إنّ مجلس الأمن في وضعه الحالي يمثّّل مجلسا تسيطر عليه وعلى قراراته بصفة كلّية خمس دول هي الدول دائمة العضوية التي انتصرت في الحرب العالمية الثانية والمتمتّعة بحقّ النقض. وهذه الدول المسيطرة على المجلس تستخدمه فيما يخدم مصالحها حسب وجهة نظرها. وقرارات المجلس تصدر بالأغلبية دون أن يُشترط فيها موافقتها للقانون الدولي العام أو أحد فروعه كالقانون الدولي الإنساني. وقد عرف مجلس الأمن فشلا ذريعا في تحقيق الأمن في العالم وغالب قراراته منحازة ولا تطبّق.
إن ميثاق الأمم المتحدة قد خصّ مجلس الأمن بامتيازات كبيرة تجعل من الدول دائمة العضوية فيه دولا مسيطرة بشكل كبير على هيئة الأمم المتحدة وقراراتها.
إنّ مجلس الأمن الذي تتمثّل مهمّته الأساسيّة في حل المنازعات وكلّ ما يهدّد السلم والإخلال به يقوم بوظيفة هي في الأصل من اختصاص القضاء الذي هو المؤهل للفصل في المنازعات باختلاف أنواعها بما فيها المنازعات التي تهدد السلم، وهو المرجع المتفق عليه عالميا في ذلك. وحفظ السلم يعني تطبيق قانون لحفظ السلم، وفصل المنازعات المتعلقة بذلك القانون هو من اختصاص القضاء.
ولتصحيح الأمور فإن مجلس الأمن في شكله الحالي يجب أن تصبح مهامه من اختصاص محكمة دوليّة لقضايا الأمن يمكن أن تكون دائرة مختصّة من محكمة العدل الدوليّة أو تكون محكمة مستقلة تماما عن محكمة العدل الدولية.
إنّ التغيير المقترح في مجلس الأمن يمكن أن يعرف ثلاثة احتمالات متوقّعة في تطبيقه.
الاحتمال الأوّل: أن تقتنع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة بما فيها الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن بضرورة هذا التغيير بفضل تدخّل المجتمع المدني وقادة الفكر في العالم.
الاحتمال الثاني: إذا لم تقبل الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن بالتغيير أو لم يحدث انشقاق بينها فعلى بقية الدول الأعضاء في الأمم المتحدة أن تعلن انسحابها وعدم اعترافها بمجلس الأمن وقراراته وأن تسعى لتعويضه بمحكمة دولية لقضايا الأمن.
الاحتمال الثالث: إذا لم يتوصل المجتمع الدولي إلى تعويض مجلس الأمن بمحكمة دولية لقضايا الأمن فإن أقلّ ما يجب قبوله في هذا النطاق من طرف الدول الأعضاء في الأمم المتحدة هو إيجاد آلية لمراقبة قانونية القرارات التي يتخذها مجلس الأمن من حيث الشكل والمضمون، والتأكد من اتفاقها مع مبادئ الميثاق ومع اختصاصات المجلس نفسه، وكذلك التأكد من أنّها متوافقة مع إرادة ورغبة ورؤية الجمعية العامة، خاصة تلك القرارات المتعلقة باستخدام العقوبات أو القوة المسلحة. ومن ناحية أخرى فكما توجد آلية لتنفيذ قرارات المجلس الصادرة في إطار الفصل السابع، فإن الأجدى أن تكون هناك آلية لتنفيذ قرارات المجلس الأخرى من واقع أنّ جميع قرارات المجلس ملزمة للأعضاء وعلى قدم المساواة.
المحكمة الدولية لقضايا الأمن
يتضمّن مقترح إصلاح مجلس الأمن أن تعوّضه محكمة دوليّة تختصّ بقضايا الأمن، يمكن أن تكون مستقلة تماما عن محكمة العدل الدولية أو أن تكون دائرة مختصّة من محكمة العدل الدولية على مقتضى الفصلين 26 و 29 من النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية، ويلتزم بأحكامها كافة أعضاء الأمم المتحدة. ويتطلب ذلك عدة تحويرات في ميثاق الأمم المتحدة وفي النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية.
وفي كلتا الحالتين فمن المقترح أن تكون هذه المحكمة الدولية لقضايا الأمن كما يلي ذكره في النقاط الخمس التالية:
أولا: أن يكون عدد قضاتها خمسة عشر قاضيا يعيّّـنون كما يعيّن أعضاء محكمة العدل الدولية.
ثانيا: أن تتكوّن من جهازين جهاز أوّل قضائي يتولى إصدار القرارات والأحكام ويكون له مقرّ واحد محدد، وجهاز ثان إداري تستعين به المحكمة في أداء مهامها وفي حل المنازعات المهددة للأمن الدولي سلميا عن طريق المفاوضة والتحقيق والوساطة والتوفيق والتحكيم سواء قبل التسوية القضائية أوبعدها ويسمى: «جهاز المحققين المفاوضين» وتكون له أربعة مقرات أو أكثر موزعة جغرافيا بما يتناسب مع خارطة دول العالم والقرب من المناطق الأكثر توترا. ويتكوّن هذا الجهاز من أشخاص ذوي الصفات الخُلقية العالية والمؤهلات المطلوبة في القانون وعلوم التواصل والتفاوض والتحقيق مع الخبرة الكافية ويعيّـنون بنفس طريقة تعيين قضاة المحكمة.
ثالثا: أن يكون للمحكمة نظام أساسي خاص بها ينصّ على وجوب انعقادها عند وجود أي تهديد للسلم الدولي سواء طُلب منها ذلك من طرف عضو في الأمم المتحدة أو لم يُطلب، كما يجب عليها الإذن لجهاز المحققين المفاوضين بمعاينة الأوضاع ومدّها بالتقارير الميدانية، كما تكون المحكمة ملزمة في المنازعات الدولية المزمنة أو طويلة الأمد والمهددة للأمن الدولي بتعيين فريق من المحققين المفاوضين بصفة قارة لمتابعة النزاع والقيام بالمفاوضات اللازمة إلى حلّه سلميّا.
رابعا: أن يوضع قانون دولي لحفظ الأمن في العالم كفرع من فروع القانون الدولي العام تتفق عليه دول العالم وترجع إليه هذه المحكمة في أحكامها وتعمل بإجراءاته.
خامسا :أن تسعى المحكمة لحلّ جميع المنازعات المهدّدة للأمن الدولي بين الدول بالطرق السلمية ولا تسمح باستعمال القوة إلا في حالة الردّ على العدوان، على شرط أن يكون هذا الردّ بالقدر الضروري لردّ العدوان مع الالتزام بالفضيلة والقانون الدولي الإنساني ؛ وفي هذه الحالة فإن الجهة التي تتولى الردّ على العدوان وقيادة العمليات هي قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة وبدعم من الدول الأعضاء في الأمم المتحدة.
إصــلاح مجلــس الأمــن
2025-10-26
643 قراءة
مقالات رأي
فتحـي قاره بيبـان
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال