بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

المهارات الحياتية بين الشرعية والمشروعية: قراءات في المدرسة التونسية

2025-11-10 658 قراءة مختلفات سمير سعدولي
التوطئة والتمهيد:

تنطلق هذه القراءة من محاولة فهم الفجوة العميقة بين الخطاب الرسمي حول المهارات الحياتية، أي ما يُعلن من “شرعية” تربوية، وبين الواقع الفعلي داخل الفصول التونسية، أي ما يُمارس ويصبح “مشروعية” عملية. وتعتمد الدراسة مقاربة تحليلية وصفية تقوم على رصد الممارسة اليومية في الأقسام، وتحليل الوثائق البيداغوجية الرسمية (Ministère de l’ducation Nationale, 2018)، إضافة إلى ملاحظات ميدانية غير مباشرة جُمعت من شهادات معلّمين وتقارير زيارات تربوية ومنتديات النقاش المهني.

تهدف هذه القراءة إلى إبراز التوتر البنيوي بين الطموح المعلن في النصوص الرسمية وبين الإمكانات الفعلية المتاحة للمعلم والتلميذ، مع التركيز على العوائق التنظيمية والبيداغوجية والنفسية والاجتماعية التي تحول دون تحقيق المهارات الحياتية على أرض الواقع. فالمدرسة التونسية، رغم جهودها، تعمل في محيط مجتمعي مأزوم، حيث الأسرة والمجتمع غالباً ما يفتقران إلى المعايير الأخلاقية والقيمية التي تُفترض لدعم تعلم هذه المهارات، ما يجعل المشروع نظرياً أكثر من كونه تطبيقيًا.

تعيش المدرسة التونسية منذ سنوات على وقع خطاب متكرر حول المهارات الحياتية باعتبارها المدخل السحري لإنقاذ المنظومة التربوية وحماية التلاميذ من أزمات العصر (Delors, 1996). لكن هذا الخطاب، رغم بريقه، يكشف عند الاقتراب من الواقع فجوة واسعة بين ما يُعلن وما يُمارس، وبين الورق والفصل، وبين الرؤية والممكن (Perrenoud, 1999). المجتمع مأزوم، التلميذ مأزوم، والمدرسة نفسها تتحرك داخل سياق اجتماعي وأخلاقي مأزوم، لا يسمح بولادة المهارات التي يُحتفى بها نظريًا.

فالشرعية المدرسية، أي ما يُعلن رسمياً، تضع على المعلم والتلميذ معايير عالية، بينما المشروعية، أي ما يحدث فعليًا، غالبًا ما تكون ناقصة أو متناقضة مع تلك المعايير. المجتمع الذي يكرس الفساد، والأسرة التي لا توفر نموذجاً أخلاقياً ثابتاً، يحوّل محاولة غرس المهارات الحياتية في المدرسة إلى مهمة صعبة، إن لم تكن شبه مستحيلة.

إن التمييز بين الشرعية والمشروعية يُعد مفتاحًا لفهم طبيعة أزمة المهارات الحياتية في المدرسة التونسية. فالحديث عن تطوير مهارات التفكير النقدي، حل المشكلات، التواصل والعمل الجماعي، يصبح شعارات إن لم تتوفر الظروف الاجتماعية والبيداغوجية الضرورية لتطبيقها.

1. المجتمع والأسرة بين الفساد واللامعيارية:

لا يمكن الحديث عن المهارات الحياتية بمعزل عن الفساد المنتشر في المجتمع والأسرة المتأزمة. فالبيئة الأسرية غالباً ما تعاني من نقص قيم أساسية: الاحترام، الصدق، الالتزام، والتضامن. كما أن الفساد، سواء في الإدارة أو في الحياة اليومية، ينتج مناخًا عاملاً ضد أي ثقافة تعليمية تقوم على الأخلاق والمسؤولية (Saa­douli, 2019). هذه البيئة اللامعيارية تجعل المدرسة تواجه صعوبة مزدوجة: غرس مهارات حياتية في أقسام مكتظة وفي مجتمع لا يحترم القيم نفسها.

العائلة، التي يُفترض أن تكون حاضنة للتوجيه والقيم، غالباً ما تُظهر نموذجاً مضاداً، سواء عبر سلوكيات يومية غير أخلاقية، أو من خلال التساهل في التعلم والانضباط، أو عبر تبني معايير مزدوجة. هذه الدينامية تكرس انقساما بين ما يُطلب في المدرسة وما يُمارس في البيت، فتفقد المهارات الحياتية معناها وممارستها الواقعية.

هنا يبرز السؤال: كيف يمكن للمدرسة تنمية مهارات حياتية في تلميذ يتعرض يومياً لممارسات فساد أو انحراف أخلاقي في أسرته أو محيطه الاجتماعي؟ الواقع أن المجتمع أصبح يزخر بأنماط غير معيارية من العلاقات، ما يجعل غرس مهارات الحياة المهمة أشبه بمحاولة زرع نبات استوائي في صحراء.

2. المهارات الحياتية كخطاب رسمي لامع:

في الوثائق البيداغوجية الرسمية، تبدو المهارات الحياتية فضاءً من النوايا الحسنة: التفكير النقدي، إدارة الحياة، حل المشكلات، العمل التعاوني، اتخاذ القرار، التواصل البنّاء، وتنظيم الذات (Meirieu, 2008). ويقدَّم هذا الخطاب كرافعة حضارية قادرة على تحديث التعليم وإعادة بناء المتعلم بوصفه فرداً قادراً على التفاعل والابتكار.

لكن هذا الخطاب، رغم جمالياته، يتحول في المشهد الواقعي إلى شعارات جاهزة تنتقل من مدوّنة إلى أخرى دون أن تجد طريقها إلى الممارسة الفعلية. تتحول المبادرات التربوية إلى جهود فردية من قبل المعلم، في حين تبقى شعارات التعليم عن المهارات الحياتية بلا مضمون ملموس.

تؤكد الدراسات التربوية الحديثة أن نجاح تنمية المهارات الحياتية يتطلب بيئة تعلمية مرنة وداعمة، كما يشير Kolb (1984) في تجربته حول التعلم التجريبي، وDewey (1938) حول التعلم عبر الخبرة، وVygotsky (1978) حول الدعم الاجتماعي والتعلم المشترك.

3. واقع الفصول: بيئة لا تنسجم مع متطلبات المهارات

داخل الفصول التونسية، سرعان ما تصطدم المهارات الحياتية ببيئة تعليمية لا تتوفر فيها الشروط الدنيا لتطبيقها (UNICEF, 2017). القسم المكتظ، ضيق الإمكانيات، وغياب التجهيزات يجعل التجارب التفاعلية صعبة التنفيذ. الفروق الفردية الكبيرة بين التلاميذ تزيد من التحديات، إذ يحتاج بعض التلاميذ إلى دعم إضافي بينما ينجح الآخرون بسرعة، ما يخلق ضغطاً مزدوجاً على المعلم.

مثال عملي: نشاط جماعي لتطوير مهارات التفكير النقدي قد يتحول إلى فوضى بسبب كثرة التلاميذ واختلاف مستوياتهم، فيفشل المشروع قبل أن يبدأ. كما أن نقص الأدوات التعليمية، وعدم وجود بيئة محفزة، يجعل مهارات مثل حل المشكلات، العمل الجماعي، وتنظيم الذات صعبة التطبيق. النتيجة أن التلميذ يتعلم نظرياً فقط ولا يكتسب الخبرة العملية اللازمة.

4. التشويش وعدم الانضباط كعائق مركزي:

التشويش المستمر وانفلات النظام في القسم لا يمثل مجرد صعوبات تنظيمية، بل هو عامل نفسي ومعرفي أساسي يمنع نمو المهارات الحياتية (Perrenoud, 1999; Blatchford, Bassett, & Brown, 2011).

مثال ميداني: أثناء نشاط لتعليم مهارة حل النزاعات، يتطور خلاف بسيط بين تلميذين إلى مشاجرة صوتية بسبب ضجيج الفصل وقلة الرقابة، فيفشل النشاط بالكامل. هذه البيئة تولّد شعوراً بالعجز والإحباط لدى التلاميذ، وتقلل من دافعيتهم لتعلم المهارات الحياتية.

5. المعلّم بين الضغط اليومي والفجوة البيداغوجية:

المعلّم في تونس يقع تحت ضغط مزدوج: تنفيذ مهارات متقدمة، والتحكم في بيئة معقدة وفوضوية. غياب التكوين المستمر، ونقص الموارد، وفقدان الاعتراف الاجتماعي، تجعل أي محاولة لتطبيق المهارات الحياتية عملاً فرديًا هشًا (Epstein, 2011).

مثال: معلم يحاول تطبيق أنشطة العمل الجماعي لتعزيز مهارات التعاون والتواصل، لكنه يواجه رفض بعض التلاميذ، بينما تفتقر الأسر إلى الدعم المنزلي، مما يجعل أي نشاط شبه معزول وغير فعال.

الآثار النفسية على المعلم تشمل الإحباط، الإرهاق، شعور بعدم الكفاءة، والميل للتكيّف مع النظام التقليدي بدل المبادرة للتغيير، وهو ما يضع المعلم في الحلقة الأضعف ضمن منظومة تطوير المهارات الحياتية.

6. المهارات الحياتية كشعارات فارغة عند غياب الشروط:

غياب البيئة الملائمة، وضغط البرنامج الدراسي، ونقص التكوين العملي، يحوّل المهارات الحياتية إلى شعارات على الورق (UNESCO, 2015). مهارات مثل حل المشكلات أو العمل الجماعي تصبح بلا معنى إذا لم يكن هناك مكان لممارسة الأساليب، أو دعم من الأسرة والمجتمع.

الأسرة والمجتمع يتحملان جزءاً من المسؤولية أيضًا. تلاميذ يفتقرون إلى دعم منزلي، ويعيشون في مجتمع يكرس الفساد واللامعيارية، تجعل تطبيق المهارات الحياتية صعبًا للغاية، وتؤكد أن المدرسة وحدها غير قادرة على نجاح هذا المشروع.

7. من الشرعية إلى المشروعية: صعوبة تطبيق المهارات الحياتية

في هذا القسم، يُحلل الفرق بين الشرعية، أي ما يُعلن رسمياً من قيم ومهارات، والمشروعية، أي ما يُمارس فعلياً في الواقع المدرسي والمجتمعي. فالمهارات الحياتية شرعياً جوهرية للتربية، لكنها غير مشروعة عملياً في بيئة مأزومة، يطغى فيها الفساد، والمحسوبية، واللامعيارية الأسرية والاجتماعية.

العائلة التي تفشل في تقديم نموذج أخلاقي، والمجتمع الذي يكرس الفساد، يجعل أي حديث عن المهارات الحياتية يواجه صعوبة جدية. غياب المشروعية يحوّل “الشرعية المدرسية” إلى نصوص فارغة، بينما التلميذ يلتقط ما يراه في الحياة الواقعية لا ما يُعلَّم له نظريًا.

الخاتمة:

يبدو واضحاً من خلال تحليل الخطاب والممارسة أنّ أزمة المهارات الحياتية ليست مشكلة تقنية يمكن حلّها بدليل إجراءات أو دورة تكوين عابرة. إنها أزمة بنيوية تنبع من غياب رؤية تربوية واضحة، من سوء إدارة الموارد، ومن انفصال المدرسة عن ثقافتها ومحيطها الاجتماعي، خاصة الأسرة والمجتمع اللامعياريين والذين يكرسون الفساد. فالدولة تعلن مهارات حديثة تفترض مدرسة مرنة، لكنها تُبقي على بنية تعليمية تقليدية؛ وتطالب المعلم بمخرجات عالية من دون أن تمنحه الزمن أو التكوين أو الأدوات.

المهارات الحياتية في المدرسة التونسية ما تزال “مشروعاً نظرياً” أكثر منها ممارسة فعلية، بينما الأسرة والمجتمع يكرسان نمطاً مضاداً لقيمها. السؤال الذي يطرح نفسه في النهاية: هل ستظل الدولة ترفع شعارات المهارات الحياتية دون أن توفر شروط تحققها، أم انها ستبقى كما يراها بعض المحللين دولة الشعارات الجوفاء؟

المراجع:

1. Delors, J. (1996). L’éducation: un trésor est caché dedans. UNESCO.

2. Perrenoud, P. (1999). Pédagogie différenciée et compétences. ESF.

3. Meirieu, P. (2008). Apprendre... oui, mais comment? ESF.

4. Kolb, D. A. (1984). L’apprentissage expérientiel. Prentice Hall.

5. Dewey, J. (1938). Expérience et éducation. Macmillan.

6. Vygotsky, L. S. (1978). L’esprit dans la société. Harvard University Press.

7. OCDE. (2018). L’avenir de l’éducation et des compétences. OCDE.

8. UNESCO. (2015). Repenser l’éducation. UNESCO.

9. Wagner, T. (010). L’écart mondial de réussite. Basic Books.

10. Blatchford, P., Bassett, P., & Brown, P. (2011). Learning and Instruction, 21(6), 715–730.

11. Epstein, J. L. (2011). School, Family, and Community Partnerships. Westview Press.

12. UNICEF. (2017). Rapport sur les compétences de vie.

13. Ministère de l’ducation Nationale (2018). Rapports et statistiques sur les effectifs et conditions scolaires. Tunis.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال