في تونس، حتى النشيد الوطني ليس تونسيًا.
بل هو، مثل الكثير في هذا البلد، خليط من الأيدي الغريبة، ومن الأصوات التي جاءت من الخارج، لتغني لنا تاريخًا لم نعشه، ووطنًا لم نكتبه نحن بأيدينا.
نحن بلدٌ لا يزال يبحث عن صوته، منذ أن كان الباي يعزف ألحانه على أنغام «فيردي» الإيطالي، إلى أن صار «المجاهد الأكبر» يريد نشيدًا يمجده شخصيًا، إلى أن أطلّ بن علي فجعل من قصيدةٍ مصرية لحنا رسميًا لدولة بلا سيادة موسيقية ولا ذاكرة صوتية.
هذه قصة وطنٍ لم يكتب حتى نشيده بيده. وطنٍ صُمّم له تاريخه من الخارج، من وراء الجغرافيا، ومن وراء الطرب.
من «سلام الباي» إلى «حماة الحمى»... الأناشيد التي غنت للسلطة لا للوطن
تونس كانت من أوائل الدول العربية التي امتلكت نشيدًا رسميًا سنة 1846. لكن ذلك النشيد، «سلام الباي»، لم يكن تونسيا في لحنه ولا في روحه.
لحنه، تقول بعض المصادر، إيطالي من تأليف جوزيبي فيردي، الموسيقار الذي كتب «عايدة» لتمجيد الفرعون، وكتب لتونس ما يليق بملكٍ لا يريد شعبًا يغني بل يصفّق.
ذلك السلام لم يكن للوطن، بل للباي، للسلطة، للعرش.
كان موسيقى البلاط، لا موسيقى الشعب.
ولهذا، حين سقطت الملكية في 25 جويلية 1957، سقط النشيد معها كأي قطعة من ديكورٍ أوروبي عالقٍ في قصر بارد.
لكنّ الجمهورية الأولى لم تكن أكثر وطنية.
فقد نظّمت وزارة التربية «مسابقة وطنية» لاختيار نشيد جديد سنة 1958، وشارك فيها العشرات، وفاز فيها الشاعر جلال الدين النقاش والملحن صالح المهدي بنشيد «ألا خلّدي».
لكن سرعان ما تحوّل النشيد إلى أغنية لبورقيبة نفسه، الذي حشر اسمه في بيتٍ صريح:
"بروح الحبيب زعيم الوطن..."
أي وطن هذا الذي يبدأ نشيده باسم الزعيم؟
لقد تحوّل النشيد إلى بطاقة هوية للرئيس، إلى موسيقى السلطة التي تفرض على التلاميذ ترديدها كل صباح كقسم ولاء، لا كقسم حرية.
حماة الحمى... قصيدة مصرية تُغنّى لتونس
حين جاء بن علي، كان لا بد من محو صوت الزعيم القديم، فاستبدل النشيد بـ«حماة الحمى».
الناس فرحوا حينها، ظنّوا أن تونس استعادت نشيدها الأصلي.
لكن المفارقة الساخرة أن «حماة الحمى» نفسه ليس تونسيًا في كلماته.
كتبه مصطفى صادق الرافعي، الشاعر المصري، وأضاف إليه بيتين فقط من أبي القاسم الشابي.
اللحن تونسي، لكن النص غريب، قادم من ضفاف النيل.
وكأننا لا نستطيع حتى صياغة جملة موسيقية عن أنفسنا، إلا بمساعدة الخارج.
من فينا يحمي الحمى؟ ومن فينا يعرف حتى معنى الحمى في وطنٍ لم تعد له حرمة؟
ثلاثة أناشيد... ثلاث جمهوريات... وثلاثة وجوه لنفس الجرح
نشيد الباي كان نشيد الطاعة.
نشيد بورقيبة كان نشيد الزعيم.
نشيد بن علي كان نشيد المحو والتجميل.
كل نشيدٍ في تونس لم يكن عن الوطن، بل عن السلطة.
كل لحنٍ جاء ليُجمّل مرحلة سياسية ويُدفن أخرى.
تغيّر الحكام، وتغيّرت الأناشيد، لكنّ الوطن لم يملك يومًا صوته الخاص.
حتى عندما كتب الشابي، كتب عن الحياة، لا عن الدولة.
وحين أنشد الناس، أنشدوا عن الحرية، لا عن العلم والنشيد.
لماذا لم يُكتب النشيد بأقلام تونسية خالصة؟
لأنّ الدولة الحديثة في تونس لم تُبنَ على الذاكرة بل على المسح.
كل عهد يمحو الذي قبله.
الملكية محَت ما قبلها، الجمهورية محَت البايات، والانقلاب محا بورقيبة.
لم نكتب تاريخنا، فكيف نكتب نشيدنا؟
الأنشودة الوطنية ليست كلمات تُنشد على سلمٍ موسيقي، بل رؤية للذات.
وحين تكون الذات خائفة، مغتربة، منكسرة أمام الخارج، فالنشيد يصبح استعارة للهيمنة.
من فيردي الإيطالي إلى الرافعي المصري، نحن لم نغنِّ أنفسنا، بل غنينا على نغمات الآخرين.
تونس بلا موسيقى وطنية
تونس بلد صاغ موسيقاه من «المالوف» الأندلسي، ومن النواح الصوفي، ومن أغاني الحقول والبحر.
لكن دولته الحديثة لم تعرف كيف تصنع نشيدًا يشبهها.
ربما لأن السلطة لم تفهم معنى الموسيقى: أنها ليست للتعظيم، بل للتذكير.
ولأن النخب لم تفهم معنى الوطن: أنه ليس نظام حكم، بل ذاكرة جماعية تغنّي نفسها.
«حماة الحمى» جميل، لكنه غريب عنا.
«ألا خلّدي» وطني، لكنه تمجيدي.
«سلام الباي» أرستقراطي، لكنه فاقد للروح.
أما تونس، فهي الصوت الذي لم يُكتب بعد.
النشيد الذي لم يُولد بعد
تونس بحاجة إلى نشيد جديد، لا ليُضاف إلى قائمة التغييرات، بل ليُعبّر أخيرًا عن تونس التي لم تُحكَ بعد.
نشيدٍ لا يمجد الحاكم، ولا يستورد الكلمات، ولا يضع الموسيقى في خدمة الصورة.
نشيدٍ يولد من رائحة الشوارع، من ملح قرقنة، من رمل تطاوين، من دموع الفقراء، ومن ضحكات الطلبة.
نشيدٍ يكتب التاريخ لا السلطة.
حين يغنيه الناس، لا يذكرون اسم أحد، بل يشعرون بأنهم جميعًا الوطن.
إلى أن نكتب ذلك النشيد، سنبقى نغني أناشيد الآخرين...
ونصفق لأنفسنا على لحنٍ لا يشبهنا.
النشيد الذي لم يُولد بعد
2025-11-06
695 قراءة
مختلفات
عماد عيساوي
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال