بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

هنا عاش المجاهد... وهنا حكم العبد

2025-11-05 2244 قراءة مختلفات عماد عيساوي
4
في تونس، كما في سائر الشرق، كانت العبودية سلّمًا إلى السلطة، لا سيفًا على رقبتها.
منذ أن فُتحت أبواب القصور أمام “الخدم الأوفياء”، وأُغلقت أمام “الأحرار العنيدين”، تغيّر شكل الدولة من دولة تُبنى على القوة والقبيلة إلى دولة تُبنى على الولاء الأعمى.
تونس التي نعرفها اليوم، لم تُبنِها القبائل ولا الثوار، بل بناها المماليك، والعبيد، والخصيان، والحاشية التي لم تكن تعرف الوطن، بل كانت تعرف الباي فقط.
إنّ من حكم تونس منذ قرون لم يكن “أبناءها”، بل غرباء صُنِعوا في مختبرات البلاط، جُلبوا من وراء البحار، رُبّوا في حجرات القصور، وغُسلت ذاكرتهم كي يُعاد برمجتهم على طاعة سيدٍ جديد اسمه “الحسين بن علي”.

النشأة: من إسطنبول إلى تونس ، دم ألباني في عروق الدولة
حين سقطت الدولة المرادية سنة 1702 بعد مقتل محمد بن مراد، كانت تونس تعيش فوضى، وكانت القبائل تتهيأ لافتراس الدولة.
لكنّ الداي إبراهيم الشريف، آخر الدّايات الأتراك، حاول أن يُعيد السيطرة بقبضة الحديد والنار. ولمّا فشل، خرج من إسطنبول ضابط صغير الأصل من الأناضول، يُدعى الحسين بن علي التركِي كان مملوكًا لدى أحد دايات الجزائر، ثم أصبح ضابطًا في جيش تونس، ثم قرر أن يكون “بايًا”.
في سنة 1705، أسّس الحسين بن علي الدولة الحسينية، التي ستدوم أكثر من قرنين ونصف، لكنها لم تكن دولة وطنية، بل إقطاعًا عثمانيًا مغلفًا بطلاء محلي.
لم يبنِ الباي دولته على تحالف قبلي أو شعبي، بل على جهاز من المماليك والعبيد، لأنهم وحدهم يضمنون الولاء بلا سؤال، والطاعة بلا ذاكرة.
ومنذ تلك اللحظة، بدأ تاريخ جديد:
تاريخ من صعدوا من المطبخ إلى الوزارة، ومن رُكّعوا ليُتوجوا، ومن أُسقطوا ليحكموا.

صناعة النخبة المملوكية: العبيد الذين صاروا أسيادًا
منذ عهد علي باي الثاني (1759–1782)، بدأ المماليك يُشكلون العمود الفقري للدولة.
هؤلاء لم يكونوا عبيدًا سودًا فحسب، بل خليطًا بشريًا من القوقاز والبلقان والسودان والأناضول، جُلبوا عبر أسواق المتوسط، أو كأسرى حروب، أو كهدايا من دايات الجزائر وإسطنبول.
في القصر الحسيني، كان الولاء أهم من الأصل.
وكان من السهل أن تتحول من عبد في المطبخ إلى وزير في الدولة، إذا كنت تعرف كيف تُقبّل اليد الصحيحة.
من هؤلاء برزت أسماء صنعت السياسة والمال والخيانات الكبرى:
يوسف صاحب الطابع (1735–1815): عبد مملوك من أصل يوناني أو بوسني، بدأ خادمًا في البلاط، وانتهى “رئيس الوزراء” في عهد حمودة باشا باي (1782–1814). كان الآمر الناهي في التجارة والمالية، حتى قيل إنّ خزائنه تفوق خزائن الدولة.
مصطفى خزندار (1817–1878): يوناني الأصل من جزيرة خيوس، أُسر في حرب اليونان، جُلب إلى تونس عبدًا، تربّى في قصر أحمد باي، ثم صار وزيرًا أول، وصاحب النفوذ المالي الأكبر، حتى وصفه المؤرخون بأنه “الحاكم الحقيقي لتونس” في عهد محمد باي وصالح باي.

خير الدين باشا التونسي (1820–1889): ابن جارية شركسية، اشتراه أحمد باي، فتعلم وأُرسل إلى إسطنبول، ثم عاد ليصبح رئيس الحكومة ووزيرًا أولًا، وصاحب “إصلاحات الدولة”، وأحد مهندسي تحديث الإدارة والجيش، لكنه بقي مملوكًا سابقًا، أُقصي حين حاول المسّ بجذور الفساد.

حسين خوجة، عمر خزندار، الجنرال رستم، الوزير مصطفى بن عياد... جميعهم أبناء البلاط المملوكي الذين صاروا أعيانًا، ثم تحوّل أبناؤهم لاحقًا إلى “عائلات تونسية محترمة”.

كانت الدولة الحسينية إذًا دولة هجينة بلا نسب:
عروشها تُدار بأيدٍ مملوكية، وولاؤها يتجه نحو إسطنبول، وثرواتها تُنهب بين القصبة وباب البحر.

النظام المملوكي: الباي ربّ والعبيد وُزراء

من حمودة باشا إلى أحمد باي الأول، حافظت الدولة الحسينية على بنية اجتماعية صارمة:
الباي هو الأب.
المملوك هو الابن المطيع.
الشعب هو القطيع الذي يُجبى منه الخراج.
كان “القائد” يعني جابي ضرائب، لا زعيم حرب.
وكان “الوزير” يُقاس بقربه من السرير، لا بعلمه أو جهاده.
وهكذا تحوّلت كلمة “قائد السبسي” مثلًا، إلى وظيفة مملوكية مخزنية، لا علاقة لها بالقيادة أو النضال.
من هذه الوظائف خرجت عائلات أصبحت لاحقًا من نبلاء الجمهورية:
آل خزندار، آل بن عياد، آل الجبيرة، آل بن مصطفى...
عائلات صُنعت في مختبرات البلاط، ثم ادّعت بعد الاستقلال أنّها "الوجه المدني لتونس الحديثة".

الاحتلال الفرنسي (1881): حين تحوّل العبيد إلى مترجمين
عندما دخل الجنرال بريار إلى باردو يوم 12 ماي 1881 وفرض على الباي عهد الحماية الفرنسية، لم يجد مقاومة تُذكر.
ذلك أن تونس كانت قد أُفرغت من أبنائها المقاتلين، بعدما حطّم البايات القبائل، وكسّروا شوكة المجاهدين.
الفرنسي لم يحتج إلى جيش ضخم. كان يكفيه أن يستعمل المماليك المتبقين من دولة الباي كمترجمين، ككتاب، كوسطاء، كولاة مدن.
بينما وُضعت أسماء المقاومة في قائمة “الخطر”.
فأُعدم علي بن خليفة النفاتي، بطل الجنوب، في معركة الصحراء سنة 1885.
واغتيل محمد الدغباجي سنة 1924 شنقًا في قابس، بعد أن قاتل الفرنسيين في صفوف المقاومة المسلحة.
ونُفي الضو الغربي، ودفن في النسيان.

كانت فرنسا ذكية بما يكفي لتعرف:
أنّ من وُلد في القصر لن يقاتل دفاعًا عن الخيمة.
وهكذا أعادت توظيف أبناء المماليك كـ"إداريين محليين" في نظام الحماية.
الاستقلال (1956): جمهورية الورثة لا جمهورية المقاومين
حين أعلن الحبيب بورقيبة الاستقلال يوم 20 مارس 1956، لم يُسلّم مقاليد الحكم لأبناء الفلاقة والمجاهدين، بل سلّمها إلى أبناء المدن، والبرجوازية المتعلمة في باريس.
لم تُكتب أسماء الشهداء على جدران الوزارات، بل كُتبت أسماء الإداريين القدامى، وأبناء العائلات التي خدمت الباي ثم الاستعمار.
دخل إلى الحكومة رجال لم يحملوا السلاح يومًا، بل حملوا الأقلام الفرنسية.
تحوّل المملوك إلى “إداري جمهوري”، والعبد إلى “بيروقراطي عصري”.
وبقي المجاهدون في الهامش:
أبناء فرحات حشاد أُقصوا،
أبناء الدغباجي عاشوا فقراء،
وأبناء المقاومة الجنوبية لم يجدوا حتى قبور آبائهم في كتب التاريخ.
أما من خدم البلاط، فقد تحولوا إلى “أعيان الجمهورية”.
منهم آل السبسي، الذين يعود أصلهم إلى خدم القصر الحسيني، ارتقوا بالمكر لا بالبندقية.
ومنهم آل خزندار وآل بن عياد الذين حافظوا على ثرواتهم بعد الاستقلال بفضل قربهم من النخبة الجديدة.

الدولة الحديثة: عبودية أنيقة
بعد الاستقلال، لم تتغير بنية الدولة، بل تبدّل مظهرها فقط.
تحوّلت من “دولة باي” إلى “دولة حزب”، ومن “عبيد السرير” إلى “عبيد المكتب”.
وظلت نفس الروح قائمة: الولاء أولًا، والحرية خطر يجب احتواؤه.
تونس التي وعدت بالتحرر، لم تتحرر إلا شكليًا.
ظلت محكومة بنفس الطبقة التي لم تقاتل من أجلها يومًا، طبقة إداريين ووسطاء ومثقفين فرانكفونيين، يشبهون المماليك القدامى في كل شيء إلا في الزي.
لقد جاع المجاهدون، وغنيَ العبيد.
ومات الأحرار في الجبال، وورث الخدم الأرض والمناصب.

حين يُكتب التاريخ من قصر لا من قبر

تاريخ تونس ليس تاريخ الثورات، بل تاريخ البلاط.
منذ الباي الأول إلى الوزير الأخير، ظلّ الخيط واحدًا:
من يقترب من السلطة يصعد، ولو كان عبدًا،
ومن يقاتل من أجل الوطن يُنسى، ولو كان شهيدًا.
إنّ ذاكرة البلاد تحتاج إلى ثورة أخلاقية، لا سياسية.
ثورة تكتب التاريخ من تحت لا من فوق،
تُنصف من ماتوا فقراء باسم الوطن، وتُسقط الألقاب الوراثية التي رافقتنا منذ عهد المماليك.
ولعلّ تونس لن تكون دولة عادلة إلا حين تكتب على جدرانها:

“هنا عاش المجاهد... وهنا حكم العبد”.

حينها فقط، سينتهي عهد العبيد الذين حكموا،
ويبدأ عهد الأحرار الذين صبروا.

التعليقات والردود

4
المختار المختار
2025-11-06
تحليل رائع لانه صادق وتفطن لمواطن المخاتلة والتزييف التي تحيط بتاريخ تونس. و يفسر الى حد كبير اسباب التردي الذي نعيشه
فوزي
2025-11-05
أفكار مكثفة
الحقيقة هذا مقال متميز جدا وجدير ان ينشر على نطاق واسع ويتم الاطلاع عليه
جلال البريكي
2025-12-20
نحن شعب للبناء.
لا بد لهذا الرأي أن يسكن عقل كل تونسي لكي يدرك المسافة اللتي تفصله عن الإنعتاق و التحرر .
عبد المنعم
2025-12-20
مقال لا يمكن نقده و لا مخالفة محتواه
إبداع في سرد تاريخ تونس منذ زمن حسين بن علي التركي الي سنة 2025
نحن في انتضار مقال آخر منك يرجع بنا الي زمن الدولة الحفصية
شكرا

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال