يا سادة، إنّ التاريخ لا يُكتب بالحبر فقط، بل يُكتب بالدم والعرق والقبضات المرفوعة في وجه الظلم. اتحاد الشغل في تونس ليس مجرّد منظمة، بل هو مؤسّسة جمهورية أعمق من كل الدساتير التي دوّختنا، وأقدم من نصف الأحزاب التي تتسكع في أروقة السلطة وتغتسل بدموع المانحين.
لكن السؤال: ماذا تبقّى من "الاتحاد" الذي قاد الإضرابات الكبرى في عهد بورقيبة، وكسّر عصا بن علي في زمن الجمر، ووقف على حدود الدولة في 2013 حين كانت تترنح بين الفوضى والانقلاب؟
أوروبا تصنع بالعمل... ونحن نصرخ
في ألمانيا، النقابات تصنع المعجزات بلا إضرابات. هناك حيث IG Metall تُفاوض بدقة جراح قلب، تُرفع الأجور، تُخَفّض ساعات العمل، وتُمنح العطل المدفوعة دون صراخ أو تهديد بحرق الذات.
في السويد، لا وجود لحد أدنى للأجور، لأن كل عامل يعرف أن اتفاقه الجماعي أرفع من أي قانون. النقابة هناك ليست ذراعًا لابتزاز الدولة، بل عقل يُنتج سياسة اجتماعية تحفظ ماء وجه العامل والدولة معًا.
في كوريا الجنوبية، حيث الدم والعرق والحديد، تحوّلت النقابات من ضحايا الدكتاتورية إلى محرّكات الاقتصاد. في 2025، نجحوا في تمرير قانون يُرغم المقاول الرئيسي على التفاوض مع عامل التنظيف في الطابق السفلي. هناك يُصنع التقدّم عبر القانون، لا عبر بيانات نارية على الفايسبوك.
تونس: الاتحاد الذي خسر كل شيء وكسب الوهم
أما نحن؟ نحن في تونس، حيث الاتحاد بات جمهورية داخل جمهورية، لكنه يفاوض على خُردة المكاسب في زمن التفكك. يُفاوض حكومة بلا ميزانية، في دولة بلا اقتصاد، تحت رئاسة بلا سياسة.
الاتحاد العام التونسي للشغل بات كمن يحمل سيفًا خشبيًا في معركة نووية. يتكلّم عن السيادة، ولا يملك حتى السيطرة على قواعده. يُهدد بالإضراب العام، لكن قطاراته متوقفة أصلاً، ومستشفياته تنهار، ومدارسه تئن. أي إضراب هذا، يا سادة، والشارع أصلاً مضرب عن الحياة؟
نحن أمام بيروقراطية نقابية تُفاوض من أجل العلاوات في وقت تجفّ فيه خزائن الدولة. تُدافع عن أعمار التقاعد في وقت يهاجر فيه شباب البلاد على ألواح الموت. تدّعي الاستقلالية، لكنها تخطب ودّ السلطة والمانحين في آنٍ واحد. لا يُمكن لنقابة أن تُفاوض الدولة وهي تبتزّها في الميدان.
من يقود من؟ وأين السقف؟
في ألمانيا، النقابات تخوض المعركة داخل المؤسسات. في السويد، تُلزم الدولة بالتفاوض على جدول زمني واضح. في كوريا، تُصاغ السياسات بالتشارك. أما في تونس، فيبدو أن الاتحاد يقود معركة بلا هدف، يُطلق النار على الجميع، ثم يتساءل لماذا أصبح معزولًا!
ألم يكن الأجدر بالاتحاد أن يقود إصلاحًا في مجلة الشغل؟ ألم يكن الأجدر به أن يُحوّل نفسه إلى عقل إصلاحي لا إلى ساحة صراخ حزبي؟ لماذا لا يقود اتحاد الشغل مشروعًا وطنيًا اقتصاديًا حقيقيًا بدل التناحر على تعيينات ومعارك هامشية؟
الاتحاد أمام مرآته... لا مرآة خصومه
يا اتحاد الشغل، لقد أنقذتَ الوطن أكثر من مرة. لكنك اليوم تُبطئ سقوطه دون أن تمنعه. آن الأوان أن تنظر في المرآة: هل ما زلتَ حامل همّ العمال، أم صرت جزءًا من آلامهم؟
النقابات في العالم تصنع الأوطان، أما نقابتنا فباتت تسأل الوطن أن يصنع لها مكانًا.
التاريخ لا ينتظر أحدًا. فإمّا أن يعود الاتحاد زعيمًا اجتماعيًا وقائدًا استراتيجيًا، أو يغرق في مستنقع الشعارات... وحينها لن يُنقذ حتى نفسه.
اتحاد الشغل بين النشأة البطولية والانحدار البيروقراطي: لماذا فازت نقابات العالم وخسرت تونس؟
2025-10-31
835 قراءة
مقالات رأي
عماد عيساوي
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال