بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

الغنوشي وجوهر بن مبارك:جسد يحتج حين تصمت السياسة

2025-11-08 1136 قراءة مقالات رأي حنان الحيدري
في مشهد يعكس التحولات العميقة التي يشهدها الحقل السياسي في تونس منذ سنوات، أعلن الشيخ راشد الغنوشي، رئيس البرلمان المنحل ورمز من رموز الانتقال الديمقراطي، دخوله في إضراب جوع مفتوح تضامناً مع الجامعي والمعارض السياسي جوهر بن مبارك. خطوة بدت أكثر من مجرد دعم معنوي؛ لقد جاءت بمثابة إعلان عن مرحلة جديدة من المواجهة، حيث يتحول الجسد إلى آخر ساحة للاحتجاج.

الغنوشي، الذي تجاوز الثمانين من عمره، ويقضي عامه الثالث في السجن على خلفية قضايا ذات طابع سياسي، أرسل رسالة واضحة: المعركة لم تعد سياسية فقط، بل وجودية وأخلاقية. الاحتجاج هنا لا يُقاس بالبيانات ولا بخطب المنابر، بل بوزن الجسد حين يختار الامتناع عن الحياة ذاتها.

مصائر متقاطعة رغم الاختلاف

جوهر بن مبارك، المعروف بصفته صوتاً نقدياً جريئاً داخل المشهد العام، وراشد الغنوشي، أبرز وجوه الإسلام السياسي في المنطقة، لم يُعرف عنهما في السنوات السابقة تقاربٌ سياسي. بل إن الخلافات الفكرية بينهما كانت أحياناً حادة. ومع ذلك، فإن السجن والاتهامات والتضييق قد رسمت بينهما اليوم خطاً مشتركاً.

هذا التقاطع لا ينبني على وحدة فكرية، بل على قراءة مشتركة لطبيعة اللحظة: لحظة تُختزل فيها السياسة في ملفات قضائية، ويضيق فيها مجال المعارضة، ويصبح الدفاع عن الحرية شيئاً لا يخص تياراً دون آخر.

الإضراب عن الطعام: أداة الاحتجاج الأخيرة

منذ عقود، شكّل الإضراب عن الطعام في التجارب العربية آلية احتجاجية مرتبطة بالكرامة قبل أي شيء آخر. فهو لا يبتغي مكسباً سياسياً سريعاً، بل يسعى إلى إعادة تعريف العلاقة بين السلطة والجسد.

في حالة الغنوشي، تكتسب الخطوة دلالتين رئيسيتين:

التحدي الرمزي: أن يعلن شيخ في هذا العمر إضراباً مفتوحاً، يعني أن الرسالة تتجاوز السياسة إلى المبادئ والأخلاق.

كشف هشاشة الوضع الحقوقي: فحين يصبح الجسد هو الوسيلة الأخيرة للتعبير، فهذا يعني أنّ قنوات التعبير الأخرى قد ضاقت أو أُغلقت.

ما وراء الحدث

لا يمكن قراءة هذه الخطوة بمعزل عن السياق الوطني الراهن. فمنذ 25 جويلية 2021، تعيش تونس تغيراً جذرياً في بنية السلطة، رافقه توتّر متصاعد بين الدولة والمعارضة، وتوسع في الاعتقالات المرتبطة بالرأي. وبقدر ما يسعى الخطاب الرسمي إلى تقديم ذلك ضمن مسار تصحيح، فإن محيط السجن يعكس مشهداً موازياً: صمت، عزلة، ومحاولة مقاومة عبر الجسد.

ما يحدث اليوم لا يتعلق براشد الغنوشي أو جوهر بن مبارك وحدهما. إنه يتعلق بالسؤال الأكبر: ما هو مستقبل السياسة في تونس؟

هل تظل السجون ساحة الحوار الوحيدة؟
وهل يمكن أن نتصور مساراً سياسياً قابلاً للحياة حين يكون الاحتجاج الأكثر تأثيراً هو ذاك الذي يحدث بصمت داخل الزنازين؟

إنها لحظة اختبار للمؤسسات، وللرأي العام، ولقدرة المجتمع التونسي على الحفاظ على إرثه الديمقراطي الذي صنعه بشق الأنفس.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال