بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

المدرسة التونسية بين الفراغ القيمي وانهيار المعنى: منيفستو أخلاقي

2025-11-11 562 قراءة مقالات رأي سمير سعدولي
تمهيد:

تعيش المدرسة التونسية اليوم لحظة حرجة، تتجاوز مجرد أزمة تقليدية يمكن مواجهتها بإصلاحات سريعة أو خطابات رسمية براقة. إنها لحظة تكشف عن فراغ قيمي عميق، يشبه صمت بيت تُركت أبوابه مفتوحة للريح. في هذا السياق، تفقد المدرسة مرجعياتها، وتتراجع قدرتها على صناعة المعنى، وتتأرجح بين خطاب رسمي مملوء بالشعارات وبين واقع يومي متآكل تحت ضغط لامعيارية اجتماعية متزايدة (Durkheim, 1897).

الفصول المدرسية اليوم تبدو مساحات تُجسّد هذا الانكسار. هذه القراءة ليست حدادًا على ما ضاع، بل محاولة لرسم خطوط منيفستو أخلاقي أولي يعيد طرح الأسئلة الأخلاقية المهاجرة من المدرسة.

1. المدرسة داخل مجتمع يعيش انكسار المعايير:

يصعب فهم المدرسة بمعزل عن البيئة الاجتماعية التي تحتضنها. لقد شهد المجتمع التونسي توسعًا في ظواهر اللامعيارية: فوضى في القيم، ضبابية في الحدود، تضارب بين الخطابات، وانهيار تدريجي للثقة في الدولة والرموز والسلطة التربوية (Ben Salem, 2018).

العائلة بدورها تعكس هذا الانكسار من خلال صراعات داخلية، تربية تقوم على ردود الفعل بدل الرؤية، وغياب قدوة أخلاقية مستقرة. في مثل هذا السياق، تصبح المدرسة مكشوفة كجسد بلا جلد.

2. الفراغ القيمي داخل الفصول: انطفاء البوصلة:

أ. سلوك التلاميذ:

يعيش التلميذ اليوم بين عالمين: خطاب مدرسي لا يصدقه، ومجتمع لا يمنحه أطرًا واضحة للسلوك. لذلك يميل إلى الفوضى والتمرد بحثًا عن الاعتراف (Mechri, 2017).

ب. مكانة المربي:

المعلم يقف وسط هذه العاصفة بقلب مُتعب، مطالبًا بأن يكون قدوة ومصلحًا اجتماعيًا، بينما يعيش هو نفسه داخل منظومة متآكلة (Bourdieu & Passeron, 1970).

ج. غياب المرجعيات الجماعية:

لا توجد داخل الفصول طقوس قيمية جامعة أو سرديات تبني روح المدرسة. البيئة المدرسية هشّة ومفتوحة للفوضى (Ben Abdallah, 2019).

3. انهيار المعنى: حين تفقد المدرسة قدرتها على تفسير العالم

يشير بيير بورديو إلى أن المدرسة جهاز يعيد إنتاج البنى الرمزية للمجتمع، لكن هذا الجهاز يفقد فعاليته حين تتراجع الثقة في رموزه (Bourdieu & Passeron, 1970).

تظهر الأزمة أيضًا عند زيغمونت باومان، الذي يرى أن المؤسسات الحديثة أصبحت "سائلة" بلا ثبات، وهو ما يفسر القطيعة بين المدرسة وحياة التلميذ اليومية (Bauman, 2000).

المدرسة في تونس، وفق الدراسات الاجتماعية الحديثة، تعكس أزمة أوسع في الهوية الوطنية والثقافية.

4. المهارات الحياتية بين الخطاب والتطبيق: الفجوة التي تكشف عمق الأزمة

تقدّم وزارة التربية المهارات الحياتية كحل جاهز، لكنها بقيت حبيسة الأدلة البيداغوجية:

تُدرّس بطرق تقليدية لا علاقة لها بروحها.

تُختزل في أنشطة معزولة.

تُمارس بلا أساس قيمي.

في بيئة بلا شرعية قيمية واضحة، يصبح تعليم مهارات الحياة مجرد صورة بلا مضمون (Delors, 1996; Perrenoud, 1999).

5. المدرسة والدولة: من غياب التخطيط إلى فوضى القرارات

تشبه الإصلاحات التربوية المتكررة ما يسميه ميشيل فوكو "خطاب السلطة"، الذي يعيد إنتاج نفس الآليات عبر لغة التغيير (Foucault, 1977).

حين تفقد الدولة هيبتها، تفقد المدرسة معناها، وحين تغيب العدالة الاجتماعية، يصبح الخطاب الأخلاقي صدى في فراغ.

6. نحو منيفستو أخلاقي جديد للمدرسة التونسية:

- إعادة الاعتبار للقيم المشتركة: قيم نابعة من تجارب الناس اليومية، لا من النصوص فقط.

- استعادة مكانة المعلم: عبر تكوين جاد وتحسين ظروف العمل ومنحه سلطة تربوية واضحة.

- دمج العائلة في المشروع: العائلة ليست ضيفًا، بل شريكًا أساسيًا في التربية.

- بناء طقوس مدرسية جامعة: مثل لحظة قراءة يومية، مجلس قسم، فضاء نقاش آمن.

- مدرسة ديمقراطية صغيرة: يتعلم فيها التلميذ المسؤولية من خلال الممارسة.

- برامج ذات معنى: التركيز على الغاية قبل المحتوى.

- ربط المهارات الحياتية بأساس قيمي: المهارة بلا قيمة حركة بلا روح (Dewey, 1916).

خاتمة:

المدرسة التونسية اليوم مرآة مشقوقة: تعكس واقعًا مجتمعيًا هشًا، لكنه لا يعيد تشكيله ولا يقدم رؤية واضحة للمستقبل. فهي، من جهة، تحمل في طياتها الخطاب الرسمي عن القيم، والانضباط، والمهارات الحياتية، ومن جهة أخرى، تواجه واقعًا يوميًا مليئًا باللامعيارية، والفوضى، والتناقضات بين ما يُقال وما يُمارس.

إن الأزمة ليست مجرد قصور في الموارد أو نقصًا في البنية التحتية، بل هي أزمة قيمية ومعنوية عميقة: المدرسة فقدت قدرتها على أن تكون فضاءً لتشكيل المعنى وبناء المواطن الواعي. الفجوة بين الخطاب والقيم المعيارية من جهة، والممارسة اليومية من جهة أخرى، جعلت المدرسة صدى فارغًا، يتردد فيه الكلام دون أن يترك أثرًا حقيقيًا في التلميذ أو المجتمع.

المدرسة التونسية لا يمكن أن تُنقذ بمعزل عن محيطها الاجتماعي. فغياب المرجعيات القيمية في الأسرة، وانتشار الفساد الرمزي والاجتماعي، وضعف الثقة في الدولة، يجعل من أي إصلاح شكلي مجرد محاولات سطحية لا تعالج جذور الأزمة. لذا، أي منيفستو أخلاقي للمدرسة لا يمكن أن ينجح دون استعادة العلاقة بين المدرسة والأسرة، وإعادة بناء الثقة بين المؤسسات والمجتمع، واسترجاع مكانة المعلم كقدوة وأداة للتغيير.

المدرسة، لتكون فعالة، يجب أن تتحول إلى فضاء حيّ للقيم والمعنى، لا مجرد مكان لتلقين المعرفة أو إنجاز الأنشطة البيداغوجية. برامج المهارات الحياتية، والمناهج، والممارسات اليومية يجب أن تكون مشبعة بأطر أخلاقية واضحة، تربط بين الفرد والمجتمع، بين المعرفة والمسؤولية، بين الحرية والانضباط. في غياب هذه الأسس، تظل أي إصلاحات مجرد شعارات تتلاشى في فراغ، ويستمر تلميذنا في مواجهة عالم بلا بوصلة، ومجتمع بلا اتساق.

الخلاص من هذه الأزمة يتطلب رؤية شاملة، تبدأ من الاعتراف بالفراغ القيمي والمعنوي الحالي، وتمتد إلى بناء مشروع تربوي متكامل يربط بين الأسرة والمدرسة والدولة والمجتمع المدني، ويعيد للمدرسة موقعها كفضاء لإنتاج المعنى، وتعزيز العدالة الاجتماعية، وصياغة المواطن الواعي القادر على المشاركة في الحياة العامة. المدرسة بهذا المعنى ليست مجرد مؤسسة تعليمية، بل مشروع اجتماعي وأخلاقي يتجاوز حدود الفصول، ليكون عمودًا فقريًا لإصلاح المجتمع بأسره.

ويبقى السؤال المركزي: كيف يمكن للمدرسة التونسية أن تستعيد قدرتها على تشكيل المعنى والقيم في مجتمع يتلاشى فيه الإطار الأخلاقي التقليدي؟

المراجع:

1. Bauman, Z. (2000). Modernité liquide. Polity Press.

2. Bourdieu, P., & Passeron, J.-C. (1970). La reproduction. léments pour une théorie du système d’enseignement. Les ditions de Minuit.

3. Delors, J. (1996). L’éducation : un trésor est caché dedans. UNESCO.

4. Dewey, J. (1916). Démocratie et éducation. Macmillan.

5. Foucault, M. (1977). Surveiller et punir : Naissance de la prison. Pantheon Books.

6. Meirieu, P. (2008). Apprendre… oui, mais comment ? ESF.

7. Perrenoud, P. (1999). Pédagogie différenciée et compétences. ESF.

8. دوركايم، إميل (1897). أصول علم الاجتماع. باريس: دار النشر الفرنسية.

9. بن سالم، فتحي (2018). أزمة المدرسة التونسية واللامعيارية الاجتماعية. جامعة تونس، كلية علوم التربية.

10. بن عبدالله، لطيفة (2019). التلميذ والمعلم في الفصل التونسي: دراسة ميدانية. تونس: دار النشر الوطنية.

11. مشري، منى (2017). سلوك التلاميذ في ظل التحديات الاجتماعية: دراسة ميدانية تونسية. مجلة الدراسات التربوية التونسية، 5(2)، ص 23-48.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال