في كل أمةٍ تُوجد ذاكرة، وفي كل ذاكرةٍ توجد سلطة.
لكن في تونس، تحوّلت الذاكرة نفسها إلى نظام حكم، إلى ما يشبه "وزارة داخلية روحية" تتحكم في ما يجب أن يُقال وما يجب أن يُنسى.
فمنذ أن خرج المستعمر الفرنسي سنة 1956، لم تتحرر البلاد من الاحتلال بقدر ما انتقلت من وصاية خارجية إلى وصاية داخلية، حيث صار التاريخ سلاحًا بيد الدولة، لا مرآةً للشعب.
فصل أول: التأسيس ،حين وُلدت الأمة من رحم الزعيم
في لحظة الاستقلال، لم تكن تونس تبحث عن هويتها، بل كانت تُصنع لها هوية جديدة.
كانت السلطة تدرك أن من يملك التاريخ يملك الحاضر والمستقبل، فقررت أن تكتب الرواية الرسمية بنفسها.
لم يعد التاريخ سرداً لماضٍ جماعي، بل مشروع دولة لتبرير شرعية النظام.
وهكذا تحوّل التعليم إلى معمل لإنتاج الوعي، وتحوّل المعلم إلى ناقل لأسطورة الزعيم، لا إلى مؤرخٍ أو مفكر.
في تلك الحقبة (1956–1964)، كانت المناهج المدرسية تُراجع في القصر قبل أن تصل إلى التلاميذ.
كأن الدولة لا تعلّم أبناءها التاريخ، بل تعلّمهم كيف يحبّون الزعيم.
أُعيدت كتابة الأحداث الكبرى لتتلاءم مع "النسخة البورقيبية" من الحقيقة:
الحركة الوطنية اختُزلت في حزب واحد، والنضال الشعبي حُوّل إلى ملحمة فردية، والمعارضون أُعيد تعريفهم بوصفهم "رجعيين" أو "مغفلين".
هكذا صُنعت الأسطورة: بورقيبة بطل مطلق في وطن بلا أبطال آخرين.
تونس وُلدت من صلبه، والعصر الحديث بدأ معه.
أما ما قبله فكان ظلاماً وجهلاً وخرافة، وكأن الأمة كانت تنتظر مخلّصها ليهبها الضوء والعقل معاً.
إنها لحظة "خلق سياسي" جديدة، لا تُشبه التحرير بل تُشبه النبوة.
فصل ثانٍ: عبادة الدولة ، الزعيم كنظام إيماني
تحوّل بورقيبة إلى أكثر من رئيس.
كان "النبي المدني"، و"المجاهد الأكبر"، و"المصلح الأعظم".
كانت صورته تُعلّق في المدارس والمقاهي، كأنها أيقونة مقدسة، وصوته في الإذاعة صلاة صباحية للجمهورية.
لقد أُقيمت الجمهورية على عقيدة شخص، وصار التمجيد واجباً وطنياً.
في تلك الحقبة، لم يكن التاريخ علماً، بل لاهوتاً سياسياً.
كتب التاريخ كانت كتب سماوية جديدة تُتلى على التلاميذ لتثبيت الإيمان بالحاكم.
كل فصلٍ فيها يبدأ ببورقيبة وينتهي به، كما لو أنه بداية التاريخ ونهايته.
أما الشخصيات الأخرى فكانت تُذكر على استحياء، إما تابعين له أو متآمرين عليه.
كان النظام يعرف أن الشرعية لا تُصنع فقط بالقوة، بل بالرموز.
والرموز لا تُخلّد إلا بالتحكم في الذاكرة.
لذلك، صار التاريخ مورداً للسلطة، وصارت الذاكرة جهازاً لتجديد الحكم.
فحين تكتب الدولة تاريخها بيدها، فإنها تكتب دستور الوعي الجماعي.
فصل ثالث: علم النسيان ، حين صارت الذاكرة جريمة
لم يكن النسيان في تونس حادثاً عرضياً، بل سياسة دولة.
فكل ما لا تريد السلطة تذكّره، تمّ إبعاده، مسحه، أو إعادة تأطيره.
الأحداث التي تُربك السردية الرسمية تُلغى من المناهج، تُختزل أو تُعاد تسميتها.
الثورات الاجتماعية ضد البايات مثلاً، صُوّرت كفوضى غوغائية.
الزيتونيون والمصلحون الدينيون رُسموا كعقبة أمام الحداثة.
النقابيون والماركسيون صُنّفوا كخطر على الاستقرار.
وبذلك، تمّ تأسيس ما يمكن أن نسمّيه: الدولة الراوية، والشعب المنسي.
كانت السلطة تمارس ما يسميه علماء الأنثروبولوجيا بـ"الذاكرة الانتقائية"، حيث يتم حذف كل ما يُزعج الحاضر السياسي.
فالنسيان هنا ليس غياباً، بل فعل سيادي.
من يُنسى، يُلغى.
ومن يُلغى، لا وجود له في المستقبل.
وهكذا، تحولت الكتابة التاريخية إلى عمل بوليسي بامتياز،
تُحرس الذاكرة كما تُحرس الحدود،
ويُراقب الماضي كما يُراقب الحاضر.
إنها الرقابة على المعنى، لا على الكلمة.
فصل رابع: حين عاد التاريخ من المنفى
لكن التاريخ مثل النار تحت الرماد، لا ينطفئ بل ينتظر الريح.
وحين هبّت ريح 2011، انهار جدار الصمت.
انفجرت الذاكرة، وعادت الحكايات المنفية لتطالب بحقها في الوجود.
خرج من المنفى المؤرخون الحقيقيون، والمقاتلون الذين لم تذكرهم كتب المدرسة، والمناطق التي حُذفت من الخريطة الرمزية للوطن.
صار كل تونسي يروي روايته.
عاد علي بن غذاهم كـ"باي الشعب"،
وعاد خير الدين كـ"عقل الإصلاح"،
وعاد قابادو كـ"صوت الضمير الديني"،
وعادت القبائل والمناطق المهمشة لتقول: نحن أيضاً كنا هنا.
لكن سقوط الرواية الواحدة لم ينتج رواية بديلة.
فكل فئة صنعت روايتها الخاصة، وأصبحت تونس بعد الثورة خريطة من الذاكرات المتناحرة.
تعددت الحكايات، وتفكك الوعي، وصار التاريخ ساحة معركة لا مرجعاً مشتركاً.
فصل خامس: بين الذاكرة والهوية ،الجمهورية التي أكلت أبناءها
الأمم لا تُبنى بالحديد والإسمنت، بل بالذاكرة.
وحين تُصاب الذاكرة بالاحتكار، تُصاب الهوية بالعمى.
تونس اليوم تدفع ثمن سبعين سنة من التزوير الصامت:
جيلٌ لا يعرف تاريخه الحقيقي،
شعبٌ يعيش بين الأسطورة والفراغ،
ومجتمعٌ فقد ثقته في كل رواية تصدر من فوق.
لقد نجح النظام في تحويل التاريخ إلى جهاز أمني،
لكنه فشل في تحويله إلى ذاكرة جامعة.
وحين تفقد الأمة ذاكرتها المشتركة، تفقد قدرتها على الحلم.
الهوية تصبح قشرة، والشعارات تصبح ديناً بديلاً عن المعنى.
التحرر الحقيقي يبدأ من استعادة الذاكرة.
ليس من الشارع ولا من الصندوق، بل من العقل.
أن نعيد فتح الأرشيف، أن نقرأ الكتب المحظورة، أن نستمع إلى الشهود المنسيين.
أن نكتب تاريخنا كما كان، لا كما أرادوا له أن يكون.
فالتاريخ، كما يقول الصافي سعيد، هو ساحة صراع لا تنتهي بين من يريد أن ينسى ومن يصرّ على التذكر.
نحو جمهورية الذاكرة
تونس لا تحتاج إلى دستور جديد، بل إلى ذاكرة جديدة.
ذاكرة تُنصف الجميع، لا تختزل الوطن في شخص أو حزب أو مرحلة.
ذاكرة تروي الحقيقة كما هي: بدموعها وأخطائها وخياناتها وانتصاراتها.
فحين تستعيد تونس ذاكرتها،
لن تكون مجرد جمهورية سياسية،
بل جمهورية للوعي،
تتأسس لا على النسيان، بل على الفهم،
ولا على التمجيد، بل على الاعتراف.
حينها فقط، يمكن أن نقول إن الاستقلال بدأ حقاً،
وأن الوطن عاد من منفى التاريخ إلى حضن الذاكرة.
نحو جمهورية الذاكرة
2025-11-09
717 قراءة
مختلفات
عماد عيساوي
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال