بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

المدرسة والمجتمع: من يُربّي من؟قراءة في المشهدية التونسية بين الأرقام و الرموز المفقودة

2025-11-04 548 قراءة مقالات بحوث سمير سعدولي
المدرسة والمجتمع: من يُربّي من؟
قراءة في المشهدية التونسية بين الأرقام و الرموز المفقودة

توطئة:

لم تعد المدرسة التونسية مجرّد مؤسسة تعليمية، بل تحوّلت إلى مرآة عاكسة لتصدّعات المجتمع وأزماته البنيوية. ففي الفكر التربوي الحديث، يُفترض أن تكون المدرسة فضاءً لإعادة إنتاج القيم وتنشئة المواطن. لكن في السياق التونسي الحالي، يبدو أنّ المدرسة والمجتمع يعيش كل منهما أزمة مستقلة، وفي الوقت نفسه مترابطة. المجتمع الذي فقد بوصلته الأخلاقية صار عاجزًا عن دعم مدرسة تربي، فيما المدرسة نفسها عاجزة عن إنتاج معنى تربوي حقيقي. وهكذا يطرح السؤال الجوهري: من يربي من؟ وهل يمكن لمؤسسة تعليمية أن تربي مجتمعًا فقد قيمه بالكامل؟

1. المجتمع الذي فقد دوره التربوي:

كانت الأسرة، الحي، الشارع، والإعلام شركاء المدرسة في التنشئة الاجتماعية. اليوم، انهار هذا التكامل، وأضحى المجتمع التونسي فضاءً متفككًا قيميًا. ضعف الرقابة الأسرية، احتضار السلطة الرمزية للأب، وانتشار ثقافة المصلحة الفردية جعل التربية شأنًا ثانويًا، بينما احتلت وسائل التواصل الاجتماعي موقع المربي البديل، فأعادت تشكيل الضمير الجمعي وفق منطق السوق والفرجة واللّامعيارية (Durkheim, 1897).

هل أصبح الفضاء الرقمي مربيّنا الجديد؟ وهل نسلّم أطفالنا لمراجع بلا قيم ولا حدود؟
النتيجة: جيل يعيش في فراغ قيم، حيث تصبح المدرسة ملاذًا وحيدًا، لكنها تواجه تحديًا هائلًا لإعادة بناء القيم المفقودة.

2. المدرسة في موقع المتهم:

أمام هذا الانهيار الاجتماعي، تُتَّهَم المدرسة بأنها لم تعد قادرة على احتضان المتعلّم أو توجيهه، بل أضحت تنتج العنف واللامبالاة والاغتراب (Bourdieu, 1970). المناهج جامدة، التكوين هشّ، والفضاء التربوي فقير بالمعنى. تتغذّى المدرسة من أزمات المجتمع وتعيد ضخّها في شكل رمزي داخل الفصول، حيث تتجلى اللامعيارية واللامسؤولية والعنف الرمزي بين المعلم والمتعلم.

ما يحدث اليوم ليس فشلًا تقنيًا، بل أزمة في المعنى التربوي ذاته: لماذا نعلّم؟ ولمصلحة من؟ وهل أصبح الفشل التربوي رمزًا وطنيًا يُساق له الأطفال؟

3. بوادر الإصلاح... مضاعفة ضارب التربية المدنية وتقليص زمن الحصة:

في خضم هذه الفوضى القيمية، ظهر مشروع إصلاح تربوي يركّز على مضاعفة ضارب مادة التربية المدنية، وكأن زيادة العلامة ستضاعف الوطنية والانتماء! المفارقة مؤلمة: نبحث عن الإصلاح في المعادلات الحسابية بدل مراجعة فلسفة التربية نفسها.

كما تم التقليص من زمن الحصة الأسبوعية لتلاميذ الابتدائي إلى 40 دقيقة فقط. هذا التخفيض ليس مجرد تعديل إداري، بل ضرب رمزي للانتماء وخضوع لإملاءات خارجية تهدف إلى إضعاف حس المواطنة، وتحويل مادة التربية المدنية إلى مادة بنكية بالمعنى الذي حدّده فريري (Freire, 1972)، حيث يُودع المعلم المعلومات في ذهن التلميذ كما تُودع النقود في المصرف، بلا تجربة حقيقية للقيم والممارسة المدنية.

أيمكن للوطن أن يُصبح مجرد رقم في جدول الضوارب؟ وهل نربي مواطنين بالعلامات فقط وليس بالقيم؟
ولعل السؤال التهكمي الذي يفرض نفسه هو : هل أن مضاعفة ضارب مادة التربية المدنية كفيل بمضاعفة الإنتماء إلى الوطن؟

4. أي تربية نريد؟

إذا كانت المدرسة تربيةً، والمجتمع مرآتها، فإن الخلاص لن يأتي من الداخل وحده، بل من إعادة صياغة العلاقة بين الطرفين على أساس القيم الفعلية لا الشعاراتية. المدرسة لا يمكنها أن تربي في فراغ، والمجتمع لا يمكنه أن ينهض دون مدرسة ناقدة، حرة، تعلّم التفكير لا التكرار (Freire, 1972).

هل نسعى لتربية بشر متفكرين أحرار، أم أرقامًا مطيعة تُقاس بالضوارب؟
المطلوب: مدرسة تزرع المعنى قبل المعلومة، ومجتمع يحتضنها لا يهاجمها، ومؤسسات تؤمن بأن المواطنة تُبنى بالفعل لا بالضوارب. التعليم المدني يحتاج إلى ممارسة الحرية والمسؤولية داخل الفصل وخارجه، وليس إلى نصوص محنّطة تزرع الوعي الزائف.

5. البعد السياسي في إصلاح "الضارب":

لا يمكن فصل قرار مضاعفة الضارب عن رغبة الدولة في استعادة هيمنتها الرمزية على المدرسة. بعد أن فقدت المدرسة قدرتها على إنتاج المعنى، تحاول السلطة توظيفها كأداة لإعادة إنتاج الولاء، لا الوعي.

وفقًا لبورديو، المدرسة ساحة للعنف الرمزي، حيث تُمارس السلطة الهيمنة عبر اللغة والمناهج والرموز (Bourdieu, 1970).

هل نربي على الولاء القسري أم على الوعي والمواطنة؟ وهل الضارب يحقق الوطنية أم يسجن الفكر؟
الدرس: الانتماء لا يُقاس بالعلامة، بل بالممارسة والتجربة. المواطنة الحقيقية تولد من فعل مسؤول، لا من جدول رقمي.

6. المعلّم كفاعل مقاوم:

رغم كل ما سبق، لا يمكن اختزال المعلّم في موقع الضحية. فلا يزال يحمل بذور المقاومة الثقافية والمعرفية. المعلم الذي يصرّ على التفكير الحر داخل منظومة بيروقراطية خانقة، هو فاعل اجتماعي مقاوم (Arendt, 1961).

هل نعتبر المعلم صانع معنى أم مجرد موظف يضع النقاط على الحروف؟ وهل سنترك مقاومته تتفتت أم ندعمه ليكون قلب التغيير؟
لكن هذه المقاومة غالبًا ما تبقى فردية، مشتّتة، وغير مدعومة مؤسساتيًا. لذا تحتاج المدرسة التونسية إلى مشروع تربوي يعيد الاعتبار لدور المعلم كصانع المعنى لا موظف إداري. بعض المبادرات البسيطة في الصفوف، مثل النقاشات المفتوحة أو مشاريع المسؤولية الجماعية، تثبت أن التغيير ممكن، إذا ما تم دعم المعلمين فعليًا.

خاتمة:

المدرسة والمجتمع وجهان لأزمة واحدة: أزمة معنى.
فمن يربي من في تونس اليوم؟

هل نواصل فعليًا تعليم جيل كامل كيف يكون مواطنًا بلا وطن، وكيف يُحسب الانتماء بالأرقام لا بالوفاء؟ أم سنقرّر أخيرًا أن التربية ليست لعبة أرقام، وأن التعليم الحقيقي يبدأ بالممارسة والمساءلة والمسؤولية؟

في غياب مشروع تربوي جذري، تبقى المدرسة مسرحًا للرموز المفقودة، والمجتمع تابعًا لعنفها الرمزي، والتلاميذ مجرد أرقام في جدول الضوارب.

المراجع:

1. Arendt, H. (1961). Entre le passé et le futur : Huit exercices de pensée politique. Paris : Gallimard.

2. Baudrillard, J. (1981). Simulacres et Simulation. Paris : Galilée.

3. Bourdieu, P., & Passeron, J.-C. (1970). La Reproduction : léments pour une théorie du système d’enseignement. Paris : Les ditions de Minuit.

4. Durkheim, . (1922). ducation et sociologie. Paris : Félix Alcan.

5. Freire, P. (1974). Pédagogie des opprimés. Paris : François Maspero.

6. Giroux, H. A. (2013). La pédagogie critique. Paris : ditions cosociété.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال