بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

ما بعد علوم التربية: من لاهوت التأسيس إلى فلسفة المعنى علوم التربية اليوم في مواجهة مؤسسيها.

2025-11-03 598 قراءة مقالات بحوث سمير سعدولي
1
ما بعد علوم التربية: من لاهوت التأسيس إلى فلسفة المعنى
علوم التربية اليوم في مواجهة مؤسسيها.

مقدّمة نقدية للنشر:

يشكّل هذا المقال قراءة نقدية ممتدة في الحقل التربوي الحديث، تُسائل جذور علوم التربية ومآلاتها الراهنة.
فهو لا يقف عند استحضار المؤسسين الكلاسيكيين مثل دوركايم وديوي وبياجيه وفيغوتسكي، بل يتجاوزهم إلى مساءلة بنيتهم المعرفية ذاتها، في ضوء تحولات ما بعد الحداثة وما بعد الإنسان.
يقدّم النص مقاربة تجمع بين العمق الفلسفي والدقة السوسيولوجية، ليعلن بجرأة أن علوم التربية قد بلغت سنّ الشيخوخة حين كفّت عن مساءلة ذاتها، وأن تجديدها لا يكون بإصلاح البرامج بل بإحياء الفكر النقدي الذي أنجبها.
إنه بيان في التربية، بل بيان في استعادة المعنى داخل عالمٍ تربويٍّ فقد بوصلة الحرية.

عتبة: حين يشيخ العلم ويستعيد ذاته

كل علمٍ، حين يبلغ ذروة نضجه، يبدأ بمساءلة ذاته.
وها هي علوم التربية — وقد شبّت عن الطوق — تجد نفسها أمام مرآة تُظهر شيخوختها.
فهل يمكن لعلمٍ وُلد ليحرّر الإنسان أن يتحوّل إلى أداة لإخضاعه؟
وهل يمكن لمجالٍ بُني على الحلم بالتحرّر أن يغدو اليوم جهازًا لإنتاج الامتثال والانضباط؟

تمهيد: حين يتمرّد الابن على الأب

لم يعد السؤال اليوم: ما هي علوم التربية؟
بل: هل ما زالت علوم التربية كما صاغها مؤسسوها وفية للمشهدية التربوية؟

لقد وصلت المعرفة التربوية إلى لحظة مواجهة مع نفسها، مع جذورها، مع مؤسسيها الذين تحوّلوا من مفكرين إلى أصنام رمزية تعيش في المقررات والندوات (حنفي، 1998؛ بوعزة، 2015).
هذا التمرّد ليس عدوانًا على التاريخ، بل ثورة معرفية داخل الحقل التربوي نفسه؛ ثورة تستعيد المعنى الضائع بين الشرح والنسخ، بين النظرية التي صارت ديانة، والممارسة التي تحوّلت إلى عبادة طقوس بلا روح.

منذ “إميل دوركايم” (Durkheim, 1922) و“جون ديوي” (Dewey, 1938) و“جان بياجيه” (Piaget, 1970) و“ليف فيغوتسكي” (Vygotsky, 1978)، كانت علوم التربية تبحث عن كيانها العلمي المستقل.
لكنها — في مفارقة ساخرة — وجدت نفسها اليوم مستعمَرة بمفاهيمها الأولى، أسيرة تصورات وُلدت في القرن التاسع عشر ولا تزال تهيمن على القرن الحادي والعشرين.

القسم الأول: من التأسيس إلى التأليه

لقد بدأت القصة بالنبل وانتهت بالتراجيديا.
فـ“دوركايم” أراد أن يجعل المدرسة معملًا لتشكيل المواطن الاجتماعي، لكنّ مدرسته الحديثة صارت آلة لإعادة إنتاج التفاوت الطبقي (Bourdieu & Passeron, 1970).
و“ديوي” دعا إلى التعلم من الخبرة، لكنّ التجربة اليوم صارت رقمًا في تطبيق إلكتروني يخلو من أي أثر وجودي (Illich, 1971).
أما “بياجيه”، الذي أراد فهم نمو العقل، فقد قُطّعت نظرياته إلى جداول زمنية تُدرّس في كتب باردة، و“فيغوتسكي” الذي رأى في التفاعل الاجتماعي نواة للتعلم، تعرّضت أفكاره للاختزال في “تعاون افتراضي” بين شاشات لا وجوه لها.

لقد تحوّل المؤسسون إلى أوثان معرفية: تُستدعى أسماؤهم لتبرير فشل السياسات التعليمية، لا لتحرير الفكر من رتابته.
بل أكثر من ذلك، تحوّلت الجامعة — التي وُلدت لتكون فضاءً للحوار — إلى معبدٍ لحراسة المفاهيم.
يُدرّس الأستاذ نظريات المؤسسين كأنها نصوص مقدّسة، ويُمنع الطالب من الشكّ فيها.
وهكذا غاب السؤال الذي هو جوهر التربية، وحضر الامتثال الذي هو نقيضها (Biesta, 2013).

إننا أمام “لاهوت تربوي” جديد، حيث النظرية مقدسة والممارسة مدنّسة، وحيث “المدرّس” يُحاسَب إذا فكّر، ويُكافأ إذا حفظ.

القسم الثاني: علوم التربية كعلم بلا تربية

تبدو علوم التربية اليوم في حالة انفصام ميتافيزيقي:
تتحدث عن الإنسان، لكنها نسيت الإنسان.
تغني بالحرية، وهي أسيرة النماذج الكلاسيكية.
تطالب بالإبداع، وهي تشتغل بالنسخ والتكرار (عبد الله، 2020؛ عويس، 2022).
إنها أشبه بمرآة تعكس ملامحها القديمة دون أن ترى تجاعيد الزمن.

من رحم هذه الأزمة، خرجت “التربية الرقمية”، و“الكفايات”، و“المقاربات النشطة”، كعناوين براقة تُخفي فراغًا مفاهيميًا.
فبدل أن تكون التربية أفقًا للمعنى، أصبحت “تقنية للتصرف في السلوك”؛ وبدل أن تكون تحرّرًا للعقل، غدت صناعة للانضباط (Foucault, 1975).

اليوم، مع صعود الذكاء الاصطناعي، أصبحت التربية تُختزل في خوارزميات تقييم وتعلّم آلي.
لم تعد “الذات” مركز الفعل التربوي، بل “البيانات”.
إننا أمام انتقال خطير: من الإنسان كقيمة، إلى الإنسان كـ«معلومة قابلة للقياس».

إن علوم التربية، حين فقدت اتصالها بالفكر الفلسفي والسوسيولوجي، تحولت إلى آلة إدارية لتبرير السياسات التعليمية، وإلى جهاز بيروقراطي ينتج الخطابات لا المعاني.
فلم تعد تسأل: لماذا نعلّم؟ بل كيف نُنفّذ؟
ولم تعد تبحث عن الإنسان، بل عن “المتعلّم النموذجي” الذي يُطيع النظام ويستهلك المعرفة دون أن يهضمها.

القسم الثالث: من التأسيس إلى التفكيك

القراءة الممتدة لا تكتفي بالاحتفاء بالمؤسسين، بل تُدخلهم إلى محكمة التاريخ.
نقرأ “دوركايم” فنجد في علمه الاجتماعي بذورًا للضبط أكثر من التحرر،
ونقرأ “ديوي” فنكتشف أن “الخبرة” تحولت إلى أداة لتطويع الفرد داخل النظام الديمقراطي الرأسمالي،
ونقرأ “بياجيه” فنرى أن “النضج العقلي” أصبح مقياسًا للتمييز لا للفهم،
أما “فيغوتسكي”، فتم تدجينه ليصبح مجرّد شعار عن “التعاون” في زمن الفردانية الرقمية.

تلك المفاهيم التي وُلدت في زمن التنوير الغربي، لم تعد تصلح لزمن “ما بعد الإنسان” (post-humanisme).
لقد تغيّر المتعلم: صار هجينًا بين الواقعي والافتراضي، بين الذكاء الطبيعي والذكاء الاصطناعي.
وإذا كان عصر “ما بعد الإنسان” قد بدأ، فإننا نعيش أيضًا زمن “ما بعد المعلّم”، حيث تحاول المنصّات أن تحلّ محلّ الضمير التربوي، وتُحوّل الخبرة الإنسانية إلى تعليمٍ آلي بلا وجدان.

هنا تفرض القراءة الممتدة نفسها كفعل تفكيك وإعادة تركيب، كصرخة ضد الجمود، كعودة إلى روح “باولو فريري” الذي دعا إلى تربية تحررية تُعيد للإنسان وعيه بذاته وبالعالم (Freire, 1970).

تجربة المعلّم: في برزخ النظرية والممارسة

المعلّم، اليوم، يقف في المنطقة الرمادية بين النظرية والعراء.
هو كائن مفكّك الهوية، يحمل في رأسه نظريات بياجيه وفي قلبه خيبة واقعٍ يرفض أن يُقاس بالمراحل.
يعيش بين خطاب رسمي متخم بالمصطلحات ("كفايات"، "مدرسة فاعلة"، "تعلم مدى الحياة")، وواقع مدرسي تائه، تُغلق فيه الأبواب قبل أن تُفتح العقول.

كل درسٍ يقدّمه هو اختبار وجودي: هل التربية ممكنة بعد هذا الانهيار؟ أم أن المعلم لم يعد سوى ظلّ لفكرة أُعدمت باسم الإصلاح؟

المعلّم اليوم ليس موظفًا في جهاز الدولة فقط، بل شاهدٌ على سقوط المعنى.
كل حصة دراسية هي تمرين على البقاء في عالمٍ لم يعد يؤمن بالمعرفة كقيمة.
في كل درس، يقاوم النسيان — لا نسيان المعلومة، بل نسيان الإنسان.

ومن قلب هذا البرزخ الذي يعيش فيه المعلّم، تخرج الحاجة إلى فكر تربوي جديد، لا يستند إلى يقين المؤسسين، بل إلى قلق الإنسان.

خاتمة: من لاهوت التربية إلى فلسفة المعنى وتعقيد المعرفة

لن تعود علوم التربية حيّة إلا إذا كسرت مراياها القديمة.
فالمعرفة التي لا تنتقد نفسها تموت في صمتٍ أنيق.
إن مواجهة المؤسسين ليست جحودًا، بل وفاءٌ عميق لروح النقد التي أنجبتهم.
يجب أن نحرّر علوم التربية من خطابها الأبوي لتصبح تربيةً إنسانيةً حرّة، تُعيد تعريف الإنسان لا كموضوع للتكوين، بل ككائن يسائل ويُعيد خلق العالم.

كما يشير إدغار موران، لا بد من فهم التربية كعملية تعقيدية متشابكة، حيث الإنسان والمعرفة والعالم يتفاعلون باستمرار، بعيدًا عن الطقوس والنسخ الجامدة (Morin, 1999).
التربية إذن ليست مجرد نقل معرفة، بل تمرين على التفكير النقدي، والحيرة، والوعي بالعالم المعقد.

إنها دعوة إلى تربية ما بعد التأسيس، تربية تضع المعنى قبل التقنية، والفكر قبل الإجراء، والإنسان قبل المؤسسة.
فربما كانت التربية — في جوهرها — ليست علماً لتربية الآخر، بل تمرينًا على إعادة تربية الذات، على أن نُربّي فينا القدرة على الحيرة، لأن من يفقد الحيرة يفقد المعنى.

فحين يُصبح النقد فعل تغيير، وحين تُصبح التربية فعل تحرّر، فقط عندها يمكن القول: لقد واجهت علوم التربية مؤسسيها... وانتَصرت.

المراجع:

1. Durkheim, . (1922). ducation et sociologie.

2. Dewey, J. (1938). Experience and Education.

3. Piaget, J. (1970). Psychologie et pédagogie.

4. Vygotsky, L. (1978). Mind in Society.

5. Freire, P. (1970). Pedagogy of the Oppressed.

6. Bourdieu, P. & Passeron, J.C. (1970). La reproduction: léments pour une théorie du système d’enseignement.

7. Foucault, M. (1975). Surveiller et punir: Naissance de la prison.

8. Illich, I. (1971). Deschooling Society.

9. Biesta, G. (2013). The Beautiful Risk of Education.

10. حنفي، حسن (1998). من الفلسفة إلى التربية: نحو تربية نقدية تحرّرية.

11. بوعزة، عبد الكريم (2015). الفكر التربوي الحديث بين النظرية والتطبيق.

12. عبد الله، محمد (2020). سوسيولوجيا المدرسة الحديثة.

13. عويس، أحمد (2022). تفكيك الخطاب التربوي المعاصر.

التعليقات والردود

1
فوزي
2025-11-03
الجامعات محاضن للمعرفة وليس للتفكير
هذا المعنى هو ما كتبت فيه كثيرا، وهو ان المعرفة غير الفكر، وان الجامعات حينما تدرس المعارف وتلزم بتلقيها واستيعابها، فانها تعيق التفكير الحر، وتتحول بالنهاية لادوات اخضاع ذهني تدور حول اصنام عبارة عن مشائخ
لذلك مثلما هناك سلفية دينية، هناك سلفيات معرفية

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال