علوم التربية بين الوسم والوصم: قراءات ممتدة في هشاشة المعرفة التربوية ونسبية البيداغوجيات
تمهيد: الوسم والوصم في علوم التربية
منذ نشأتها، حاولت علوم التربية أن تُوسّم نفسها بصفات علمية، لتثبت شرعيتها بين العلوم الإنسانية: "علم مستقل"، "قادر على إنتاج معرفة موضوعية"، "متخصص في فهم التعلم والتعليم". هذه العملية الذاتية تسمى الوسم (Labelling): تصنيف الذات العلمية لنفسها لتأكيد وجودها وأهميتها.
ومع ذلك، هذا التوسيم يحمل داخليًا وصمًا (Stigmatization): إذ تعترف علوم التربية، ضمنيًا، بأن معرفتها هشة، نسبية، مرتبطة بالزمن والسياق الاجتماعي، ومحدودة في قدرتها على التنبؤ أو التحكم في التعلم البشري. فالوصم هنا ليس من الخارج، بل نتاج الاعتراف الداخلي بالحدود الذاتية للعلم.
بهذه الطريقة، يصبح السؤال المركزي للعلوم التربوية: هل هي حقًا علم بمعناه الموضوعي، أم أنها مجال معرفي يختبئ وراء لغة علمية لتأكيد وجوده ووهم دقته؟
علوم التربية، في سعيها لإثبات شرعيتها وبحثها عن هوية مستقلة بين العلوم الإنسانية، تحاول التمييز بين نفسها والفلسفة التي تتساءل عن معنى الوجود (Descartes, 1641; Kant, 1781)، وعلم النفس الذي يحلل العقل والسلوك. لكنها غالبًا ما تتأرجح بين الادعاء النظري والتطبيق التقني، بين المثل الأعلى والقياس العملي، وتخفي هشاشتها خلف لغة علمية مصطنعة. كل ما يُقدَّم تحت مسمّى "النظرية التربوية" هو عمل بشري مشروط بزمنه وسياقه، يخضع لحدود التجريب واللغة والسلطة.
1. مواجهة علوم التربية: ديكارت – كانط – أينشتاين
قبل أن نغوص في تفاصيل البيداغوجيات، من المفيد وضع علوم التربية أمام محك الفلسفة والمنطق العلمي. فكما يشك الفيلسوف في كل اليقين، ويعيد العقل ترتيب معارفه، يجب علينا نحن أيضًا أن نتساءل: هل النظريات التربوية مطلقة؟ أم أنها مجرد نسخ بشرية محدودة بإطارها الزمني والثقافي؟ هذه المقاربة تجعل من كل ممارسة تربوية اختبارًا حيًّا للمعرفة والسلطة.
أ. ديكارت والشك الذاتي:
"أنا أشك، إذن أنا موجود" (Descartes, 1641). الشك هنا ليس مجرد فكرة فلسفية، بل أداة لإثبات الوجود والمساءلة. أي ممارسة تربوية تصبح قابلة للنقد إذا قبلنا أن وجودنا واعٍ وناقد.
ب. كانط وحدود المعرفة:
كانط يؤكد أن المعرفة دائمًا مشروطة بإطارات عقلية وإدراكية (Kant, 1781). ما نقدمه كـ"حقائق تربوية" ليس مطلقًا، بل مرهون بالسياق الثقافي والاجتماعي والفردي. الشك الكانطي يحرر الفعل التربوي من وهم اليقين، ويعيده إلى فضاء التأمل النقدي والإنسانية الحية.
ج. نسبية أينشتاين:
نسبية أينشتاين تعلمنا أن كل حقيقة مرتبطة بالإطار المرجعي: الزمان، المكان، السرعة، والمراقب (Einstein, 1916). إذا كانت العلوم الفيزيائية تتعرض للنسبيّة، فكيف لا تكون العلوم التربوية كذلك؟ ما يُقدّم كمعيار موضوعي قد يتغير بمجرد تغيير السياق الاجتماعي، أو المدرس، أو المتعلم.
> النتيجة: بوضع العلوم التربوية تحت هذا المرصد الثلاثي، يصبح واضحًا أن كل نظرية وبيداغوجيا قابلة للنقد وإعادة البناء.
2. الوسم الموهوم: لغة العلم أم قناع للسلطة؟
تُخفي لغة علوم التربية هشاشتها خلف زخارف اصطلاحية من قبيل: المخرجات، الكفايات، التقويم البنائي، الأداءات… وهي مصطلحات تبدو علمية لكنها تعمل كأقنعة معرفية. يشير بورديو إلى أن الخطاب التربوي الأكاديمي يمارس "عنفًا رمزيًا" عبر لغته التي تُنتج سلطة أكثر مما تنتج معرفة (Bourdieu, 1997). فالوسم بالعلم هنا ليس سوى تجميل لمحدودية الفهم، وتتحول البيداغوجيا إلى سلطة رمزية تُحدّد من هو المتعلم "الفاعل" ومن هو "السلبي".
3. تحليل البيداغوجيات:
أ. بيداغوجيا الأهداف والكفايات:
الأهداف (Bloom, 1956; Skinner, 1953) تدعي توجيه التعلم نحو نتائج محددة وقابلة للقياس، لكنها وصمت الفعل التربوي بالميكانيكية، وتحرمه من البعد الإنساني والتأويلي.
الكفايات (Paquay et al., 2010) تركز على التوظيف العملي للمعرفة، لكنها تحوّلت إلى أداة معيارية لتقييم الأداء وتصنيف الأفراد وفق منطق السوق والفعالية، بعيدًا عن أفق التكوين الإنساني الشامل.
ب. بيداغوجيا المشروع والتعلم النشط:
المشروع (Dewey, 1938) مدخل تحرّري يُفترض أن يمكّن المتعلم من بناء معارفه عبر التجربة، لكنه غالبًا ما يتحول إلى وثائق بيروقراطية.
التعلم النشط (Freinet, 1964) يرفع شعار المشاركة، لكنه قد يتحول إلى "قفص معرفي" باسم الديمقراطية الصفية، وفق ما يوضّحه فوكو (Foucault, 1975).
ج. بيداغوجيا الخطأ:
اقترح أستولفي (Astolfi, 1997) أن الخطأ جزء من التعلم، لكن التطبيق العملي اختزله في "التمثلات المعرفية الفردية"، فأصبح أداة ترويض للفشل بدلاً من النقد البنّاء.
4. مهارات الحياة: شعار بلا واقع
مهارات الحياة تُقدّم كأدوات تحررية لتعليم التفكير النقدي والعمل الجماعي واتخاذ القرار.
لكن الواقع يظهر التناقض: بينما تُدرَّس قيم مثل "الأمانة" و"الاحترام"، يعيش التلميذ واقعًا يعج بالفساد والغش والمحسوبية. تتحول المهارات إلى فلكلور تربوي لتجميل بيداغوجيات جامدة ومنفصلة عن الواقع الاجتماعي المأزوم.
5. نسبية النظريات التربوية:
كل ما تقدمه علوم التربية من نظريات وبيداغوجيات نسبي، لا مطلق. ما يبدو علميًا في كتاب قد ينهار أمام الواقع، وما يُسوَّق كبيداغوجيا حرّة قد يخفي أدوات ضبط رمزية. النسبيّة هنا ليست فشلًا، بل دعوة للتفكير النقدي المستمر: كل ممارسة تعليمية قابلة للمساءلة وإعادة البناء (Morin, 1994).
أمثلة واقعية:
تلميذ يصنفه المعلم كسهل التأثر، لكنه يمتلك قدرات إبداعية مهملة في المنهجية التقليدية.
مشروع جماعي يهدف لتعزيز التعاون، لكنه يتحول إلى سباق للدرجات، مما يرسخ المنافسة بدلاً من التعلم.
مهارات الحياة تُدرّس كنظرية، بينما الفساد واللامعيارية في المجتمع يجعل التطبيق شبه مستحيل.
خاتمة فلسفية:
بين الوسم والوصم تتأرجح علوم التربية، تزيّن نفسها بلغة العلم وتختبئ خلف مصطلحات فخمة، لكنها في العمق تبقى هشّة أمام تجربة الإنسان الواقعية. كل بيداغوجيا، مهما ادّعت التحرر والمشاركة، تقع تحت رحمة نسبيّة المعرفة، وتتحكم بها سلطة اجتماعية وثقافية محددة. ما ندرّسه ونطبقه ليس حقيقة مطلقة، بل انعكاس لموقعنا الزمني والثقافي، ولإطارنا العقلي والمعرفي، كما أشار ديكارت وكانط، وحتى نسبيّة أينشتاين في العلوم الطبيعية تعلمنا أن كل إطار معرفي محدود وأن الحقائق نفسها نسبية.
التربية، بهذا المعنى، ليست مجرد نقل معرفة أو تحقيق نتائج، بل هي فعل إعادة تفكير مستمر، مواجهة للوسم والوصم، نقد للمعايير، وإقرار بأن كل ممارسة قابلة لإعادة التشكيل والتأويل. مهارات الحياة، المشاريع، الكفايات، وحتى مفهوم الخطأ، كل هذه الأدوات تتداعى أمام الواقع الاجتماعي الذي يحيط بالتلميذ: فساد، غش، عنف، تهميش، تناقضات، تجعل من تطبيق أي نموذج تربوي أمراً صعباً ومليئاً بالتناقض.
ومع ذلك، لا يعني هذا الفشل، بل هو دعوة دائمة للحذر والنقد، للاشتباك مع التعلم بوعي، للإبقاء على فضيلة الشك كمنهج، ولرؤية التربية كمساحة حرّة للتأمل النقدي، حيث لا نطمئن إلى يقين، ولا نغلق باب السؤال، لأن التربية الحقيقية ليست في الجداول والمعايير، بل في قدرة الإنسان على أن يشك، أن يعيد التفكير، وأن يواجه حدود معرفته باستمرار.
فإذا كان كل ما نقدمه من نظريات وبيداغوجيات نسبي، وكل ما ندرّسه مجرد انعكاس لإطارنا الثقافي والزمني، فهل يمكننا أن نؤمن بحقيقة تربوية مطلقة؟ أم أن كل يقين تربوي ليس إلا وهمًا نسبيًا، يبقى سؤالنا الحي: إذا كانت التربية نفسها مشروطة بالمعرفة النسبية، فكيف نعرف أننا نعلم حقًا؟
المراجع:
1. Astolfi, J.-P. (1997). L’erreur, source d’apprentissage. Paris: ESF.
2. Bloom, B. S. (1956). Taxonomy of Educational Objectives: The Classification of Educational Goals. New York: Longmans, Green.
3. Bourdieu, P. (1997). La domination masculine. Paris: Seuil.
4. Dewey, J. (1938). Experience and Education. New York: Macmillan.
5. Einstein, A. (1916). Relativity: The Special and General Theory. New York: Henry Holt and Company.
6. Foucault, M. (1975). Surveiller et punir: Naissance de la prison. Paris: Gallimard.
7. Freinet, C. (1964). Méthodes de travail et pédagogie de l'enfant. Paris: ditions C. Freinet.
8. Kant, I. (1781). Critique de la raison pure. Paris: Vrin.
9. Morin, E. (1994). La méthode: La nature de la nature. Paris: Seuil.
10. Paquay, L., de Ketele, J.-M., & Jongmans, M. (2010). L'évaluation des compétences. Bruxelles: De Boeck.
11. Skinner, B. F. (1953). Science and Human Behavior. New York: Macmillan.
12. Descartes, R. (1641). Méditations métaphysiques. Paris: Vrin.
علوم التربية بين الوسم والوصم: قراءات ممتدة في هشاشة المعرفة التربوية ونسبية البيداغوجيات
2025-11-03
552 قراءة
مقالات بحوث
سمير سعدولي
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال