بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

فخّ ”النصّ المؤسِّس” ..طرابيشي/ الجابري نموذجا

2025-10-24 559 قراءة مقالات فكر صابر النفزاوي
من المفـارقات الشكليّـة الكبرى في نقد جــورج طرابيشــــي لمشروع محمد عـابد الجـابري أنه قدّم هذا المشـروع كما لو كان أقرب إلى الاكتمـال والاستعصـاء على التفكيك، إذ إنّ مجرّد تخصيص جزء كبيـر من جهوده الفكريّـة بل ومن حياته لانتقـاد فكـر المفكّـر المغربي الراحل قد عزّز من مكـانة مشروع هذا الأخيـر بجعله أقرب إلى نموذج فكـري لا مفرّ من المرور به والانطـلاق منه في أيّ سجـال حول ”العقـل العربـي” !..

لقد سقط صـاحب ”نقد النقد” في فخّ ”الأكمليّـة” حيث أضفى على مشروع الجـابري نوعًـا من ”الاستقـرار المفهومـي” الذي يصعب تخطّيه، ليتورّط دون أن يشعـر في تعزيـز هيمنتـه الرمزيّـة على كل محـاولة لاحقـة لتفكيك البُنى الذهنيّـة للتراث العربـي والإسلامـي ..

إنّ النقد المتدفِّـق المُتراكـم الذي وجّهـه طرابيشـي رغم حدّته وثرائه المعرفي لم ينجح في تحريـر الحقل الفكري العربي من هيمنـة الإشكـاليّـات التي طرحهـا الجـابري، بل أدّى إلى توريط النقّـاد اللاحقيـن في شبكـة من الجدالات الفرعيّة التي تدور في فَلَك المُنطلقات الجـابريّـة نفسهـا،، فبدلًا من تفكيك ”النسق المغلـق” الذي انتقده المفكّـر السّـوري، أصبح النقد ذاته امتـدادًا غير مُبـاشر له، يكرّر أسئلته نفسَهـا ويفشـل في بلورة إطـار تحليليّ مُستقـلّ يتجـاوز الثنائيّـات التي رسّخهـا الفيلسوف المغربي مثل ”العقل البيـاني/العقل البرهـاني’’ أو ”المشـرق/المغرب” ..

لعلَّ المُفـارقة الأعمـق هنـا تكمن في تحوّل نقد طرابيشـي إلى ”مرآة عـاكسة ضخـمة” لمشروع الجـابري، ليس فقط عبر تثبيت مركزيّته، بل أيضًـا وخاصّةً عبر تبنيّـه -على نحو غير واعٍ ربما- لبعض أدواته الإبستمولوجيّـة؛ فحين يعيد طرابيشـي بنـاء خطـاب ”غريمـه” بمنهج تفكيكـيّ مُفصَّل فإنّـه يُعيد إنتـاج وهـم ”المنظـومة المُتمـاسكة” التي يُفترض أنّه يهـاجمهـا، مُكرّسًـا بذلك وهم إمكـانيّـة اختـزال التراث في نموذج إجرائـيّ واحد حتى وإن اتّخذ شكل النقد الجذريّ !..

إنّ هذا النمط من النقد يُعيدنـا إلى أحد أعطـاب العقل العربـي الحديث؛ وهم الحفـر داخل النصوص التأسيسيّـة دون تفكيك الشروط الحـاكمة للحقل المعرفي نفسـه؛ فطرابيشـي -رغم حيويّة اشتغـاله واستدعائـه اللافت للفرويديّـة والهيغليّـة- مـارس نوعًـا من التفكيك داخل الحدود التي رسمهـا الجـابري دون مسـاءلة جديّـة للخلفيّـة القطائعيّـة البـاشلاريّـة التي ظلّت تؤطّر قراءته للتراث وكأنّها الإطـار الممكن الوحيد !..

وهنا تظهـر ملامح ما سمّـاه پييـر بورديـو بـ”الحقل المعرفي المشروط بنصّ مؤسس”؛ حيث تفرض بعض المشـاريع الفكريّـة سلطتهـا الرمزيّـة على الحقل وتتحوّل إلى مرجعيّـة تكاد تكون إلزاميّـة لكل مقـاربة لاحقـة،، إنّ طرابيشـي -رغم نزعته التفكيكيّـة- لم يفلح في التحرر من هذا الشرط بقدر مـا أعاد إنتاجه بمنهج أكثـر تفصيلًا ودقّة ..

هذا الانزيـاح النقديّ يثيـر إشكـاليّـة منهجيّـة جوهريّـة حول طبيعة النقد الفلسفـي في السيـاق العربي، ويقدح جملة من الأسئلة الحـارقة :

هل أنّ النقد عند الإفراط في توجيهـه نحو شخص بعينـه، مهدّد دومًـا بالتحوّل إلى أداة لتثبيت أثـر المنقود/المُنتقَـد بدلًا من تقويضـه ؟!..

وكيف يمكـن الخروج من دائرة التَّـمركـز حول ”النّصوص الكبـرى” إلى فتح آفـاق جديـدة تعـاين الإشكـاليّـات خارج سلطة الأسمـاء المُؤسِّسـة ؟!..

يبدو أنّنـا نحتـاج إلى وعـي نقديّ لا يُعـامل النصّ ككيـان مقدّس لا بالتثميـن ولا بالتبخيـس، بل كـسيرورة تاريخيّـة قابلة للتجـاوز النـاضج؛ بما يفتح أفقًـا معرفيًّـا حـرًّا لا يسكنه شبح ”المركـز” ولا ظلّ ”الغريــم” !..

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال