تمهيد:
تعيش المدرسة التونسية اليوم أزمة تربوية مركّبة، تتجاوز حدود المناهج والبرامج لتطال عمق المعنى والغاية من التعليم ذاته. لم يعد التلميذ يقبل الدور الذي رسمته له المؤسسة المدرسية، ولم تعد القيم التي تُلقَّن داخل الفصول تجد صدى في حياته اليومية. هذا الانفصال بين المدرسة وواقع المتعلم جعل الفعل التربوي فاقدًا لجدواه، فتحوّل الفصل الدراسي إلى مسرح لتمرد صاخب، يُعبّر عن أزمة مجتمعية أعمق عنوانها: انهيار المعنى.
1. التمرد كعرض سوسيولوجي: بين الفردانية وفقدان الانتماء
من منظور سوسيولوجي، يُمكن فهم التمرد التلمذي كنتاج لتفكك منظومة التنشئة الاجتماعية. فحسب mile Durkheim (1897)، المدرسة هي المؤسسة التي تعيد إنتاج القيم الجمعية وتحافظ على التماسك الاجتماعي. غير أنّها اليوم فقدت تلك الوظيفة لصالح فضاءات أخرى: الشارع، وسائل الإعلام، ومواقع التواصل الاجتماعي.
لقد تحوّل التلميذ إلى كائن مشتّت الولاءات، يستمد معاييره من عالم رمزي افتراضي أكثر منه من المدرسة أو العائلة. ومع صعود ثقافة الصورة واللازمن، تفكّكت الروابط التقليدية للانتماء. يعيش المتعلم اليوم في عالم سريع ومجزّأ، لا يمنحه استقرارًا هوياتيًا ولا مرجعية أخلاقية. فيتمرد لا لأنّه يسعى إلى التغيير، بل لأنه لم يعد يجد معنى للانتماء. إنّها الفردانية المنفلتة التي تحدّث عنها Durkheim حين ربطها بالأنوميّة (l’anomie)، أي غياب الضوابط والمعايير الجماعية.
وهنا يمكن استحضار ما أشار إليه Anthony Giddens (1991) حين اعتبر أن الأفراد في المجتمعات الحديثة يمارسون فاعليتهم في إعادة بناء المعايير الاجتماعية، حتى وإن بدا ذلك في شكل تمرّد أو رفض. فالتلميذ التونسي، وهو يواجه سلطة المدرسة أو المعلم، يمارس شكلًا من أشكال المقاومة الرمزية بحثًا عن معنى مفقود في منظومة لم تعد تستجيب لحاجاته أو لزمنه الرقمي.
2. الفضاء الرقمي و صناعة اللامعيارية:
لقد أنتجت الألعاب الإلكترونية والمنصات الرقمية والإعلام المرئي منظومة قيم موازية تتعارض في كثير من الأحيان مع القيم المدرسية. فالألعاب القائمة على المنافسة والعنف والمكافأة السريعة خلقت لدى المتعلم تصورًا جديدًا للسلطة والمعنى: سلطة تُكسر، ومعنى يُنتج فورًا بالضغط على زر.
يُشير Neil Postman (1985) إلى أن الصورة التلفزية – ثم الرقمية لاحقًا – حوّلت المعرفة إلى ترفيه (entertainment)، ففقدت الجدية والمجهود معناهما. أما Manuel Castells (1998) فيرى أن الشبكة الرقمية أعادت تشكيل الوعي الجمعي ضمن ما يسميه “مجتمع الشبكات”، حيث تُنتج الهوية في الفضاء الافتراضي لا في مؤسسات التنشئة التقليدية.
نتيجة لذلك، أصبح التلميذ ابن شاشة أكثر منه ابن كتاب أو قسم. يكتسب لغته من “يوتيوب” وقيمه من “تيك توك”، ويقيس نجاحه بعدد المتابعين لا بعدد المعارف. داخل القسم، يبدو “الزمن البيداغوجي” بطيئًا ورتيبًا مقارنة بزمن اللعب الإلكتروني الذي يمنحه إحساسًا بالتحكم والنجاح الفوري. وهنا يتجلى التمرد كتعبير عن صدام بين ثقافتين: ثقافة الشاشة السريعة وثقافة المدرسة البطيئة.
3. العائلة: من الفاعل التربوي إلى المتفرّج
كانت العائلة في التصور التقليدي الحاضن الأول للقيم، والمساهم الأبرز في بناء الضمير الأخلاقي للطفل. لكنها اليوم، بفعل التحولات الاقتصادية والاجتماعية، تخلّت عن دورها التربوي لصالح المدرسة تارة ولصالح الشارع تارة أخرى.
يرى Pierre Bourdieu (1970) أنّ العائلة كانت تمارس “العنف الرمزي” الإيجابي الذي يضمن نقل رأس المال الثقافي من جيل إلى آخر. غير أنّ هذا الدور انهار حين أصبحت الأسرة نفسها مستهلكة لثقافة السوق والسطحية. في كثير من البيوت، تُطبع البذاءة ويُبرَّر الانفلات باسم الحرية أو “العصرنة”. هكذا تفقد الأسرة مكانتها كحاضنة تربوية، لتتحوّل إلى وحدة استهلاكية لا تنتج معنى ولا سلطة أخلاقية.
4. المجتمع: تطبيع الرفض وتقديس الفوضى
يعيش المجتمع التونسي بدوره أزمة قيمية، إذ تحوّل التمرد إلى سلوك يومي مُشرعن ضمن الخطاب العام. في المقاهي، في النقاشات الإعلامية، وفي الفضاء الافتراضي، يُعاد إنتاج ثقافة “التحدّي” و”الفهلوة” على حساب قيم العمل والانضباط.
يصف Jean Baudrillard (1981) هذا الواقع بمفهوم “Simulacre” أي المحاكاة؛ حيث تختفي الحقيقة لتحلّ محلها الصور. في هذا السياق، يتعلّم التلميذ التمرّد من النماذج الافتراضية أكثر مما يتعلّمه من معلمه. إنها ثقافة تمجّد الشكل وتُفرغ المضمون من محتواه، لتنتج أجيالًا تتمرد لا لأنها واعية، بل لأنها ضائعة.
5. الدولة والمدرسة: إدارة بلا مشروع
أما الدولة، فقد فقدت بوصلتها التربوية. فالمؤسسة التعليمية تُدار بمنطق إداري صرف، والقرارات تصاغ في مكاتب مغلقة، بعيدة عن الواقع اليومي للفصول. المدرسة لم تعد مشروعًا مجتمعيًا، بل أصبحت جهازًا بيروقراطيًا يحافظ على سير الدروس دون أن يسائل مضمونها أو أثرها.
غياب الرؤية القيمية في السياسات العمومية جعل الفعل التربوي بلا هدف. الإصلاحات المتكرّرة، وإن حملت شعارات كبرى، لم تمسّ جوهر الإشكال: غياب فلسفة تربوية تُعيد للمدرسة معناها ودورها الرمزي.
إنّ هذا التحوّل نحو الإدارة التقنية للفعل التربوي يعبّر عمّا يسميه Jürgen Habermas (1984) “العقل الأداتي”، حيث يُختزل التعليم في إجراء إداري يفقد صلته بالبعد الإنساني والتواصلي، فتغيب عنه روح الحوار والمعنى.
6. التمرد كمرآة لانهيار المعنى:
التمرد التلمذي ليس مجرّد ظاهرة سلوكية؛ إنه مرآة لخلل بنيوي في علاقة المجتمع بالتربية. فالطفل الذي يرفض التعلم أو يسخر من معلمه لا يعبّر عن أزمة نفسية فقط، بل عن قطيعة رمزية بين الأجيال، وعن فقدان الثقة في المعنى الذي تقدّمه المدرسة.
لقد فقدت الدروس سلطتها الرمزية، والمعلم مكانته الاجتماعية، والعائلة تماسكها التربوي، والدولة مشروعها الثقافي. النتيجة: مدرسة بلا معنى، وتلميذ بلا بوصلة.
خاتمة:
إنّ ما نراه اليوم في فصولنا من عنف وتمرد ولا مبالاة، ليس سوى الوجه البيداغوجي لأزمة مجتمعية شاملة. المدرسة لم تعد قادرة على إنتاج القيم لأنها تعيش وسط مجتمع لم يعد يقدّرها. فحين تنهار الأسرة ويتراجع دور المجتمع وتغيب الدولة، يصبح الفصل المدرسي مسرحًا لانهيار كل المعاني التي كان يُفترض أن تُبنى فيه.
إنّ إنقاذ المدرسة لا يكون بإصلاح المناهج وحدها، بل بإعادة بناء العقد التربوي بين الأسرة والمجتمع والدولة، حتى يستعيد الفعل التربوي معناه الإنساني العميق.
> وإذا كانت العائلة متخلية عن دورها التربوي، مطبّعة مع البذاءة، أليس من الأجدر أن تُربّى مجددًا؟
المراجع:
1. Durkheim, . (1897). L’ducation morale. Paris: Alcan.
2. Bourdieu, P. & Passeron, J.-C. (1970). La Reproduction. Paris: Minuit.
3. Baudrillard, J. (1981). Simulacres et Simulation. Paris: Galilée.
4. Giddens, A. (1991). Modernity and Self-Identity. Cambridge: Polity Press.
5. Habermas, J. (1984). The Theory of Communicative Action. Boston: Beacon Press.
6. Postman, N. (1985). Amusing Ourselves to Death. New York: Penguin.
7. Castells, M. (1998). The Information Age: Economy, Society and Culture. Oxford: Blackwell.
التمرد التلمذي وانهيار المعنى قراءة في مشهدية فصول المدرسة التونسية
2025-11-05
633 قراءة
مقالات رأي
سمير سعدولي
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال