بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

المجمع الكيميائي التونسي… من عبء اقتصادي إلى فرصة إعادة التأسيس

2025-10-26 724 قراءة مختلفات عماد عيساوي
تونس، هذا البلد الصغير على الخريطة والكبير في الأحلام، تقف اليوم أمام مرآتها القاسية: مجمع كيميائي وطني كان يوماً فخر الصناعة، صار عبئاً وطنياً خانقاً.
تحوّل من مشروعٍ للتنمية إلى كيانٍ يستهلك الدولة بدل أن يغذيها، ويخنق مدينة بأكملها بدل أن يمنحها الحياة.
إنه المجمع الكيميائي التونسي… الجرح المفتوح على جسد قابس، والرمز الصارخ لعقودٍ من الفساد، والإهمال، والعجز عن التفكير في المستقبل.
لقد تآكلت تجهيزاته كما تآكلت البيروقراطية التي تحكمه.
ديونه تجاوزت 700 مليون دينار، ومشاريعه البيئية التي قيل إنها أُنجزت بنسبة 100 كلفت ملياري دينار، لكن قابس لا تزال تختنق، والبحر لا يزال أسود، والهواء لا يزال ساماً.
إذن، إمّا أن المشاريع لم تُنجز قط، وإمّا أن الأموال قد نُهبت في وضح النهار.
وفي الحالتين، الجريمة واحدة: غياب الدولة.
المجمع لم يعد يبيع الأسمدة… بل يزرع الخسائر.
ولم يعد ينتج الثروة… بل ينتج التلوث، والغضب، والقطيعة بين الدولة وشعبها.
الذين يتحدثون اليوم عن “الرمزية الوطنية للمجمع” يعيشون في زمن الشعارات، لا في زمن الاقتصاد.
الحقيقة أن هذا المجمع، في وضعه الحالي، يكلّف الدولة أكثر مما يمنحها، ويستهلك المال العام كما تستهلك النار الحطب.
الإبقاء عليه بهذه الطريقة ليس شجاعة، بل جبنٌ اقتصاديٌّ مقنّع.
الحل ليس في إغلاقه ولا في ترقيعه، بل في إعادة التأسيس:
تفكيك الوحدات الملوّثة، وبناء مجمع جديد بمنطق القرن الحادي والعشرين، بتكنولوجيا نظيفة، وإدارة شفافة، وشراكات دولية حقيقية.
العالم تغيّر، وتونس يجب أن تغيّر لغتها الاقتصادية.
الصين اليوم ليست فقط دولة بعيدة، بل شريك استراتيجي يبحث عن موطئ قدمٍ في إفريقيا والمتوسط.
والمجمع الكيميائي، رغم علله، هو فرصة لإطلاق مشروع تونسي–صيني لإنتاج الأسمدة الخضراء، اعتماداً على الطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر.
تونس تمتلك الفسفاط… والصين تمتلك التكنولوجيا والتمويل.
فلِم لا تلتقي مصلحة الطرفين في مشروعٍ جديدٍ يولد من رماد القديم؟
مشروعٌ يُنقل فيه الفسفاط عبر أنابيب الضغط الهيدروليكي بدل آلاف الشاحنات، وتُعاد فيه النفايات الكيميائية إلى دورة الإنتاج بدل أن تُلقى في البحر.

قابس لا تطلب الانتقام، بل تطلب العدالة البيئية.
تطلب أن يُعوّضها الوطن عن عقودٍ من الغبار والموت الصامت، لا بالكلام، بل بمشروعٍ نظيفٍ يعيد لها حقها في الحياة.
والدولة، إن أرادت أن تستعيد ثقة الناس، فلتُحوّل هذا الملف من لعنةٍ إلى فرصة.
تونس تستطيع أن تخلق من “المجمع الكيميائي الجديد” رمزًا للتحوّل الصناعي الأخضر في إفريقيا، بشرطٍ واحد:
أن تكسر عقلية الاحتكار والمصالح التي كبّلته لعقود، وأن تفكر بعقل السوق لا بعقل اللجان.
إنّ الأمم التي تتقدم لا تخاف من البتر، بل من التعفن.
والمجمع الكيميائي في قابس اليوم هو العضو المتعفن في جسد الاقتصاد الوطني.
لكن الأعضاء تُبتر لا لتُعاقب، بل لتنقذ الجسد.
فلتكن قابس بداية الإنقاذ لا نهاية الحلم.
لقد آن الأوان أن نتحرر من فكرة أن كل مصنع وطني هو مقدّس.
المقدّس الوحيد هو الإنسان… والاقتصاد الذي يخدمه لا الذي يقتله.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال