المدرسة التونسية خارج الإحداثيات — قراءة سوسيولوجية تربوية مقارنة بالمدرسة اليابانية
مقدمة:
تبدو المدرسة التونسية اليوم كأنها خرجت من مدارها الحضاري وفقدت بوصلتها التربوية.
فهي تتحرك بلا إحداثيات واضحة، تراوح بين خطاب الإصلاح وممارسة العجز، بين التنظير البيداغوجي والانهيار القيمي، بين مشروع الدولة وغياب المشروع المجتمعي.
ولئن كانت المدرسة يومًا ما رمزًا للنهضة الوطنية، فإنها اليوم تبدو فضاءً ضائعًا بين الذاكرة والطموح، بين ما كان يجب أن تكونه وما صارت عليه.
وإذا حاولنا وضعها على خريطة التعليم العالمي، فإننا نكتشف سريعًا أنها تقع خارجها تمامًا — فبينما تتقدّم مدارس اليابان بخطى ثابتة نحو المستقبل، ما تزال المدرسة التونسية تتعثر في دوائر الارتجال والتقليد الأعمى.
1. الإحداثي البنيوي: البنية التي تبتلع الفعل
تقوم المدرسة التونسية على بنية مثقلة بالمركزية والجمود، حيث يُصاغ القرار التربوي في المكاتب العليا، بينما الميدان يعيش تحت وطأة الأوامر.
المعلم ليس فاعلًا تربويًا بل منفّذًا إداريًا، والتلميذ ليس متعلمًا بل متلقٍ سلبي.
تتحرك المؤسسة في فراغ تنظيمي يجعلها أشبه بجهاز إداري يُدير اليومي دون أن يفكر في الغد.
في المقابل، المدرسة اليابانية تقوم على بنية معكوسة تمامًا: القرار ينزل من القيم، لا من المكاتب.
هناك، الإدارة في خدمة القسم، والمعلم في قلب المشروع، والتلميذ شريك في البناء لا رقمًا في جدول.
2. الإحداثي القيمي: الانهيار المقنّع بالنجاح
ما نعيشه داخل المدرسة التونسية ليس أزمة نتائج بل أزمة قيم.
تراجع الإحساس بالواجب، انكسرت صورة المربي، وتحوّل الفضاء المدرسي إلى ساحة صراع رمزي بين قيم متنافرة:
الاستهلاك في مواجهة الالتزام، الفردانية في مواجهة التضامن، والعنف في مواجهة الحوار.
يقول الجابري: “الأزمة الأخلاقية في المجتمعات العربية هي انعكاس لأزمة في التربية ذاتها” (Al-Jabiri, 2001).
وفي ظل هذا الانهيار، تشكّل جيل جديد مشوّش القيم، يخلط بين النجاح والنجاة، وبين الحرية والفوضى.
في المقابل، المدرسة اليابانية تصنع جيلًا متوازنًا قيميًا؛ النجاح فيها مرتبط بالمسؤولية، لا بالدرجات.
3. الإحداثي البيداغوجي: البيداغوجيا المعلقة في الفراغ
تعيش المدرسة التونسية انفصامًا بين الخطاب والممارسة.
تتباهى في الوثائق ببيداغوجيا الكفايات والمشروع والفارقية، لكنها تطبقها في أقسام مكتظة ومناخات منهكة.
تتحدث عن المتعلم كمحور للعملية، بينما تحاصره بالامتحانات، وتطالب المربي بالإبداع دون أن تمنحه لا التكوين ولا الوسائل.
يقول إدغار موران إن “الفكر التربوي لا يُصلح بالقرارات بل بإعادة بناء العلاقة بين الإنسان والمعرفة” (Morin, 1999).
وفي اليابان، هذه العلاقة حية: كل درس امتداد للحياة اليومية، كل تجربة تربوية مغزولة في نسيج المجتمع.
التربية هناك ليست تقنية بل ثقافة، ليست واجبًا بل أسلوب حياة.
أما هنا، فالبيداغوجيا صارت شعارًا من ورق في مدرسة فقدت روحها.
4. الإحداثي التربوي: التعليم بلا تربية
التربية في المدرسة التونسية لم تعد فعلًا قيميًا بل تحوّلت إلى روتين إداري يكتفي بالتلقين والانضباط الشكلي.
اختُزلت الرسالة التربوية في المذكرات والتعليمات، وغاب المعنى الإنساني الذي يجعل من المربي قدوة لا مؤديًّا.
يتخرّج التلميذ مثقلًا بالمعارف وجائعًا إلى القيم، حاملًا شهادته كوثيقة عبور لا كدليل نضج.
الواقع أكثر قتامة: الجيل الحالي يظهر تمردًا على القيم، وغياب احترام كل مكونات المشهدية التربوية؛
يسود الفساد، تتفشّى التفاهة، والعنف حاضر يوميًا في الأقسام، فتختلط السلطة باللامبالاة، والتلقين بالتمرد.
يقول ميشال فوكو إن “المؤسسات التي لا تُنتج الوعي تُعيد إنتاج الطاعة” (Foucault, 1975).
وهكذا صارت المدرسة التونسية تُنتج جيلًا مطيعًا للسلطة، متمردًا على القيم، ضائعًا بين الامتثال واللامبالاة، ومنهكًا بفوضى داخلية.
في اليابان، التربية هي الأصل، والتعليم مجرّد أداة؛ يتعلّم الطفل كيف يكون، قبل أن يتعلّم ماذا يكون، ضمن بيئة تحترم كل مكونات المشهد التربوي، وتغرس قيم الانضباط والمسؤولية والتعاون.
5. الإحداثي السوسيولوجي والسياسي: المدرسة مرآة التناقضات
المدرسة التونسية ليست خارج المجتمع بل مرآة هشاشته.
وفق بورديو، المدرسة تُعيد إنتاج الفوارق الطبقية عبر “العنف الرمزي” (Bourdieu & Passeron, 1970)،
وهو ما يتجلّى بوضوح في تونس: مدارس خاصة كرموز للوجاهة، ومدارس عمومية كفضاءات للتهميش.
لم يعد التعليم مشروعًا للتحرّر، بل وسيلة لإعادة ترتيب الطبقات.
يُضاف إلى ذلك ثقل النيوليبرالية التي جعلت من التربية سوقًا ومؤشرات وأرقامًا.
في اليابان، المدرسة لا تخضع لمنطق السوق، بل للمنطق المجتمعي المشترك؛
هي مشروع وطني مستمر لا يتبدّل بتغيّر الوزراء.
6. الإحداثي التبعي: من استيراد البيداغوجيا إلى فقدان الهوية
المدرسة التونسية تعيش منذ عقود تحت وطأة التبعية الفكرية والتربوية.
تستورد المفاهيم والمناهج من الخارج، وتستعمل المصطلحات كما هي دون إعادة صياغة أو تأصيل.
نستعير “المقاربة بالكفايات”، “البيداغوجيا الفارقية”، و“التعلّم الذاتي” من التجارب الغربية دون أن نمتلك الشروط الثقافية أو المؤسسية لتطبيقها.
تحوّلت البيداغوجيا إلى “لغة أجنبية” داخل الفضاء التربوي المحلي، وصار المربي يرددها أكثر مما يفهمها.
يقول بورديو إن “التقليد دون نقد لا ينتج معرفة بل يُعيد إنتاج الخضوع” (Bourdieu, 1984).
وفي هذا الخضوع، تاهت المدرسة عن ذاتها، وفقدت خصوصيتها التربوية والهوياتية.
في المقابل، اليابان لم تستورد التجارب الغربية كما هي؛ بل أعادت صهرها في ثقافتها الجماعية، فجعلت من الحداثة أداة للتجذّر لا وسيلة للتبعية.
أما في تونس، فكل إصلاح هو استيراد جديد، وكل تحديث هو اغتراب أعمق.
7. الإحداثي الثقافي: من تكلّس الهوية إلى غياب المشروع الرمزي
الثقافة في المدرسة التونسية لم تعد أداة للتحرر، بل أصبحت عبئًا من الموروث غير المفكَّر فيه.
المدرسة لا تُنتج ثقافة نقدية بل تُعيد تدوير خطابات جاهزة،
تحوّل الأدب إلى محفوظات، والتاريخ إلى مواعظ، والفكر إلى ترف لا جدوى منه.
يقول إدغار موران: “الثقافة التي لا تُعلِّم التفكير تُغذي الخرافة” (Morin, 2001).
وفي هذا الإطار، فقدت المدرسة التونسية قدرتها على بناء الحسّ الرمزي والمعنى الجماعي،
فلم تعد تُغرس الهوية بل تُلقّنها، ولم تعد تُحرّك الإبداع بل تُجمّده.
بينما اليابان جعلت من المدرسة ورشةً لصناعة الوعي الجماعي؛
الثقافة هناك ليست مادة تُدرَّس بل نَفَس يُمارَس — من احترام المكان إلى تقديس الجهد، ومن الطقوس اليومية إلى الفنون المدرسية.
أما نحن، فحوّلنا الثقافة إلى احتفال مناسباتي بلا عمق، وإلى ذاكرة منزوعة الفعل.
مدرسة بلا مشروع ثقافي هي مدرسة بلا روح، بلا معنى، بلا خيال.
8. الإحداثي المقارن: اليابان كمرآة تُعرّي العجز وتُعيد تعريف الممكن
لا يمكن فهم أزمة المدرسة التونسية في معزل عن المقارنة الحضارية، لأن المدرسة — كما يرى إدغار موران — هي “مرآة الثقافة التي أنجبتها” (Morin, 1999).
وحين نضع المدرسة التونسية مقابل المدرسة اليابانية، لا نضع تجربتين تربويتين فحسب، بل نضع نموذجين للحياة:
نموذجًا يعلّم التفكير من داخل الجماعة، وآخر يُلقّن الحفظ من خارج المعنى.
في اليابان، الفكر التربوي نابع من الفلسفة الجماعية للانتماء والمسؤولية.
التربية ليست خدمة تقدمها الدولة، بل عقد اجتماعي يتقاسمه الجميع: الأسرة، المعلم، التلميذ، والمجتمع.
المعنى هناك متجذّر في الوعي الجمعي بأن المدرسة مصنع الإنسان.
لا تُدرّس القيم كمادة نظرية، بل تُمارس يوميًا: في تنظيف القسم، في احترام الزمن، في العمل الجماعي، في تقديس الجهد.
الانضباط ليس أداة للرقابة بل طريق نحو الحرية، لأن الحرية عند اليابانيين لا تُمنح بل تُكتسب عبر المسؤولية.
في المقابل، المدرسة التونسية تعيش انقسامًا بين الخطاب والممارسة، بين ما تُعلّمه وما تُجسّده.
تُدرّس النظام داخل الفوضى، وتُطالب بالإبداع وسط الخضوع، وتُكرّس قيم النجاح الفردي في فضاء يفترض أن يكون جماعيًا.
التلميذ التونسي يتربى على الطاعة أكثر من التفكير، وعلى الحيلة أكثر من البحث، في حين يتعلّم التلميذ الياباني منذ الطفولة أن الفشل ليس عيبًا بل مرحلة من التعلم.
المدرسة اليابانية تنتج مواطنًا فاعلًا؛ بينما المدرسة التونسية تنتج فردًا متعبًا، مثقلًا بالامتحانات وباللامعنى.
من جهة أخرى، الفلسفة التربوية اليابانية ترتكز على مفهوم “الكايزن” (Kaizen) أي التحسين المستمر.
كل خطأ هو فرصة للتطور، وكل إصلاح هو سيرورة لا قرار.
أما في تونس، فالإصلاح التربوي يُعلن من الأعلى ببيانات وندوات، ثم يموت في المكاتب قبل أن يلمس الفصول.
الإصلاح عند اليابانيين ثقافة عمل؛ وعندنا لغة سلطة.
يُضاف إلى ذلك أن المدرسة في اليابان مُندمجة في النسيج المجتمعي والثقافي.
الأنشطة المدرسية امتداد لحياة الشارع والأسرة.
المعلم هناك هو رمز اجتماعي، والتلميذ مرآة الجماعة.
أما في تونس، فقد انفصلت المدرسة عن محيطها؛
أصبحت فضاءً مغلقًا يُعيد إنتاج القطيعة بين الدولة والمجتمع.
انفصال المدرسة عن الحيّ والعائلة جعلها كيانًا بلا جذور،
بينما في اليابان، المدرسة هي الحيّ نفسه، والحيّ هو المدرسة.
على مستوى المعرفة، اليابان تمارس العلم بوصفه تجربة إنسانية، لا تكديسًا للمعلومات.
تُدرّس الفيزياء من خلال التجربة، والأخلاق من خلال السلوك، والتاريخ من خلال الذاكرة الجماعية.
في تونس، ما زالت المدرسة أسيرة المنهج البنكي الذي وصفه باولو فريري (Freire, 1972):
المعلم يودِع المعرفة في رؤوس التلاميذ كما تُودَع النقود في المصارف.
إنها مدرسة “الذاكرة الميتة”، كما وصفها أحد النقاد التربويين،
مدرسة لا تدرّب على التفكير بل على التكرار.
حتى على المستوى الرمزي، المدرسة اليابانية تصنع هُوية جماعية واضحة؛
زيّ موحّد، طقوس يومية، نشيد صباحي، مشاركة في تنظيف الفضاء —
كل ذلك يغرس في المتعلم وعيًا بأنه جزء من كلّ.
بينما المدرسة التونسية تُكرّس التشتت الرمزي:
زيّ غير موحد، قيم متناقضة، غياب الطقوس التي تصنع الانتماء.
المدرسة هنا ليست بيتًا للهوية بل مسرحًا للاغتراب.
الفارق الجوهري لا يكمن في التمويل ولا في التكنولوجيا،
بل في الفلسفة التي تجعل الإنسان مركز المشروع التربوي.
اليابان تؤمن بأن التعليم استثمار في “الكيان الأخلاقي للأمة”،
أما تونس، فتتعامل معه كعبء إداري أو مؤشّر إحصائي.
إن الإحداثي المقارن لا يهدف إلى تمجيد اليابان أو جلد الذات،
بل إلى كشف الفجوة بين من يمتلك رؤية تربوية كونية ومن يعيش في عجز بنيوي عن امتلاك المعنى.
في اليابان، المدرسة تُنتج النظام لأن المجتمع يحمل قيم النظام،
وفي تونس، النظام يُنتج الفوضى لأن القيم غائبة عن الممارسة.
وهنا تتجلّى الحقيقة القاسية:
المدرسة اليابانية بنتُ ثقافةٍ تصنع المستقبل،
أما المدرسة التونسية فهي بنتُ واقعٍ يؤجّل الحلم.
مدرسة بلا إحداثيات: النهاية المفتوحة
حين نحاول رسم “إحداثيات المدرسة التونسية”، لا نجد خطوط الطول ولا العرض، بل متاهة بلا مركز.
بنية تائهة، قيم منهارة، بيداغوجيا عالقة، ثقافة مشلولة، وتبعية فكرية خانقة.
مدرسة تدور حول ذاتها في مدار البيروقراطية، خارج خريطة الفكر التربوي العالمي.
بينما اليابان تصنع المستقبل من الانضباط والمعنى، نصنع نحن الحيرة من الخطاب والتناقض.
فهل ما زالت لدينا بيداغوجيا فعلًا؟
أم أننا نُدرّسها في مدرسة بلا روح، بلا ثقافة، بلا ذاكرة؟
مدرسة فقدت عنوانها في الوعي… وإحداثياتها في العالم؟
المراجع:
1. Bourdieu, P. (1984). Questions de sociologie. Paris: Minuit.
2. Bourdieu, P., & Passeron, J.-C. (1970). La reproduction: léments pour une théorie du système d’enseignement. Paris: ditions de Minuit.
3. Cave, P. (2016). Japanese education in a global age: Sociological reflections and future directions. London: Bloomsbury.
4. Dubet, F. (2002). Le déclin de l’institution. Paris: Seuil.
5. Foucault, M. (1975). Surveiller et punir: Naissance de la prison. Paris: Gallimard.
6. Freire, P. (1972). Pedagogy of the oppressed. New York: Continuum.
7. Meirieu, P. (2014). Pédagogie: Le devoir de résister. Paris: ESF diteur.
8. Morin, E. (1999). La tête bien faite: Repenser la réforme, réformer la pensée. Paris: Seuil.
9. Morin, E. (2001). Les sept savoirs nécessaires à l’éducation du futur. Paris: Seuil.
10. الجابري، محمد عبد الكريم. (2001). العقل الأخلاقي العربي. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية.
11. المسعدي، عبد السلام. (2012). المدرسة التونسية و رهانات المجتمع. تونس: الدار التونسية للنشر.
المدرسة التونسية خارج الإحداثيات — قراءة سوسيولوجية تربوية مقارنة بالمدرسة اليابانية
2025-11-03
635 قراءة
مقالات بحوث
سمير سعدولي
التعليقات والردود
1
المفارقة الكبرى هي أن اليابان حاليا لا تتمتع بالاستقلالية الكاملة و أن قراراتها و خاصة السياسية تدور في في فلق القرار الغربي الأمريكي المنتصر في الحرب العالمية الثانية و التي تتسم بمساندة الظلم العالمي المسلط على الشعوب الضعفية! فلسطين و غزة مثال على ذلك ... تبعية تامة للقرار الأمريكي في مناصرة و تغذية الظلم !!اين التربية السليمة من كل ذلك ؟!! زيادة على ذلك نسمع عن تفشي ظاهرة الانتحار بسبب انسداد الآفاق الروحية في اليابان (يحتاج إلى إثبات) مما يدل على قصور في النموذج التربوي ...
قد يحتاج حكمنا على نظامنا التربوي و النظام التربوي الياباني قدرا من التنسيب . و الله اعلم
قد يحتاج حكمنا على نظامنا التربوي و النظام التربوي الياباني قدرا من التنسيب . و الله اعلم
تعليق على مقال