توطئة:
يُعتبر القطاع الفلاحي من أهم ركائز الاقتصاد التونسي ومن أبرز مكوّنات السيادة الوطنية، إذ يشكّل محورًا استراتيجيًا للأمن الغذائي والتنمية المحلية، فضلاً عن كونه مجالًا حيويًا لتشغيل اليد العاملة واستقرار الريف.
غير أنّ هذا القطاع عرف، خلال العقدين الأخيرين، تحولات بنيوية عميقة كشفت هشاشته الهيكلية وتراجع قدرته على الصمود أمام الضغوط الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.
فمن قطاع منتج يسهم في تحقيق الاكتفاء الذاتي، تحوّل إلى فضاءٍ للفساد والمضاربة والنهب المنظّم، تُديره شبكات متنفّذة من السماسرة والمضاربين الذين استحوذوا على مسالك الإنتاج والتوزيع والتصدير، بما في ذلك صغار السماسرة الذين يلتقطون كل فرصة لاستغلال الفلاح وشراء الزيتون والتمور بأسعار زهيدة.
إن ما يحدث اليوم لا يمكن قراءته من زاوية اقتصادية فحسب، بل من خلال مقاربة سوسيولوجية نقدية تفكّك العلاقات بين الفاعلين (الفلاح، الدولة، الوسيط، السوق) وتكشف عن التواطؤات البنيوية التي جعلت الفلاح الحلقة الأضعف في منظومة يفترض أن يكون مركزها.
تهدف هذه الورقة إلى تحليل مظاهر الأزمة الفلاحية في تونس، من خلال التركيز على أربعة قطاعات تمثّل عصب الإنتاج الوطني: الخضر والغلال والزيتون والتمور، باعتبارها مجالات تعكس اختلال التوازن بين الإنتاج والتوزيع، وبين الجهد والربح، وبين الفلاح والدولة.
تمهيد:
لم تعد الفلاحة في تونس نشاطًا اقتصاديًا تقليديًا، بل أضحت مرآة للواقع الاجتماعي والسياسي العام.
فالأرض التي كانت عنوان الكرامة الوطنية تحوّلت إلى مساحة تُدار فيها شبكات النفوذ المالي، وتُستنزف فيها جهود الفلاحين تحت هيمنة المضاربين، سواء الكبار منهم أو صغار السماسرة الذين يجبرون الفلاح على بيع زيتونه وتموره بثمن بخس ليستثمروا على حسابه.
وإذا كانت الدولة في الماضي تلعب دور الضامن لتوازن الأسعار وحماية الفلاح من تقلبات السوق، فإنها اليوم انسحبت من المشهد تاركة المجال مفتوحًا أمام لوبيات السماسرة التي تمسك بخيوط الأسعار من الحقل إلى المستهلك.
هكذا أصبح الفلاح يُنتج ليخسر، والمستهلك يدفع أكثر ليأكل أقل، بينما تتغذى منظومة الوساطة على عرق الاثنين معًا.
1. مظاهر الأزمة – حين تتحوّل الفلاحة إلى رهينة:
1.1. احتكار السماسرة للأسعار:
لم يعد السعر يُحدده العرض والطلب، بل شبكة من الوسطاء تفرض "قانون الغابة" في أسواق الجملة.
فالفلاح يبيع منتوجه ( طماطم، زيتون، تمور... ) بسعر زهيد لا يغطي كلفة الماء واليد العاملة، بينما يُعاد بيع المنتوج نفسه بخمسة أضعاف السعر.
ويضاف إلى ذلك صغار السماسرة الذين يضغطون على الفلاح مباشرة، غالبًا بأساليب تمويهية أو عبر استغلال حاجته للسيولة، ليبيع منتوجه بثمن بخس، ليستثمروا على حسابه ويجني الفارق الكبير.
1.2. تواطؤ الدولة وصمت المؤسسات:
تغيب الدولة عن مراقبة الأسواق، ولا تُفعّل آليات التسعير المرجعي، ولا تُمارس دورها التعديلي.
بل أكثر من ذلك، تبدو في أحيان كثيرة متواطئة مع منظومة الفساد، إذ تغضّ الطرف عن شبكات الاحتكار والتهريب.
غياب الدولة عن الحقول ليس حيادًا، بل شكل من أشكال التواطؤ البنيوي الذي يُسهم في ترسيخ الفوضى الاقتصادية.
1.3. تدهور القطاعات الأساسية:
الخضر والغلال: تعاني من تقلبات حادة في الأسعار وضعف منظومة التخزين، مما يجعل الفلاح رهينة الموسم.
الزيتون: الشركات المصدّرة تشتري الزيت الخام بأسعار بخسة وتعيد بيعه بعلامات أجنبية، في ظل غياب سياسة تسويقية وطنية. هذا القطاع هو الآن و هنا في قبضة السماسرة الصغار الذين يرذلون المنتوج و يشترونه على هواهم بأبخس الأثمان.
التمور: "دقلة النور" رمز الجنوب التونسي، أصبحت مثالًا للفلاح المقهور، إذ تُنهب أرباحها عبر الوسطاء والمصدرين وصغار السماسرة الذين يستثمرون على حسابه.
2. الجذور البنيوية – من ينهب الفلاح؟
2.1. الاحتكار البنيوي:
يتحرك الوسطاء داخل منظومة قانونية هشّة، تُسوّق للفوضى باسم "حرية السوق"، وتغيب فيها الرقابة الفعلية.
ومع تفكك التعاونيات الفلاحية، وجد الفلاح نفسه وحيدًا في مواجهة منظومة الاحتكار، سواء من كبار السماسرة أو صغارهم الذين يستفيدون مباشرة من ضعف موقفه الاقتصادي.
2.2. التواطؤ المؤسسي والسياسي:
الفساد لا يتجلّى فقط في الأسواق، بل في السياسات العمومية نفسها، التي صيغت غالبًا بما يخدم مصالح كبار التجار والمصدرين.
الدولة التي ترفع شعار الإصلاح الزراعي تمارس عمليًا سياسة تخلٍّ ممنهج عن الفلاح الصغير.
2.3. البنية التحتية المتهالكة:
انعدام التخزين البارد وشبكات النقل الحديثة يجعل الفلاح مضطرًا إلى البيع السريع لتفادي تلف المنتوج، مما يعزز سطوة السماسرة.
2.4. التهريب والاقتصاد الموازي:
آلاف الأطنان من المنتجات الفلاحية تُهرّب خارج المسالك الرسمية، في خسارة مزدوجة للدولة والفلاح معًا.
تمثل هذه الظاهرة الوجه غير المرئي لـ"اقتصاد النهب" الذي يقوّض السيادة الغذائية للبلاد.
3. الآثار الاجتماعية والاقتصادية – قراءة معمّقة:
3.1. الفلاح الصغير: الاستنزاف والتهميش
الفلاح الصغير يعيش استنزافًا مزدوجًا: ماديًا نتيجة الأسعار الزهيدة، ومعنويًا بفقدان السيطرة على مصيره الاقتصادي. تراكم الديون، وبيع الأراضي، وترك بعض الحقول بلا زراعة أصبح واقعًا يوميًا، مما يكرّس دائرة الفقر والانحسار الاقتصادي. صغار السماسرة يضاعفون الضغط عبر فرض أسعار بخسة وجني الفارق الكبير على حساب الفلاح.
3.2. الريف والمجتمع المحلي: الهجرة والانكماش الاجتماعي
الهجرة نحو المدن الكبرى أو الخارج باتت خيارًا إجبارياً للشباب، مما يؤدي إلى تراجع النشاط الاجتماعي وانكماش التنمية المحلية. الروابط الاجتماعية التقليدية تتآكل، ويصبح الريف مساحة مهجورة، مع فقدان الأجيال الجديدة ارتباطها بالأرض.
3.3. المستهلك: العبء الاقتصادي المباشر
تضخيم الأسعار في حلقات الوساطة يجعل الغذاء المحلي أقل قدرة على المنافسة ويزيد الضغط على القدرة الشرائية للمواطنين، مما يعكس عمق الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك في تونس.
3.4. الدولة والاقتصاد الوطني: فقدان السيادة والثروة
الخسائر المتراكمة تقلّص موارد الدولة، وتضعف قدرتها على ضبط الأسعار والتدخل لإعادة التوازن الاقتصادي، فتتأثر السيادة الغذائية للبلاد.
3.5. البعد السوسيولوجي للآثار:
الأزمة الفلاحية تعكس أزمة أخلاقية واجتماعية. الفلاحة، التي كانت رمزًا للكرامة والعمل، تتحوّل إلى نموذج للاستغلال المنظم، حيث يستفيد الوسطاء على حساب الأرض والعمال والفلاحين. الفقر الهيكلي والانحسار الاجتماعي يكرّس عدم المساواة ويخلق شعورًا بالغبن في المجتمع بأسره.
4. قراءة سوسيولوجية في المشهد الفلاحي:
أزمة الفلاحة التونسية أزمة أخلاقية وبنيوية في جوهرها.
المجتمع الذي يقبل باستنزاف فلاحه يُساهم في تآكل قيم العدالة والكرامة والعمل.
المنظومة الاقتصادية أفرزت فلاحًا منهكًا، ودولةً متواطئة، وسوقًا تتحكم فيها قوى لا تؤمن إلا بمنطق الربح السريع.
حين تتحول الأرض إلى سلعة بلا روح، يفقد الوطن جزءًا من ذاته.
5. الإطار النظري – العدالة الاجتماعية واللامساواة البنيوية:
الأزمة الفلاحية التونسية ليست مجرد قصور اقتصادي، بل تجسيد لعدم المساواة البنيوية بين الفاعلين الاقتصاديين.
وفقًا لأطروحات بيير بورديو، يسيطر رأس المال الاقتصادي والثقافي والاجتماعي على الحقول الإنتاجية، بينما يُترك الفلاح كحامل للرموز الاقتصادية الأقل قدرة على التفاوض.
أما ماركس فيرى أنّ السيطرة على وسائل الإنتاج تمكّن الطبقات المهيمنة من تحويل فائض الإنتاج إلى ثروة شخصية، تاركة العمال والفلاحين في حالة استغلال مستمر.
كل تدخل إصلاحي ناجح يجب أن يعيد الهيكلة المؤسسية للقطاع الفلاحي ويكفل عدالة توزيع القوة الاقتصادية والسياسية، بما يحمي الفلاح من استغلال الوسطاء وصغار السماسرة والدولة المتواطئة.
خاتمة:
القطاع الفلاحي التونسي ليس في أزمة، بل في قبضة مافيات منظمة تسوّق الجوع والفقر كمنتوج وطني، ويضاف إليها صغار السماسرة الذين يلزمون الفلاح على بيع الزيتون والتمور بثمن بخس ليستثمروا على حسابه.
الدولة التي تبرر صمتها باسم «الحرية الاقتصادية» تمارس أبشع أشكال العنف الاقتصادي ضد فلاحها.
لقد تحوّل الفساد من استثناء إلى قاعدة، ومن فعل فردي إلى بنية شاملة تلتهم القمح والزيتون والتمر معًا.
فهل تُكتب للفلاحة التونسية نهضة جديدة حين يُعاد الاعتبار للفلاح لا للسماسرة؟
وهل تستطيع دولة فقدت شجرتها الأولى أن تستعيد جذورها؟
وهل سيبقى المواطن مستهلكًا مستضعفًا بينما يظل المنتوج الوطني رهينة لمضاربات السوق؟
سؤال يبقى مفتوحًا، لأن الإجابة لن تأتي من فوق، بل من الأرض نفسها.
المراجع:
1. وزارة الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري، التقرير السنوي حول الإنتاج الفلاحي في تونس 2023.
2. المعهد الوطني للإحصاء، النشرة الاقتصادية الفلاحية، العدد 45، 2024.
3. منظمة الأغذية والزراعة (FAO)، تقرير حالة الزراعة في شمال إفريقيا، 2024.
4. البنك الدولي، القطاع الفلاحي في تونس: تحديات الحوكمة والتوزيع العادل، واشنطن، 2023.
5. المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية (FTDES)، ملف: الفلاحون بين التهميش والاحتكار، تونس، 2024.
6. جريدة الشعب، مافيا الأسواق تتحكم في الأسعار وتخنق الفلاحين، عدد أفريل 2024.
7. إذاعة موزاييك، تحقيق حول شبكات تهريب الزيتون والتمور في الجنوب التونسي، ديسمبر 2023.
8. محمد الكيلاني، العدالة الغذائية والحق في الأرض: مقاربة سوسيولوجية للفلاح التونسي، المجلة التونسية للعلوم الاجتماعية، 2022.
9. بورديو، بيير، الهيمنة الرمزية، باريس، 1991.
10. ماركس، كارل، رأس المال: النقدي والإنتاجي، الطبعة العربية، بيروت، 2000.
الفلاحة التونسية في قبضة السماسرة: قراءة سوسيولوجية في اقتصاد النهب المنظّم
2025-11-06
780 قراءة
مقالات بحوث
سمير سعدولي
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال