توطئة:
في ظل التحولات المتسارعة للمدرسة التونسية، تتكاثر الإصلاحات ويزداد الجدل عن التحديث والتطوير، فيما الواقع اليومي للأقسام يروي قصة مختلفة. هذا المقال يقدّم قراءة ميكروسوسيولوجية لما يحدث داخل المدرسة، مركّزًا على العلاقة بين الإصلاح المعلن والإطلاح الرمزي الخفي، وكيف يتحوّل الفعل التربوي إلى مشهد من التوتر بين المعنى والواجهة، بين المعلّم والتلميذ، وبين المدرسة والمجتمع. بالاستعانة بفكر Edgar Morin (1999)، سنحاول فهم المدرسة كنظام معقد تتشابك فيه عناصر السياسة، المجتمع، والتجربة اليومية، بحيث لا يمكن تفسير الانهيار إلا من خلال رؤية شمولية تربط الجزئي بالكل.
تمهيد تأملي: الإصلاح كواجهة، والإطلاح كحقيقة خفية
لم تعرف المدرسة التونسية في تاريخها الحديث كل هذا الكمّ من “الإصلاحات” المتلاحقة. فكل عقد من الزمن تقريبًا يشهد مشروعًا جديدًا يحمل وعود “التطوير” و“التحديث”. لكن، كما يلاحظ Habermas (2007)، فإنّ “الإصلاح حين ينفصل عن التواصل المجتمعي يتحوّل إلى أداة هيمنة لا أداة تحرّر”. وهكذا يبدو أن المدرسة التونسية تتقدّم إداريًا بينما تتآكل رمزيًا.
كأننا أمام انتقال خفيّ من الإصلاح إلى الإطلاح — أي من الفعل البنّاء إلى فعل التخريب المُمأسس، حيث يُرمَّم السطح بينما يتآكل الجوهر. وهنا يضيف Edgar Morin (1999) أن الفهم الجزئي للمدرسة يغيب عن إدراكها كنظام حيّ يتأثر بكل التفاعلات بين أعضائه، ومن دون هذا الفهم يتكرّس الانهيار الرمزي.
1. الإصلاح كإيديولوجيا: عندما يتحوّل الخطاب إلى قناع
من منظور سوسيولوجي، لا يمكن فهم “الإصلاح التربوي” إلا بوصفه خطابًا سلطويًا أكثر منه ممارسة تربوية. فالسلطة التعليمية، كما أشار Bourdieu (1998)، لا تكتفي بإنتاج المعرفة بل تُنتج من خلالها شرعيتها الرمزية. وهكذا يصبح “الإصلاح” أداة لإعادة إنتاج السلطة نفسها، لا لتجاوزها.
لقد كان “الإصلاح” في بداياته الوطنية بعد الاستقلال مشروعًا لبناء الدولة الحديثة، لكنه مع مرور الزمن تحوّل — بتعبير Poulantzas (1979) — إلى آلية لإعادة تموقع الدولة داخل بنية الهيمنة، أي وسيلة لضبط التوازنات الاجتماعية أكثر من كونه مشروعًا للتحرّر.
كما يذكّرنا Edgar Morin (1999)، أن كل محاولة إصلاح أحادي البعد تُفشل في النظام المعقد للمدرسة، لأن تفاعل المكونات التعليمية، الاجتماعية، والرمزية لا يمكن فصله عن بعضها.
2. الميكروسوسيولوجيا تكشف ما يُخفى:
فالميكروسوسيولوجيا، بخلاف المقاربات الماكرو التي تدرس السياسات العامة، تُنصت إلى التجربة اليومية بوصفها “مكان الحقيقة”. إنها، كما وصفها Foucault (1975)، تكشف ما يُمارس دون أن يُقال. في القسم، الصمت أكثر فصاحة من الكلام، والنظرات أكثر دلالة من الوثائق.
نرى المعلّم الذي يشرح بلا رغبة، والتلميذ الذي يكتب بلا فهم، والمتفقد الذي يراقب بلا مشروع. هذه التفاصيل الصغيرة، كما يبيّن Freire (1980)، تعبّر عن “تربية المقهورين” في أبهى صورها: تربية بلا وعي نقدي، تُعيد إنتاج الخضوع لا الحرية.
بالنظر إلى Edgar Morin (1999)، يمكن قراءة هذه التفاصيل كشبكة علاقات داخل نظام معقد: انهيار أحد المكونات يؤثر على كامل النظام، مما يجعل المدرسة ككل في حالة هشاشة مستمرة.
3. من الإصلاح إلى الإطلاح: فجوة التكوين وانهيار الثقة الرمزية
الإطلاح ليس مجرد فشل إداري، بل يعكس فجوة جوهرية بين التكوين النظري للمعلم وبين الواقع العملي في الأقسام. فالطلبة المعلمون لمدة سنتين، لا يتلقون تربصًا عمليًا حقيقيًا، مما يجعل انتقالهم إلى الممارسة المهنية صادمًا ويزيد من هشاشة النظام التربوي (Edgar Morin, 1999).
هذا الغياب للتجربة الميدانية يؤدي إلى:
1. تراجع علاقة المعلّم بالقسم: المعلّم يجد نفسه غير مهيأ للتعامل مع الواقع المدرسي المعقد، فيتقلّص دوره إلى مجرد موظف ينفذ البرامج بلا ابتكار.
2. تراجع علاقة التلميذ بالتعلّم: التلميذ يواجه معلمًا غير متمكن، فيفقد الثقة في المدرسة كمصدر للمعنى والتعليم.
3. تراجع الثقة المجتمعية: المجتمع يرى المدرسة مؤسسة مفككة، تفشل في تهيئة الأجيال الجديدة بشكل متكامل، ويزداد شعور الانفصال بين المدرسة والأسرة والمحيط المحلي.
4. الإصلاح الذي لا يرى الأقسام:
تأتي الإصلاحات من فوق، محاطة بخبراء ومصطلحات تقنية مستوردة. لكن الأقسام، كما يشير العياري (2021)، لا تتلقّى هذه الإصلاحات إلا كاضطراب رمزي جديد يُعمّق الارتباك بدل تجاوزه.
تتبدّل الكتب، وتتبدّل المصطلحات، لكن القسم ذاته يبقى مكتظًّا، والمعلّم مثقلاً بالبرامج، والتلميذ غريبًا في فضائه المدرسي. هذا الانفصال بين الماكرو التربوي والميكرو المدرسي يعكس، بحسب Edgar Morin (1999)، محدودية أي إصلاح أحادي البعد في نظام معقد متعدد المستويات.
هنا يبرز مشكل آخر بالغ الأهمية: الطلبة المعلمون للعام الثاني لا يتلقّون تربصًا فعليًا داخل الأقسام، فيفقدون الفرصة لتطبيق ما تعلموه نظريًا، واختبار مهاراتهم أمام واقع حقيقي. هذا الغياب للتجربة الميدانية يكرّس اغتراب التكوين بين الجامعة والصف الدراسي، ويجعل من الانتقال إلى الممارسة المهنية صدمة بدلًا من مرحلة تعلم تدريجي (Edgar Morin, 1999).
5. الإطلاح والنيوليبرالية التربوية: حين يصبح الإصلاح مدخلًا للخوصصة
ما يبدو “إصلاحًا تربويًا” في ظاهره ليس بريئًا من منطق السوق. منذ التسعينيات، تسلّل الفكر النيوليبرالي إلى المدرسة التونسية عبر شعارات “تحسين النجاعة” و“إعادة هيكلة التمويل”. لكن خلف هذه المفردات التقنية — كما حلل باحث تربوي — تختبئ آليات تفكيك المدرسة العمومية ودفعها نحو التخصيص المبطّن:
شرعنة الدروس الخصوصية كتطبيع أولي مع السوق التربوي.
تحويل المؤسسات العمومية إلى وحدات إنتاجية تُقاس بالأرقام لا بالمعنى.
ترذيل دور المعلّم ضمن سردية “القطاع غير المنتج”.
إعادة صياغة التكوين والتقييم وفق منطق المقاولة لا التربية.
6. مشاهد صغيرة من خراب كبير:
المعلّم الذي يكرّر الدروس كمن يعيد كتابة نفسه في الفراغ.
التلميذ الذي يحلم بالهروب أكثر مما يحلم بالنجاح.
الإدارة التي تتحدث عن الجودة بينما تبحث عن الأرقام فقط.
الخطاب الرسمي الذي يفاخر بالرقمنة، بينما القسم متحنط بالخشب والورق.
Edgar Morin (1999) يوضّح أن هذه المشاهد تعكس حالة النظام ككل، حيث أي خلل جزئي يتفاعل مع باقي المكونات ويزيد من هشاشة المدرسة.
7. خاتمة تأملية وحلول محتملة: استعادة معنى المدرسة
الاعتراف بالانهيار يفتح الباب لتصورات عملية يمكن أن تعيد للمدرسة مكانتها التربوية الحقيقية. وهنا يمكن الاستفادة من منهجية Morin (1999) في فهم المدرسة كنظام معقد:
1. إعادة بناء العلاقة بين المعلّم والقسم: منح المعلّم مساحة أوسع للابتكار والقرار التربوي، ودعم التكوين المستمر الذي يركّز على الفهم النقدي والتفاعل الإبداعي، مع ضمان تلقي الطلبة المعلمين تربصًا عمليًا داخل الأقسام قبل بداية مسارهم المهني، لتجسيد التعلم النظري في واقع فعلي ملموس.
2. إعادة المدرسة كمكان للمعنى: تصميم برامج تربوية تعيد دور المدرسة في تنمية الفكر النقدي والإبداعي، وتعزيز ثقافة الحوار والمشاركة داخل الأقسام.
3. تدعيم الثقة بين المدرسة والمجتمع: إشراك أولياء الأمور والمجتمع المدني في تصميم السياسات التعليمية ومراقبتها، مع التركيز على العدالة الاجتماعية في توزيع الموارد.
4. تحييد الضغط النيوليبرالي وتقليص هيمنة السوق: إعادة التوازن بين المعلّم والتلميذ، ووضع آليات تمويل مستقرة بعيدًا عن منطق الربح والخسارة.
ولكن، إذا استمر تهميش المعلّم ماديا ومعنويا، وإذا ظل هذا الجيل الرقمي يتمرد على كل ما يفتقد المعنى، فهل سنظل ننتظر أن تنهار المدرسة في صمت الأقسام قبل أن نتحرك، أم أننا سنجرؤ أخيرًا على إعادة الاعتبار للمهنة وللتلميذ معًا؟
المراجع:
1. Bourdieu, P. (1998). La reproduction : éléments pour une théorie du système d’enseignement. Paris : Les ditions de Minuit.
2. Baudrillard, J. (1995). La transparence du discours moderniste. Paris : Gallimard.
3. Poulantzas, N. (1979). L’tat, le pouvoir et la structure sociale. Londres : Telescope Publishing.
4. Illich, I. (1981). Deschooling Society. New York : Harper & Row.
5. Freire, P. (1980). Pedagogy of the Oppressed. Buenos Aires : Ediciones Siglo XXI.
6. Foucault, M. (1975). Surveiller et punir : Naissance de la prison. Paris : Gallimard.
7. Habermas, J. (2007). Communication and Reform: Critique of Social Theory. Frankfurt : Suhrkamp.
8. Morin, E. (1999). Introduction à la pensée complexe. Paris : Seuil.
9. العياري، محمد. (2021). الأقسام التونسية بين السياسات
والتجربة اليومية. تونس: دار الفكر التربوي.
من الإصلاح إلى الإطلاح: ماذا يحدث للمدرسة التونسية؟ قراءات ميكروسوسيولوجية في انهيار المعنى التربوي
2025-11-05
571 قراءة
مقالات بحوث
سمير سعدولي
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال