بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

وادي بياش: الاسم الذي نجا من ذاكرة الطمي

2025-11-01 659 قراءة مختلفات عماد عيساوي
في قلب الجنوب الغربي التونسي، حيث تسكن الرمال ذاكرةً رومانية وبربرية، وحيث يمر الزمن متثاقلًا كقطار فسفاطيّ يغوص في مجاهل قفصة، ينبثق اسم غريب، فريد، منسيّ في هوامش الخرائط: وادي بياش.
اسم لا تفسير له في القواميس، ولا أصل له في الكتب المدرسية، لكنه محفور في ألسنة أهل قفصة كما تُحفر الحروف الطينية على الفخار الزيري.

الاسم الذي قاوم الغرق
"بياش"... هكذا يُنطق، بلا كسر ولا فتح، وكأن من نطق به لأول مرة كان يعاند اللغة ذاتها. كلمة لا تنتمي للضاد، ولا تستقر في معجم اللاتين، لكنها ظلّت تتردّد، كنداءٍ بين الجبال، كلما سالت السيول في الشتاء، وكلما عاد الرعاة من المراعي السفلى.

هل هو اسم قبيلة بربرية قديمة؟ أم صوتٌ بقي من حضارة رومانية سقطت ذات نهار شتويّ؟ أم لعله مجرّد تحريف عامّي لكلمة نطق بها فلاّح قفصيّ يومًا، فحملها الزمن على ظهر وادي؟

وادٍ أم نهرٌ نسي أنه كان؟
في الوثائق الهيدرولوجية، وادي بياش ليس مجرد خيط ماءٍ موسمي، بل هو وريث نهر قديم.
تشير الدراسات الأمريكية حول مجاري المياه في الجنوب التونسي إلى أن وادي سيدي عيش ووادي الكبير يلتقيان قرب قفصة ليشكلا مجرى «بياش»، والذي يفيض موسمًا، ويختفي دهرًا.
وقد وُصف هذا المجرى في تقارير القرن العشرين بأنه "كان نهرًا طويلًا هادئًا يغذي بحيرة تريتون القديمة" — شط الجريد اليوم. نهرٌ انحسر، تقلّص، اختبأ في الذاكرة الجيولوجية، ولم يبقَ منه سوى الاسم: بياش.

في سنوات الجفاف، يبدو وادي بياش مجرد خدش على وجه الأرض. أما في زمن الأمطار، فيتحول إلى لسان غضبٍ يجرف كل شيء في طريقه، كأنه يتذكّر فجأة أنه نهر منسيّ... ويغضب.

الأصل... في ما قبل الدولة
حين نفكك الاسم نحويًا أو لغويًا، لا نجد جذورًا في الفصحى. فـ«بياش» لا تعني شيئًا. لكنها تعني الكثير في علم الرموز.
فربما هو اسم أمازيغيّ أكلته العروبة، أو لفظٌ بربريّ لجغرافيّة اندثرت. وقد يكون مشتقًا من فعل "بَشَّ" في العامية التونسية: أي تفجّر، تشتّت، سكب بغزارة، وهي دلالة قريبة من فعل الماء إذا سال في الأودية.

يقول الفلاحون القُدامى في قصر قفصة إن «بياش» كانت يومًا عينًا تنبع منها المياه. ويؤكّد أحد كبار السنّ في الهمامة أن الاسم جاء من جملةٍ نُطقت زمن الباي: حين جاء الجند لتحصيل الضريبة، ردّ أهل القبيلة بقولهم "باي آش!"، أي سخرية و إنكارا للباي!"، فجاء الاسم من رفضٍ، لا من ماء.

وادٍ كأنه حدود
وادي بياش لم يكن فقط مجرى ماء، بل حدًا سياسيًا واجتماعيًا بين عالمين: بين المدينة والواحة، بين القصارة ووسط قفصة، بين النظام والعفويّة.
في دراسات الأنثروبولوجيين، يظهر الوادي كفاصل رمزيّ بين الأرض المحروثة والأرض المهمّشة، بين من يملك الماء ومن يركض وراءه. في زمن الدولة المركزية، لم يُنظر إلى هذا الوادي إلا كخطرٍ وقت الفيضانات. أما في عيون المزارعين، فقد كان حارس الحقول.

حين يتحدث الطمي
في الجنوب التونسي، لا تتحدث الأرض باللسان. بل بالطمي. الطمي لا ينسى.
ولو حفرت في مجرى وادي بياش، لوجدت طبقات من الذاكرة:

أحجار رومانية مهشّمة

شقف خزف بربريّ

رصاص بنادق عثمانية

وورقة نقدية مهترئة كتب عليها: "بياش، القصر، قفصة"

لماذا نهتمّ؟
ربما يبدو السؤال عن أصل اسم "بياش" سؤالًا جانبيًا في زمن الفوسفاط والسياسة والبطالة.
لكن الحقيقة هي أنّ الأسماء هي الخرائط الأولى للهوية. فحين ننسى من أين جاءت أسماؤنا، نبدأ بفقدان ذاكرتنا.
وادي بياش ليس مجرد مجرى موسمي... بل هو أثر لغوي، مائي، شعبيّ، وجغرافيّ على وجه أرضٍ تتغيّر بسرعة.

وأن تعرف معنى «بياش» اليوم، هو أن تبدأ في استعادة تونس من تحت الطمي.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال