توطئة:
لم تعد أزمة الجيل التونسي الراهن مجرّد ظاهرة تربوية سطحية أو اختلالات سلوكية متناثرة، بل أصبحت علامة على انهيار أعمق يطال البنية الرمزية للمجتمع. فالمدرسة، التي كانت فضاءً لإنتاج المعنى، صارت عاجزة عن حماية ذاتها. والأسرة، التي مثّلت تاريخياً حاضناً للقيم، تتراجع أمام ضغط اليومي وضجيج الوسائط. أما الدولة، فقد تخلّت شيئاً فشيئاً عن مشروع بناء الإنسان، تاركةً المجال لقوى السوق والفرجة والخوارزميات كي تشكّل الأجيال الجديدة وفق منطق الربح والسرعة.
في هذا المناخ المشحون، تمنح فلسفة ميشال هنري أدوات تحليلية دقيقة تكشف كيف تفقد الحياة الداخلية قدرتها على إنتاج الذات، وكيف يتحول الإنسان إلى كائن خارجي بالكامل، يعيش في مستوى “الظهور التقني” دون أن يختبر حضوره الحي. إن تشخيص هنري للهمجية المعاصرة لا يصف الغرب فقط، بل يصلح لقراءة الوضع التونسي اليوم بأدق تفاصيله: تلميذ بلا جذور، ثقافة بلا داخل، ومجتمع يُدار بخطاب خارجي فاقد للون الروحي.
تمهيد:
يعرض ميشال هنري في كتابه الهمجية؛ زمن علم بلا ثقافة (Henry, 1987) أطروحة جذرية مفادها أن الحداثة العلمية، حين انفصلت عن الثقافة التي أنجبتها، خلقت شكلاً جديداً من الهمجية: همجية تقنية صامتة تمحو الحياة الداخلية للإنسان من دون أن ينتبه.
إنه شكل من الوجود يعرف من الخارج، ويتحرك من الخارج، ويعيش خارج ذاته.
وتونس اليوم تعيش هذا المشهد بأوضح صوره:
مدرسة فقدت المعنى، أسرة فقدت الصوت الداخلي، مجتمع فقد البوصلة، ودولة فقدت المشروع التربوي (الغالي، 2020).
إن قراءة السلوك التلمذي من خلال ميشال هنري ليست ترفاً فكرياً، بل محاولة للكشف عن المرض الذي أصاب الحس الداخلي للتونسي.
1. انفصال العلم عن الثقافة: بداية الانهيار الصامت
يرى هنري أنّ العلم حين اختزل الحقيقة في الموضوعية، فصل الإنسان عن ذاته الحية، فانطفأت التجربة الداخلية التي تمنح الوجود معناه (Henry, 1963).
وفي السياق التونسي، يتجسد هذا الانفصال في:
• تربية أسرية مادية تهتم بالإعالة لا بالمعنى (بوعزيز، 2019)
• مجتمع يستهلك اللحظة وينسى الجذور
• مدرسة تقنية تعدّ للامتحانات لا للحياة (الزواري، 2013)
• دولة تنفذ ولا تتخيل
• فضاء رقمي يعيد تشكيل الوعي بلا ثقافة (بن محمود، 2022)
هذا الانفصال هو ما يسميه هنري “الهمجية العلمية”.
2. التلميذ «الهمجي»: ابن ثقافة بلا داخل
لا يرى هنري الهمجية في العنف الظاهر، بل في غياب العلاقة بالذات؛ في الحياة التي صارت خارجية بالكامل.
ويسمي هنري هذا النمط بـ**“الحياة الثانية”** la vie seconde (Henry, 1990): حياة تقنية بلا إحساس.
وقد وثّقت الدراسات التربوية التونسية (العيفة، 2021):
• تشتت الانتباه
• سرعة الانفعال
• غياب العمق الوجداني
• انفصال عن الذات
• غرق في الوسائط الرقمية
إنه ليس “جيلًا فاسداً”… بل انعكاس لفراغ ثقافي عام.
3. الأسرة: حضور جسدي وغياب ثقافي
الثقافة تبدأ من البيت، من التجربة الأولى للحضور الداخلي (بوعمران، 2017).
لكن الأسرة التونسية اليوم تعيش انفصالاً رمزياً عن أبنائها:
• غياب النموذج القدوة
• حضور مادي وغياب وجداني
• تطبيع العنف اللفظي
• ضغط اقتصادي يمتص الطاقة العاطفية (بوعزيز، 2019)
• سيطرة الشاشات على التفاعل الأسري
هكذا يدخل الطفل المدرسة بلا لغة داخلية ولا أدوات لتنظيم ذاته.
4. المدرسة التونسية: جهاز تقني بلا روح
ينتقد هنري المدرسة حين تتحول إلى مؤسسة تقنية بلا جذور رمزية (Henry, 1991).
وتونس تقدم مثالاً نموذجياً على هذه الحالة:
• برامج بلا رؤية (الشرفي، 2001)
• أخلاق تعليمية شكلية
• معلم منهك بلا دعم (بوحديبة، 1999)
• إدارات تهتم بالقانون أكثر من الحوار
• دولة تنحاز للردع لا للإصلاح (الغالي، 2020)
يتعلم التلميذ ما يجب… دون أن يفهم لماذا يعيش.
5. الإعلام والألعاب الإلكترونية: هندسة جديدة للحس
يقول هنري إن الإعلام الحديث لا ينقل معرفة، بل يصنع وعياً شكلياً من الخارج (Henry, 1987).
وتونس اليوم تشهد:
• صوراً سريعة
• انفعالات فورية
• خطاباً عنيفاً
• محتوى استهلاكياً
• انتباهاً مكسوراً بخوارزميات التواصل (بن محمود، 2022)
إنه وعي بلا جذور… بلا ذاكرة… بلا عمق.
6. هل الجيل فاسد… أم نحن الجيل الذي فقد الثقافة؟
يرى هنري أن الإنسان لا يولد همجياً، بل يصبح كذلك حين تتوقف الثقافة عن إنتاج الحياة الداخلية (Henry, 2000).
وجيل اليوم لم يجد:
• أسرة تربّي
• مدرسة تبني المعنى
• دولة تقدم الأفق
• إعلاماً راقياً
• مجتمعاً يقدم القدوة (جعيط، 2006)
فكيف نلوم من لم نعطه شيئاً من الداخل؟
أ. جيل الاستهلاك والتفاهة: من المخدرات إلى القدوة المنحطّة
هنا تلتقي أطروحة هنري مع تشخيصات بودريار، ديبور، ولـوفافر.
يقول بودريار إن المجتمعات حين تفقد المعنى تولد فيها ثقافة المحاكاة؛ رموز بلا مرجع، قيم بلا جذور، وبطولة بلا أخلاق.
ويقول ديبور إن “مجتمع الفرجة” يحول الحياة إلى عروض، ويحول الإنسان إلى متفرج على ذاته.
أما لوفافر فيرى أن الحياة اليومية تصبح ساحة لاحتلال الوعي حين تغيب الثقافة المؤسسة.
وتونس اليوم تقدم مثالاً صارخاً:
• جيل يستهلك المخدرات كمسكن وجداني
• كلام بذيء يُقدَّم كتحضّر
• مراهقون يقتدون بالفاسدين، والرابور، وصناع المحتوى التافه
• نجاح يقاس بعدد المتابعين لا بعدد الأفكار
• فراغ داخلي يُعوَّض بضجيج خارجي
هكذا نرى ما يسميه هنري “الحياة الخارجية الخالصة”:
حياة بلا ذات، بلا جذور، بلا داخل.
جيل لم نمنحه المعنى… فصنع لنفسه معنىً مزيفاً من منتجات السوق الرقمية.
ب. الفراغ الرمزي وصناعة الجيل:
حين تتخلى الدولة عن دورها الرمزي، وتفقد الأسرة حضورها العاطفي، ويتحول الإعلام إلى سوق، والمدرسة إلى جهاز تقني، يصبح الطفل مشروعاً “معلّقاً”… ينتظر من يصنع له المعنى من الخارج.
ج. أثر ذلك على الجيل الجديد:
بهذه الشروط، لا يولد الجيل من الداخل.
بل يولد من الشاشة، من الشارع، من الاستهلاك، من الضجيج.
وهو بالضبط ما يسمى: الجيل الذي لم يُولَد من الداخل.
7. الطريق إلى المقاومة الثقافية:
يرى هنري أن الخلاص لا يكون إلا بـإعادة بناء الحياة الداخلية (Henry, 1965):
1. تربية وجدانية داخل الأسرة
2. إعادة الفلسفة والفنون للمدرسة
3. تدريب الأولياء على التربية العاطفية
4. تقليل زمن الشاشة
5. دعم المعلمين ودورهم الرمزي
6. إصلاح تربوي يعيد للثقافة دورها المؤسس
الثقافة ليست شعاراً… بل فعل يولّد الداخل.
خاتمة:
تكشف فلسفة ميشال هنري أن ما يبدو “أزمة تلاميذ” هو في الحقيقة أزمة حس داخلي يجري استنزافه بصمت.
وتونس تعيش هذا الاستنزاف في الأسرة، والمدرسة، والإعلام، والمجتمع، والدولة.
إن “الجيل الذي لم يُولَد من الداخل” ليس جيلاً فاسداً، بل جيلاً حُرم من شروط الولادة الثقافية.
جيل يولد في زمن انطفأت فيه الجذور الداخلية للحياة، وتعطّل فيه الاقتصاد العاطفي، وغاب فيه الدور الرمزي للدولة.
السؤال ليس: لماذا انحرف الجيل؟
بل: كيف يولد جيل في غياب شروط الولادة الداخلية؟
هل نملك الشجاعة لإعادة بناء الثقافة التي تُنبت الإنسان؟
أم نواصل السير نحو “الهمجية الهادئة” التي تحدث عنها هنري… تلك التي تأكل المجتمعات من الداخل من دون أن يسمع أحد صوتها؟
المستقبل التربوي لتونس، وربما مستقبلها كله، يتوقف على هذا السؤال الوحيد:
هل ما زلنا قادرين على إنجاب الحياة؟
المراجع:
المراجع بالفرنسية:
1. Henry, Michel. La Barbarie. Paris: Grasset, 1987.
2. Henry, Michel. L’Essence de la manifestation. Paris: PUF, 1963.
3. Henry, Michel. Philosophie et phénoménologie du corps. Paris: PUF, 1965.
4. Henry, Michel. De la phénoménologie. Paris: PUF, 1990.
5. Henry, Michel. La Génération. Paris: PUF, 2000.
6. Bauman, Zygmunt. Liquid Modernity. Polity Press.
7. Goffman, Erving. Frame Analysis. Harvard University Press.
8. Debord, Guy. La Société du spectacle. Gallimard.
9. Bourdieu, Pierre. Sur la télévision. Liber.
10. Lefebvre, Henri. Critique de la vie quotidienne. Gallimard.
11. Baudrillard, Jean. La société de consommation. Gallimard.
المراجع العربية:
1. هنري، ميشال. الهمجية. ترجمة جمال شحيد. دمشق: وزارة الثقافة، 2004.
2. بوعمران، إسماعيل. الفينومينولوجيا: أسسها ومفاهيمها. بيروت: دار الفكر، 2017.
3. تريكي، فتحي. الفلسفة والحرية. تونس: دار محمد علي، 2008.
4. الذوادي، محمود. سوسيولوجيا الثقافة. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2005.
5. الشرفي، عبد المجيد. الحداثة ومشكلات التعليم العربي. بيروت: دار الطليعة، 2001.
6. الزواري، علي. علم اجتماع التربية. تونس: دار محمد علي، 2013.
7. بوحديبة، عبد الوهاب. المدرسة والمجتمع. تونس: دار الجنوب، 1999.
8. جعيط، هشام. أزمة الثقافة الحديثة. بيروت: دار الطليعة، 2006.
دراسات ودوريات:
1. بوعزيز، الأسعد. «تحولات الأسرة التونسية». مجلة العلوم الاجتماعية، 2019.
2. الغالي، أمينة. «التفكك الرمزي في المدرسة التونسية». مجلة الفكر التربوي العربي، 2020.
3. بن محمود، عادل. «العالم الرقمي وإعادة تشكيل وعي المتعلمين». مجلة المعرفة التربوية، 2022.
4. العيفة، سامية. «التلميذ التونسي بين العنف المدرسي والتحولات الثقافية». مجلة دراسات تربوية، 2021.
الجيل الذي لم يُولَد من الداخل: قراءة سوسيولوجية تونسية في ضوء ميشال هنري
2025-11-07
630 قراءة
مقالات بحوث
سمير سعدولي
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال