بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

انهيار السرديات الكبرى للمدرسة التونسية: وماذا بعد؟ قراءات سوسيولوجية ممتدة في أزمة المعنى

2025-11-08 632 قراءة مقالات بحوث سمير سعدولي
تمهيد: المدرسة بين الوعد والانكسار

المدرسة التونسية لم تكن مجرد مؤسسة تعليمية، بل مشروع الدولة الوطنية منذ الستينات، حاملة لوعد التحديث وبناء المواطن وصنع المعنى الاجتماعي والسياسي والثقافي. كما يشير جان فرانسوا ليوتار (Lyotard, 1979)، السرديات الكبرى تمنح المؤسسات الاجتماعية مصداقية وتبريراً لوجودها. المدرسة كانت هذه القصة في المجتمع التونسي، آلة لتشكيل القيم، إدماج الفرد داخل المجتمع، وربط المواطن بهويته الوطنية.

مع مرور الزمن، تحوّل هذا الوعد إلى انكسار. السرديات الكبرى التي وفرت إحساساً بالاتجاه والمعنى بدأت بالتآكل، وتحول الجسد المؤسسي للمدرسة إلى هيكل بلا روح، وفكرة بلا أفق، ونظام بلا شرعية رمزية. انهيار هذه السرديات ليس مجرد أزمة تعليمية، بل انعكاس لأزمة أعمق في المجتمع التونسي، حيث فقدت المؤسسات القدرة على إنتاج المعنى وإعادة إنتاج القيم.

الجيل الجديد يعيش حالة من اللامعيارية، وفق إميل دوركايم (Durkheim, 1897)، حيث تختفي القواعد الثابتة، ويضعف الانضباط الذاتي، وتصبح المعرفة مستهلكة بلا تفكير نقدي، والهويات الفردية تتصارع مع المشروع الوطني. السؤال لم يعد لماذا انهارت السرديات، بل: كيف يمكن للمدرسة أن تعمل في ظل فراغ معنوي واسع ومستقبل مجهول؟

1. سردية الحداثة: انهيار المشروع المؤسس

السردية الحداثية كانت تجعل المدرسة مصنعاً للعقل والانضباط، تستند إلى فرضية أن التعليم قادر على تشكيل الفرد وتهيئته ليكون مواطناً منتجاً ملتزماً بالقيم الاجتماعية (Durkheim, 1922). كانت المدرسة الحاضنة للمواطنة، التي تزرع الانضباط الداخلي، وتغرس حب المعرفة، وتوفر فضاءات للنقد والحوار.

لكن هذه السردية انهارت تدريجياً حين انفصلت المعرفة المدرسية عن الاقتصاد، وتآكلت شرعية الدولة الراعية، وتفككت منظومة القيم المؤسسة للمشروع الحداثي. المعلم لم يعد مرجعاً للحقيقة، بل موظفاً بروتوكولياً في نظام بيروقراطي جامد، والتلميذ لم يعد متلقياً نشطاً، بل مستهلكاً للمعارف بلا رؤية واضحة لما تعنيه هذه المعارف في حياته اليومية.

هذا الانفصال بين المدرسة والواقع يعكس أزمة شرعية كاملة، حيث فقدت المدرسة القدرة على ربط الفرد بالمجتمع والقيم الكبرى التي تأسست من أجلها.

2. سردية العدالة الاجتماعية: أسطورة تكافؤ الفرص

في خطاب الدولة، كانت المدرسة مرآة للعدالة الاجتماعية، موفرة فرصاً متساوية للجميع. لكن الواقع يكشف ازدواجية صارخة: مدرسة عمومية مهترئة ومدرسة خاصة مترفة، مع تفاوت جهوي ورأس مال ثقافي غير متكافئ يحدد النتائج قبل بدء الدراسة (Bourdieu & Passeron, 1970).

النجاح المدرسي أصبح انعكاساً للطبقة الاجتماعية، وتحوّل التلميذ إلى حامل لرؤى المجتمع الطبقي بدل أن يكون متلقياً للتعليم بشكل عادل. العدم التكافؤ هذا يظهر ليس فقط في النتائج، بل في التفاعل اليومي، حيث تبرز فجوات اللغة، الثقافة العامة، والقدرة على التفكير النقدي.

3. سردية الانضباط: المدرسة التي فقدت سيادتها

كان الانضباط أحد الأعمدة الأساسية للمدرسة الحديثة، مستوحى من السلطة الانضباطية عند فوكو (Foucault, 1975). لكن اليوم، الانضباط يتعرض لتحديات متعددة:

الزمن المدرسي يتآكل بسبب الدروس الخصوصية المكثفة، ما يضعف الالتزام بالحضور والواجبات.

فضاء المدرسة يسيطر عليه تأثير الشارع، بما في ذلك ثقافة الاستهلاك، الإعلام، والعنف الرمزي.

التلميذ يعيد تعريف السلطة داخل الفصل من خلال مقاومة ضمنية أو علنية للمعلم، ما يضعف الحضور الرمزي للمعلم ويخلق فجوة بين السلطة الرسمية والممارسة اليومية.

4. سردية الهوية الوطنية: من الوحدة إلى التشظي

كانت المدرسة أداة لبناء الهوية الوطنية (العروي، 1996)، لكنها اليوم مسرح لتناقضات متعددة: سرديات محافظة وحداثية وعولمية تتصارع داخل الفضاء المدرسي، بينما التلميذ يواجه فراغاً معنوياً لا يتيح له التماسك حول سردية واضحة لهويته (أبو زيد، 2005).

المواد الاجتماعية، العمود الفقري لفهم التاريخ والمجتمع وغرس الانتماء، تهمشت تدريجياً، وأصبحت تقتصر على التلقين والحفظ. المشرع قلّص من توقيتها الأسبوعي لتصبح الحصة الواحدة 40 دقيقة فقط، زمن لا يسمح بالنقاش ولا بالتفاعل الحيوي، ما يفقدها وظيفتها في بناء شعور بالانتماء ويجعل التربية على الهوية شعاراً بلا مضمون.

الخطاب الشعبوي للمشرع يظهر بوضوح: عندما يقرر مضاعفة ضارب التربية المدنية، يعتقد واهماً أنه بذلك سيضاعف الانتماء والهوية. الهوية الوطنية ليست مضاعفة رياضية، بل عملية تربوية معقدة تتطلب محتوى غني، حواراً نقدياً، وتجربة اجتماعية ملموسة (Giroux, 2005).

5. سردية المعرفة: من هيبة العلم إلى ترف اللامعنى

المعرفة كانت السلطة الرمزية للمدرسة، وركيزة لمصداقيتها، لكنها تحولت اليوم إلى سلعة استهلاكية بلا عمق أو هدف، وفق رؤية باومان (Bauman, 2000). المعرفة لم تعد وسيلة لفهم العالم أو تطوير التفكير النقدي، بل أداة لتقييم درجات الطالب، ما حول التعلم إلى عملية ميكانيكية جامدة.

الامتحانات تحل محل البحث: الهدف أصبح الحصول على الشهادات، لا الفهم أو الاكتشاف، مما يعكس تحول المدرسة من فضاء إنتاج المعرفة إلى سوق للاختبارات.

انفصال المعرفة عن الواقع: محتوى المناهج لا يعكس التحولات الاقتصادية والاجتماعية، فتصبح المعرفة نظرية جافة لا تسهم في إعداد التلميذ لمواجهة الحياة.

أزمة المعلم كمرشد معرفي: المعلم الذي كان يوجه ويحفز الفضول الفكري بات موظفاً تقنياً، مما يقلل من هيبته ويرسّخ استهلاك المعرفة بلا تفكير.

الناتج هو جيل يملك معلومات، لكنه عاجز عن تحويلها إلى معنى، وتصبح المدرسة مجرد وسيلة لإنتاج شهادات، لا أدوات لبناء المواطن والمجتمع.

6. سردية البيداغوجيا المنهارة: المدرسة بلا فن التدريس

البيداغوجيا، أي فن وأساليب التدريس، كانت قلب المدرسة التونسية النابض، تجمع بين المعرفة، القيم، والمهارات، وتربط التلميذ بالمعلم والمعرفة بطريقة هادفة وذات معنى (Freinet, 1964).

اليوم، هذه البيداغوجيا تنهار على مستويات متعددة:

تقادم الطرق التقليدية: التلقين والحفظ لم تعد فعّالة في فضاء رقمي مفتوح، حيث المعلومات متاحة فورياً، ما يقلل من قيمة التلقين ويضعف التعلم.

صعوبة تطبيق المقاربات الحديثة: المقاربة بالكفايات، بيداغوجيا المشروع، البيداغوجيا الفارقية صعبة التطبيق في أقسام أصبحت محتشدات، حيث التمرد، التشويش، وقلة الاحترام تحدّ من التفاعل الفردي.

انفصال التعليم عن الواقع الاجتماعي والرقمي: محتوى الكتب لا يواكب التحولات الرقمية، في حين يعيش التلميذ في عالم متسارع، فتفقد المدرسة قدرتها على إثارة الاهتمام.

ضعف الكفاءات البيداغوجية: المعلم غير مؤطر بشكل مستمر، التدريب ضعيف، والإرهاق المهني يحد من القدرة على الابتكار.

تعليم من أجل الامتحان: الهدف تحول إلى النجاح في الاختبارات، لا الفهم، ما يحوّل المدرسة إلى آلة تقييمية وليس مؤسسة للتعلم العميق.

7. سردية الترقي الاجتماعي: توقف المصعد

التعليم الذي كان يوصف بالمصعد الاجتماعي فقد فعاليته، ليس فقط بسبب ضعف الاقتصاد أو فشل الدولة في التشغيل، بل بسبب فقدان القيمة الرمزية للشهادة. الشهادة لم تعد ضمانة للكرامة أو للاندماج الاقتصادي، بل وثيقة شكلية، تجعل التلميذ يسأل: "ما الفائدة من الدراسة؟"

هذا التراجع يكشف هشاشة السرديات الكبرى للمدرسة، إذ ينهار الوعد الاجتماعي للتعليم، ويتحول التفوق الأكاديمي إلى ممارسة رمزية فارغة، في حين يبقى التلميذ محاطاً بلامعنى وفراغ يزداد اتساعاً مع الزمن الرقمي وتراجع التفاعل الاجتماعي.

تراجع وظيفة الترقية: المدرسة لم تعد ضامنًا للتحرك الاجتماعي، بل مجرد محطة عبور تؤكد الفوارق القائمة.

الأثر النفسي والاجتماعي: التلميذ يفقد الإحساس بالمستقبل، ما يعزز الإحباط واللامبالاة ويزيد من مقاومة النظام التعليمي.

8. سردية التهميش: مدخل الخوصصة

قبل أن تصل المدرسة إلى منطق السوق والخوصصة، تعاني من تهميش مزدوج:

تهميش المعلم مادياً ومعنوياً: ضعف الأجور، غياب الحوافز، انخفاض الاعتراف الاجتماعي بوظيفته.

تهميش البرامج التعليمية: محتوى متقادّم وغير محفز.

تهميش البنية التحتية: مدارس مهترئة، تجهيزات ناقصة.

هذا التهميش يفتح الطريق للخوصصة الممنهجة، حيث تتحول المدرسة إلى سلعة قابلة للبيع، والدروس الخصوصية تصبح الملاذ الوحيد، ما يزيد الفوارق ويضعف دور المدرسة العمومية كمؤسسة وطنية.

9. سردية الدولة المأزومة: الحكاية الأم التي انهارت

الدولة كانت راعية المدرسة وراعية السرديات الكبرى، لكن اليوم:

الإصلاحات غالباً سطحية أو رمزية: تهدف إلى الرضا الشعبي أكثر من إصلاح عميق (Hibou, 2011).

البيروقراطية مشلولة: القرارات الرسمية تتأخر والمعايير غير مرتبطة بالواقع المحلي للمدارس.

غياب الاستمرارية: التغير المستمر للسياسات التعليمية يضعف ثقة المعلم والمجتمع.

الرمزية المفقودة: الدولة فقدت قدرتها على فرض مثال يحتذى، ما أدى إلى تراجع الالتزام بالقيم والمعايير داخل المدرسة وخارجها.

10. سردية الصالح العام: صعود منطق السوق

المفهوم التقليدي للصالح العام تحوّل إلى منطق السوق (Harvey, 2007):

التلميذ أصبح "زبون"، والمعلم "مزود خدمة".

مؤشرات الأداء والنتائج الأكاديمية أصبحت الهدف، وليس تطوير التفكير النقدي أو المواطنة.

المدرسة لم تعد فضاءً تربوياً، بل سوقاً تعليمية، حيث المعرفة سلعة، والمدرسة منتج، والقيم رموز فارغة.

11. سردية الرقمنة المنفلتة: خوارزميات تسبق البيداغوجيا

العالم الرقمي أحدث انقلاباً في العلاقة بالمعرفة (Zuboff, 2018):

المحتوى الرقمي يسبق المدرسة، والخوارزميات تحدد ما هو مهم.

التلاميذ متلقون سلبيون، التفكير النقدي محدود.

المعلم يواجه صعوبة في استعادة سلطة المعرفة وسط انفلات رقمي مستمر.

12. سردية اللامعيارية للجيل الجديد: مجتمع بلا قواعد

الجيل الجديد يعيش حالة شاملة من اللامعيارية، حيث تختفي قواعد السلوك والالتزام، وفق نظرية دوركايم (Durkheim, 1897). المدرسة لم تعد توفر أدوات توجيهية، بل أصبح التلميذ ضائعاً بين محتوى رقمي منفلت وفجوة معرفية حقيقية.

ضعف الانضباط الذاتي: غياب المراقبة الداخلية والمعايير الواضحة يجعل التلميذ يعتمد على الرغبات الفردية بدل الالتزام بالقواعد.

أزمة الهوية الفردية والمجتمعية: التلميذ غير قادر على ربط المعرفة بالقيم، فالمدرسة لم تعد منصة لتشكيل الشخصية، بل فضاءً استهلاكياً بلا حدود.

الفراغ الرقمي والمعرفي: معطيات الانترنت ووسائل التواصل تتحكم أكثر من المدرسة، مما يعمّق الشعور باللامعيارية ويخلق جيلًا يستهلك المعلومات بلا تحليل ولا تفكير نقدي.

انعكاسات طويلة المدى: ضعف الانضباط والوعي بالقيم يؤدي إلى صعوبة بناء مجتمع مستدام، إذ يتحول الفراغ المعرفي إلى فراغ رمزي وأخلاقي.

13. ماذا بعد سقوط السرديات؟

ثلاثة مسارات محتملة:

1. سرديات شعبوية: خطاب مبسط يلتهم الرمزية بلا بديل بنّاء.

2. سرديات فردانية: التلميذ يستهلك المعرفة كما يستهلك المحتوى الرقمي.

3. صياغة سردية جديدة: السؤال الجوهري: كيف نبني سردية تربوية في مجتمع لم يعد يؤمن بأي سردية؟ وكيف نعيد الثقة بالمدرسة كمؤسسة تنتج معنى حقيقياً؟

خاتمة: المدرسة بين الفراغ والمعنى المفقود

المدرسة اليوم ثقب أسود يبتلع السرديات القديمة دون أن يخلق سرديات جديدة. بين التهميش الداخلي، الانحلال المؤسساتي، الخوصصة، الانهيار البيداغوجي، اللامعيارية الفردية والرقمية، المدرسة تقف بين زمن انتهى ولم يُدفَن، وزمن لم يُولَد بعد.

السؤال الذي يظل معلقاً، كإشارة تحذير، هو: هل نصلح المدرسة قبل إصلاح المجتمع؟ أم أن المجتمع نفسه فقد القدرة على إنتاج معنى، فترك المدرسة معلقة في الفراغ؟

تونس اليوم ليست مجتمعاً ميتاً، بل مجتمع يبحث عن سردية جديدة، سردية تصنع التماسك من أسفل، لا من فوق. ومع ذلك، يبقى السؤال المرعب: هل نملك، بعد كل هذا الانهيار، القدرة الجماعية على ابتكار سردية جديدة، أم أننا نتجه إلى مجتمع بلا مستقبل؟

يبقى هذا السؤال مفتاحاً لفهم مصير المدرسة والتربية في تونس، إذ إن أي إصلاح حقيقي لا يمكن أن يكتفي بإعادة الهيكلية أو المناهج، بل يحتاج إلى إعادة إنتاج المعنى والرمزية في المؤسسة والمجتمع معاً، وإعادة الاعتبار للمعلم والتلميذ كفعلين نشطين في صناعة القيم والسرديات التي تمنح الحياة التعليمية صوابها ومعناها.

المراجع:

1. Lyotard, J.-F. (1979). La Condition postmoderne. Paris: Minuit.

2. Durkheim, E. (1922). ducation et sociologie. Paris: Alcan.

3. Bourdieu, P. & Passeron, J.-C. (1970). La Reproduction. Paris: Les ditions de Minuit.

4. Foucault, M. (1975). Surveiller et punir. Paris: Gallimard.

5. Bauman, Z. (2000). Liquid Modernity. Cambridge: Polity Press.

6. Harvey, D. (2007). A Brief History of Neoliberalism. Oxford: Oxford University Press.

7. Zuboff, S. (2018). The Age of Surveillance Capitalism. New York: Public Affairs.

8. Hibou, B. (2011). La Force de l’obéissance. Paris: La Découverte.

9. Durkheim, E. (1897). Le Suicide. Paris: F. Alcan.

10. Freinet, C. (1964). La pédagogie du travail. Paris: ditions de l’cole Moderne.

11. Prensky, M. (2001). Digital Natives, Digital Immigrants. On the Horizon, 9(5).

12. Giroux, H. (2005). The Terror of Neoliberalism. Boulder: Paradigm Publishers.

13. العروي، عبد الله (1996). مفهوم الدولة. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية.

14. أبو زيد، نصر حامد (2005). التفكير في زمن التكفير. القاهرة: دار الشروق.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال