)، 101–129.
12. بن مراد، فاطمة. (2016). المعلم التونسي بين الضغط المهني وتدهور المكانة الاجتماعية. مجلة البيداغوجيا المعاصرة، 4(2)، 77–98.
13. القلال، حبيب. (2017). التعليم في تونس: تفكك البنية وإعادة الإنتاج الاجتماعي. منشورات جامعة منوبة.
14. الهوني، سامي. (2022). الفوضى التربوية: من الأزمة إلى البنية. مجلة علم الاجتماع التربوي، 3(1), 1–28.
كوجيتو الممارسة التربوية ما بعد المدرسة: قراءات في ضوء المدرسة التونسية
2025-11-21
832 قراءة
مقالات بحوث
سمير سعدولي
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال