مقدمة: المعلّم بين التربية والتعليم والترويض
في زمنٍ فقدت فيه المدرسة معناها، والمعلّم سلطته، والتلميذ بوصلته، تبرز معضلة أساسية تتعلق بطبيعة الفعل التربوي:
هل المعلّم يربّي، أم يعلّم، أم يروّض؟
عندما نتحدث عن أن المعلّم "يروض" التلاميذ، فإن المعنى يتجاوز مجرد فرض الانضباط أو التحكم في السلوكيات. الترويض هنا هو فنّ ضبط الذات الجمعية للمتعلمين، وسيلة لمحاولة إعادة توجيه طاقاتهم المتناثرة — حدّ الفوضى والتشويش، وأحيانًا قلة الاحترام — نحو نظامٍ مؤقت يمكن للصف أن يستوعبه.
إنه فعل مزدوج: من جهة، هو ضبط سلوكي لضمان استمرار العملية التعليمية، ومن جهة أخرى، هو صراع وجودي مستمر مع الحرية الفردية للتلميذ، إذ يسعى المعلّم لإعادة إنتاج المعنى والرموز داخل الفضاء الصفّي، ليحمي ما تبقّى من الروح التربوية في مواجهة الانهيار الرمزي الذي يفرضه الزمن السائل.
لكنّ الترويض وحده لا يكوّن إنسانًا واعيًا. التربية الحقيقية هي التي تنمّي وعي الذات وتحرّر التفكير، والتعليم هو وسيلة لنقل المعرفة. أمّا الترويض، فهو ضبطٌ مؤقت، محاولة لإعادة تنظيم الفوضى دون ضمان أن يظلّ التلميذ فاعلًا حرًّا قادرًا على الاختيار الواعي.
تمهيد: من أنسنة الفعل إلى تفكّك المعنى
حين غادرت المدرسة التونسية يقينها الحداثي ودخلت عوالم ما بعد الحداثة، تحوّلت الممارسة التربوية من نظامٍ عقلاني إلى تجربة معيشة متوترة تتقاطع فيها الذات والمعرفة والسلطة والزمن.
تراجعت "روح التربية" لتحضر أدواتها، وغابت الرسالة ليبقى الشكل.
لم يعد المعلّم حاملًا لخطاب الحقيقة، بل — كما وصفه Michel Foucault في L’ordre du discours — مجرّد فاعل داخل شبكة سلطوية تنتج المعنى وتراقبه في الآن نفسه.
أما التلميذ، فقد تمرّد لا بحثًا عن الحرية، بل عن هُويةٍ داخل فوضى المعنى.
المدرسة التونسية اليوم لا تعلّم فقط، بل تتجلّى كظاهرة وجودية تختبر فيها الذات وعيها بالعالم عبر ركامٍ من الرموز والسياسات والشعارات الفارغة.
1. من الحداثة إلى ما بعد الحداثة: تحوّل الرؤية التربوية
كانت المدرسة زمن الستينيات والسبعينيات ابنة مشروع الدولة–الأمة، تحمل وعد التقدّم والعقل والهوية، وتُؤسّس لما سماه عبد الله العروي بـ"التربية المواطِنة" في مفهوم التربية في الفكر العربي الحديث.
كانت المعرفة آنذاك وعدًا بالتحرّر.
غير أنّ عالم ما بعد الحداثة — كما وصفه Jean-François Lyotard في La Condition postmoderne — أعلن نهاية السرديات الكبرى وسقوط فكرة الخلاص عبر التعليم.
أصبحت المدرسة فضاءً بلا يقين، تحكمه لغة الكفايات والمردودية بدل القيم والمعنى.
إنها، بتعبير Jean Baudrillard في Simulacres et Simulation، تحاكي ذاتها في غياب الأصل؛ تُدرّس الإصلاحات لا التعلّم، وتعيد إنتاج الفراغ في شكلٍ مؤسسي منظم.
وهكذا، تحوّل الفعل التربوي من وعدٍ بالنهضة إلى ممارسةٍ رمزية تُدار بالاستمارات والتقارير لا بالروح.
2. المدرسة في زمن السيولة: قراءة باومانية للمشهد التربوي
في فكر Zygmunt Bauman، لا تعيش الحداثة نهايتها بل انسيابها: من الصلابة إلى السيولة، من الثبات إلى التبدّل.
وفي هذا السياق، تبدو المدرسة التونسية اليوم مؤسسة سائلة، فقدت مركزها وهويتها ووظيفتها الاجتماعية.
المعلّم لم يعد حاملًا للمعرفة، بل موظفًا في منظومة سائلة لا تُبقي له يقينًا ولا سلطة،
والتلميذ تحوّل إلى مستهلك تعليمي يبحث عن سرعة الإنجاز لا عن عمق المعنى.
تغرق الممارسات التربوية في ما يسميه باومان زمن اللحظة، حيث لا مشروع طويل المدى، بل مهارات مؤقتة تتغير بتغيّر المناهج.
لم يعد التعليم فعل بناء، بل فعل عبور، ولم تعد القيم تؤسّس السلوك بل تتبخّر في دوّامة الاستهلاك واللامعنى.
تبدو المدرسة التونسية، في هذا المنظور، جزءًا من الحداثة السائلة التي تفرز ذاتًا هشّة ومؤسسات بلا ذاكرة،
تتكيّف بدل أن تتفكّر، وتقلّد بدل أن تؤسّس، وتدرّب بدل أن تُربّي.
3. الفينومينولوجيا كتجربة في الوعي التربوي:
تدعو الفينومينولوجيا — كما صاغها Edmund Husserl في Idées pour une phénoménologie pure — إلى "العودة إلى الأشياء ذاتها"، أي إلى الظواهر كما تُعاش.
في هذا الأفق، تُقرأ الممارسة التربوية لا كخطة تعليمية، بل كتجربة إنسانية حيّة يعيشها المعلّم والتلميذ داخل الزمن المدرسي.
حين يدخل المعلّم القسم، لا يؤدي وظيفة بل يعيش حدثًا شعوريًا كثيفًا: خوف، تعب، أمل، مقاومة، بحث عن المعنى.
الدرس ليس لحظة نقل معرفة بل تجربة وجودية يتفاعل فيها الإدراك والجسد واللغة كما يشرح Maurice Merleau-Ponty في Phénoménologie de la perception.
أما التلميذ، فهو لا يتلقّى بل يشارك في بناء التجربة، فيتعلّم لا عبر الشرح بل عبر الوجود المشترك.
وهنا يمكن استحضار Martin Heidegger في tre et Temps، إذ يرى أن الوجود الإنساني ليس تفكيرًا محايدًا بل كينونة–في–العالم.
المعلّم كائن منخرط في شبكة من العلاقات والمعاني، والدرس فعل وجودي قبل أن يكون حدثًا بيداغوجيًا.
إنها تربية تُمارس كفعلٍ أنطولوجي للوجود، لا كخطة تقنية للتعلّم.
4. تشظّي السلطة والمعنى في المدرسة التونسية:
في زمن ما بعد الحداثة، تفككت السلطة التربوية وتعدّدت مرجعياتها.
لم تعد سلطة المعلّم مطلقة كما في المدرسة الحديثة، بل محاصَرة بين تشريعات تجرّم التأديب، وأولياء يراقبون، ومجتمع يسخر، وإعلام يُضعف الصورة الرمزية للمربي.
يعيش المعلّم اليوم اغترابًا مزدوجًا: بين ما يُطلب منه وما يؤمن به، وبين وعيه التربوي وضغط المؤسسات التي تحوّله إلى مجرّد منفّذ.
أما التلميذ، فوجد نفسه كائنًا رقميًا بلا جذور، يتعلم من "اللا–مكان" ويعيش في عالم تفكك فيه المعنى كما وصفه Baudrillard، وتماهى فيه التعلّم بالاستعراض كما يصف Bauman المجتمع الاستهلاكي السائل.
لقد غدت الظاهرة التربوية مشروطة بالحضور الرقمي، حيث يختلط الإدراك الجسدي بالتجربة الافتراضية، كما يشير Pierre Lévy في L’intelligence collective.
أما الشفافية الرقمية التي يتحدث عنها Byung-Chul Han في La société de la transparence، فقد جعلت من التعلّم عرضًا دائمًا للذات لا بحثًا عن الحقيقة.
المعرفة لم تعد تُطلب لذاتها كما أراد Paulo Freire في Pédagogie des opprimés، بل لتحقيق نفعٍ فوريّ في منظومة استهلاكية.
وهكذا غدت المدرسة التونسية مسرحًا للفراغ الرمزي: إصلاحات تتكرر، قيم تتآكل، ومعلم يبحث عن ذاته وسط صخب اللامعنى.
5. نحو وعي فينومينولوجي جديد بالممارسة التربوية:
ليست الأزمة أزمة مناهج أو أدوات، بل أزمة وعي تربوي.
فالحاجة اليوم إلى تربية تستعيد بعدها الإنساني عبر الإنصات للتجربة كما تُعاش، لا كما تُخطَّط.
إنّ الفينومينولوجيا تدعونا إلى اعتبار القسم فضاءً لتجلّي المعنى، حيث المعلّم شاهد على ولادة الوعي لا ناقل لمعلومة، وحيث التلميذ ذاتٌ تفكّر وتحيا لا متلقٍ سلبي.
حين نصغي للتجربة لا للخطاب، تتحول المدرسة إلى فضاء أنطولوجي للوجود المشترك،
وحين نرى في الفعل التربوي علاقة بين ذوات حية لا بين وظائف، يمكن للمدرسة أن تستعيد معناها الأول:
أن تكون مكانًا للمعنى، لا مصنعًا للنتائج.
خاتمة:
هل ما زالت المدرسة التونسية قادرة على أن تنتج وعيًا في زمنٍ سائلٍ يذيب كل وعي؟
أم أننا، كما يقول Bauman, أصبحنا نربّي كياناتٍ مؤقتة بلا ذاكرة ولا التزام، نعدّها للعيش في عالمٍ لا يريد مواطنين بل مستهلكين؟
وربما لم تعد المدرسة في حاجة إلى إصلاحٍ تربوي، بل إلى بعثٍ وجودي جديد،
إذ كيف نُصلح مؤسسة فقدت معناها… قبل أن تفقد وظيفتها؟
والمعلّم اليوم: هل يربّي… أم يعلّم… أم يروّض؟
المراجع:
1. Michel Foucault, L’ordre du discours, Gallimard, 1971.
2. Jean-François Lyotard, La Condition postmoderne, Minuit, 1979.
3. Jean Baudrillard, Simulacres et Simulation, Galilée, 1981.
4. Edmund Husserl, Idées pour une phénoménologie pure, Niemeyer, 1913.
5. Maurice Merleau-Ponty, Phénoménologie de la perception, Gallimard, 1945.
6. Martin Heidegger, tre et Temps, Niemeyer, 1927.
7. Zygmunt Bauman, Liquid Modernity, Polity Press, 2000.
8. Pierre Lévy, L’intelligence collective: Pour une anthropologie du cyberspace, La Découverte, 1994.
9. Byung-Chul Han, La société de la transparence, PUF, 2012.
10. Paulo Freire, Pédagogie des opprimés, Maspero, 1974.
11. العروي، عبد الله. مفهوم التربية في الفكر العربي الحديث. المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، 1990.
12. بن رمضان، محمود. التعليم في تونس: من التعميم إلى الأزمة. دار محمد علي للنشر، صفاقس، 2015.
13. وناس، المنصف. المجتمع التونسي والتحولات القيمية. دار سراس للنشر، تونس، 2007.
فينومينولوجيا الفعل التربوي في المدرسة التونسية: من التربية إلى التعليم إلى الترويض
2025-11-07
528 قراءة
مقالات بحوث
سمير سعدولي
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال