من هو ماغون؟
هل هو اسم على زجاجة نبيذ تُعرض في رفٍّ مهمل من مغازة شعبية؟
هل هو مجرد ماركة تجارية نستهلكها دون أن نسأل عن أصلها؟
هل اختُزل كل هذا الاسم العريق في سائل أحمر يُسكب في كأس ويُنسى مع أول نشوة؟
تساؤلات ليست بريئة، لأن ما نفعله بأسمائنا يعبّر عمّا نفعله بتاريخنا.
ذاكرة مغشوشة
في تونس، حين يُذكر "ماغون"، لا يتبادر إلى الذهن سوى الخمر.
لا أحد يكاد يعرف أن خلف هذا الاسم، يقف واحد من أعظم العقول الزراعية في التاريخ المتوسطي القديم،
رجلٌ لم يقُد الجيوش، لكنه قاد ثورة فكرية على التراب، بالشجرة، بالبذرة، بالكلمة.
ماغون القرطاجي لم يكن ملكًا ، ولا جنرالًا .. بل كان أعظم من ذلك:
كان فلاحًا يكتب.
قرطاجيّ كتب للتاريخ... فمحته الجغرافيا
في القرن الثالث قبل الميلاد، كتب ماغون 28 مجلدًا عن الفلاحة والزراعة وصناعة النبيذ وتربية النحل وإصلاح الأراضي...
وعندما سقطت قرطاج بيد الرومان ، لم ينجُ شيء من المدينة إلا كتاب ماغون.
أمر مجلس الشيوخ الروماني بترجمته إلى اللاتينية.
وقد أصبح لاحقًا مرجعًا لكل من جاء بعده: فارّو، كاتون، كولوميلا، بلينيوس.
إنها مفارقة:
الرومان أنقذوا فكر ماغون... أما نحن، فأغرقناه في زجاجة نبيذ!
رجل التراب النبيل
ماغون لم يكتب للمخازن ولا للقصور، بل كتب للفلاح الذي يخرج مع الفجر .
كتب لمن يضع يده في الأرض، لا في الدفاتر.
آمن بأن الأرض تعطي لمن يعرف كيف يحبّها ،وأن الزراعة ليست مهنة، بل فلسفة بقاء .
قال في إحدى وصاياه الزراعية:
"ازرع الكرمة حيث تتنفس الريح، ولا تقصّها قبل أن تحدثك الطبيعة عن وقتها."
في جملة كهذه، نسمع صوت الشاعر والفيلسوف والفلاح... معًا.
نبيذ على حساب الذاكرة
اليوم، يُباع اسمه على قارورة نبيذ.
يتداول الناس اسمه دون أن يعرفوا شيئًا عنه.
وكأننا نفضّل الاحتفاء بالسطح على حساب العمق، وبالزجاجة على صاحب العقل الذي ألهمها.
ماغون ليس "ماركة".
إنه علامة حضارية، ضاعت بين أيدينا ونحن منشغلون بالمُنتج، لا بالمنتِج.
أمّة تنسى فلاحها الأول، لا تستحق أرضها.
دعوة إلى الاعتراف
لقد آن الأوان لإعادة ماغون إلى الواجهة:
لا كشعار، بل كفكر.
لا كمادة تسويق، بل كرمز حضاري.
لمَ لا نُنشئ معهدًا زراعيًا باسمه؟
لمَ لا يكون له تمثال من طين قرطاج في وسط العاصمة؟
لمَ لا يُدرَّس في مناهجنا كمعلّم من معلمي الحضارة المتوسطية؟
لسنا بحاجة إلى نبيذ جديد، بل إلى وعي جديد.
ختاما
كان ماغون يرى في الزراعة علمًا وفنًّا وطريقًا نحو السلام الداخلي.
واليوم، في زمن التصحر البيئي والذهني، نحن بحاجة إلى صوته أكثر من أي وقت مضى.
فلنُخرجه من الزجاجة، ونُعيده إلى حقله.
فربما حينها نعيد اكتشاف الأرض،
ونفهم لماذا سُميت قرطاج أمّ البحر وأبنة التراب.
ماغون... حين يُنسى الفلاح وتُحفظ الزجاجة
2025-10-30
697 قراءة
مختلفات
عماد عيساوي
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال