تمهيد:
غالبًا ما يُعرض الإدماج في الخطاب التربوي الرسمي كقيمة إنسانية وقانونية تقتضي فتح أبواب المدرسة أمام جميع التلاميذ بغضّ النظر عن اختلافاتهم الجسدية، الذهنية أو الاجتماعية. لكن عند تفكيك الممارسة التونسية، تظهر فجوات عميقة بين الخطاب والميدان؛ فجوات تتعلّق بالنية السياسية، الموارد المخصصة، الجاهزية البيداغوجية والبُنى التنظيمية داخل القسم. هذا المقال قراءة نقدية ممتدة تهدف إلى تتبّع مظاهر الإدماج في تونس، تحليل دور "المدمَجين" (أي التلاميذ الموضوعين عمليًا في أقسام عادية) في تغيّر ديناميكيات القسم، والنظر في فرضية قوية ومتجاوزة: أن غاية بعض سياسات الدولة كانت — ولا تزال — التخفّف من "العبء المادي" للتعليم الخاص أو المرافق التخصّصية عبر توجيههم إلى القسم العادي تحت ذريعة الإدماج (S. Saadouli, 2019; UNESCO, 2020; UNICEF, 2018).
> المنهج: تحليل سوسيولوجي-بيداغوجي مستند إلى مراجعة أدبيات التربية والنصوص السياسية، وملاحظة ميدانية لتراكيب الفصول المدرسية في تونس، مع إحالة متواصلة إلى كتابة نقدية سبق للباحث أن تناولت المدرسة التونسية (S. Saadouli, 2019).
1. الإطار النظري: الإدماج بين الحق والحكم
ينبني خطاب الإدماج على مرجعيتين متداخلة: الأولى أخلاقية/قانونية (حقوق الإنسان، اتفاقيات الدولية حول حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة)، والثانية بيداغوجية (مناهج تعديلية، تدريس مغاير، واستراتيجيات دعم). ومع ذلك، تقترح الأدبيات السوسيولوجية أن أي سياسة تعليمية لا تُفهم داخل سياقها السياسي-الاقتصادي ستُؤدّي إلى ممارسات شكلية ومتناقضة (Bourdieu, 1993; Freire, 1970; Ainscow, Booth & Dyson, 2006; Saadouli, 2019).
الإدماج، إذًا، يحتاج إلى موارد ملموسة (أطر متخصّصة، بنى تحتية، مواد، تخفيض النسب) وإلى تغيير ثقافي لدى المدرّس والمؤسسة. غياب هذه العناصر يقلب الإدماج من هدف إنساني إلى آلية إدارة عبء أو وسيلة لإخفاء إخفاقات النظام التعليمي (Loreman, 2010; Slee, 2011).
2. تجليات الإدماج في الواقع التونسي:
2.1 الإدماج الشكلي مقابل الإدماج المادي:
كثير من المدارس تستقبل تلامذة ذوي احتياجات دون توفير دعم فعّال (S. Saadouli, 2019; UNICEF, 2018).
2.2 غياب التكييف البنائي:
الأقسام غير مزوّدة بمساند بيداغوجية — لا أدوات تعويضية ولا مساحات عمل صغيرة أو مرافقة نفسية — ما يجعل العملية شكلية (Ainscow, Booth & Dyson, 2006).
2.3 الضغط على المدرّس:
طالب واحد "مدمَج" يضيف متطلبات تخصّصية؛ ومع تزايد الأعباء (مناهج، قياسات، حصص)، يتحوّل الإدماج إلى عامل إجهاد مهني يسهم في إحباط المدرّس (S. Saadouli, 2019; Loreman, 2010).
2.4 ردود فعل تلاميذ وأولياء:
في حالات عدم تكييف التدريس، يظهر استياء بين التلاميذ العاديين وأولياء أمورهم، ما ينعكس على المناخ الصفّي (UNESCO, 2020).
3. دور "المدمَجين" في إخلال نظام القسم: قراءة نقدية متوازنة
قبل أن نحمل التلاميذ وحدهم مسؤولية "الاضطراب"، لا بدّ من التفريق بين:
الاضطراب كمؤشر بنيوي: حيث غياب هيكلة مناسبة يجعل أي اختلاف يؤدي إلى تغيير في نسق الفصل.
الاضطراب كفعل تفاعلي: تلاميذ مدمَجون قد يظهرون سلوكات نتيجة نقص الدعم، وليس بالعكس.
مع ذلك، وفي ظل غياب التنظيم والدعم، يصبح التلميذ المدمَج عاملًا له تأثيرات فعلية على تنظيم القسم (S. Saadouli, 2019; Ainscow, Booth & Dyson, 2006):
- توزيع الزمن البيداغوجي.
- تنوع استراتيجيات التدريس.
- توهين قواعد الانضباط المشتركة.
- تغيّر ديناميات الزعامة والتفاعل.
4. الدولة والإدماج: بين الخطاب والغاية المخفية؟
الإدماج كأداة تقليص التكلفة: تحويل تلاميذ كانوا يستفيدون من خدمات خاصّة أو مؤسسات تخصصية إلى صفوف التعليم العام يسمح بتقليص نفقات الدعم (S. Saadouli, 2019; UNICEF, 2018).
التبرير الخطابي: خطاب إنساني لتبرير انتهاك حقوق أخرى.
العواقب المتوقعة: تقليل ريعية الخدمات، إضعاف جودة التعليم العام، توسيع عدم المساواة (Loreman, 2010; UNESCO, 2020).
5. تداعيات على المنظومة التربوية:
- احتكاكات مهنية.
- تفكك الكفاءة البيداغوجية.
- أثر على الإنصاف.
- خطر ظهور "إدماج العاطل" (Slee, 2011).
6. توصيات عملية وسياسات مقترحة:
- تمويل مستثنى ومحدد.
- تقليص نسب الفصل.
- تأهيل المعلم.
- فرق دعم متنقلة.
- آليات رقابية شفافة.
- حصص موازية وتخصيص موارد.
- إدماج تشاركي وليس إجبارًا إداريًا (Ainscow, Booth & Dyson, 2006; Loreman, 2010).
خاتمة: الإدماج بين خطاب الحماية واستراتيجية التخلّص
تظل تجربة الإدماج في المدرسة التونسية محكومة بمفارقة قاسية: خطاب رسمي يحتفي بالمساواة، وواقع يكشف أن الدولة تتعامل مع الأطفال ذوي الإعاقات والصعوبات وكأنهم تكلفة يجب التخلص منها. تحت لافتة الدمج الكلي، يتم إغلاق مسارات الدعم، إضعاف الخدمات المختصّة، وتوجيه التلاميذ نحو أقسام عادية بلا تهيئة ولا مرافقة.
بهذا الشكل، يتحول الإدماج من مشروع إنصاف إلى آلية تقشّف مقنّعة. الدولة هنا لا تبتكر حلولاً، بل تعيد توزيع الأزمة فوق أكتاف المعلّم، وتترك الطفل المدمج يواجه مصيراً مدرسياً غير عادل. وحين يصبح الطفل الذي يحتاج رعاية خاصة مجبراً على التعلم في بيئة غير مهيأة، بلا مختصين ولا موارد، فإننا لا نتحدث عن خلل إداري أو تقصير سياسي، بل عن جريمة أخلاقية ترتكب في وضح النهار، تُرتكب ببطء، وباسم العدالة، وبحبر القوانين نفسها.
وللجانب الإنساني دور مركزي لا يمكن تجاهله:
> ما تجدر الإشارة إليه هو أن الأخصائي الاجتماعي تنتظره العديد من التحديات رغم الخدمات الجليلة التي يقدمها والأهداف السامية التي يرنو إلى تحقيقها، متمثلة أساسًا في مساعدة الفرد على تجاوز الصعوبات والتخفيف من حدة مشكلاته، ففضاء تدخله هو فضاء الديناميكا والفعل، لا فضاء الجمود و الثبات و السكون المحدود. و ما على مؤسسات المجتمع إلا أن تقتنع بدوره السيادي في المرافقة و من القيام بدور المرشد في الطور الوقائي، وبما أنه لا يستطيع الاكتفاء بما يقدمه، فلا بد من العمل ضمن منظومة تشاركية تستند إلى مبدأ إميل دوركهايم، المستمدة من فلسفته من خلال صفة العضوية على التضامن الاجتماعي في المجتمعات الحديثة، وكذلك عند قيام أعضاء المجتمع (المؤسسات، والنظم، والطبقات، والأفراد) بالوظائف الموكلة إليهم شرطًا لبقاء المجتمع واستمراره، تمامًا كما يعد قيام أعضاء الكائن الحي بوظائفهما شرطًا لبقاء ذلك الكائن. فهو شبه المجتمع بالكائن الحي حيث تتضامن كل أعضائه وتتفاعل فيما بينها.
> إن مقاومة كل أشكال التمييز هو التحدي الأكبر في القرن الحادي والعشرين، وإن على النظم التربوية رفع ذلك التحدي، إذ هناك يقع الرهان الأهم على مستقبل المساواة في الحظوظ. ففئة المدمجين من ذوي الاحتياجات الخصوصية لن ينفعهم سخطنا على واقعهم، ولن يريحهم تعاطفنا معهم، فهم في حاجة أكيدة لمن يوجد لهم أنواعًا من الاستراتيجيات باتباع طرائق ووسائل متنوعة تشدّ انتباههم وتشعرهم بالسعادة التي تحدث عنها إدغار موران وتمنحهم الثقة بأنفسهم والمتعة أثناء فعل التعلّم وبنائه، فيتمكنون حينئذ من السير في طريق الدمج الإيجابي. لذا علينا الاجتهاد في الإحاطة بهم وإيجاد الحلول العملية لهم ضمن مقاربة إنسانية بحتة. إذ نرى أن:
"صلوحية الإنسان تنتهي عندما يعيش تحت وقع تمركزه حول ذاته واختزاله للآخر!"
(S. Saadouli, 2019).
ويبقى السؤال الذي يجب أن يُطرح بصوت مرتفع، مهما كان إزعاجه:
هل كانت الدولة تريد إدماج أبنائها فعلاً، أم كانت تريد فقط إدماج عبئهم داخل قسم مكتظ، لتتخلّص منهم بأقل كلفة… حتى لو كان ذلك جريمة أخلاقية؟
المراجع:
1. Bourdieu, P. (1993). Le champ de la production éducative.
2. Freire, P. (1970). Pédagogie des opprimés.
3. تقارير ومبادرات دولية حول الإدماج (UNICEF / UNESCO).
4. Saadouli, S. (2019). الأطفال المدمجون: الواقع و آفاق التدخل, تونس.
5. UNESCO. (2020). Rapport mondial sur le suivi de l’éducation: Inclusion et éducation. Paris: UNESCO.
6. UNICEF. (2018). ducation inclusive: la voie de l’avenir. New York: UNICEF.
7. Ainscow, M., Booth, T., & Dyson, A. (2006). Améliorer les écoles, développer l’inclusion. London: Routledge.
8. Slee, R. (2011). L’école irrégulière: exclusion, scolarisation et éducation inclusive. New York: Routledge.
9. Loreman, T. (2010). ducation inclusive: guide pratique pour soutenir la diversité en classe. New York: Routledge.
الإدماج في المدرسة التونسية بين خطاب الإنسانية وواقع التخلّص: قراءات ممتدة
2025-11-09
933 قراءة
مقالات بحوث
سمير سعدولي
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال