بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

مجتمع الرواحل

2008-05-08 9125 قراءة مختلفات أحمد عبد الحميد حسين
مجتمع الرواحل
الحقيقة التاريخية للنهوض الحضاري لا تقف فقط عند ناحية إيمانية يتم غرسها في القلوب؛ بدون واقع مادي يتم تأصيله، ‏وتأسيسه، ووضع دعائمه، وتقعيد قواعده لبناء منظومة حضارية بشرية متكاملة يتوازى فيها الجانب العقلي المادي مع ‏الجانب الروحي فمتطلبات المرحلة القادمة تتطلب منا أن نهيئ كوادر مؤهلة لقيادة منظومة حضارية قادرة على الابتكار ‏والإبداع ومسايرة الزمن، ومخاطبة الآخر بلغته وعقله وهو ما فعله النبي صلي الله عليه وسلم فاستغلاله للمواهب والقدرات ‏واللذين اعتبرهما النبي الركيزة الأساسية التي بنى عليها دولته، فهو يعلم أن عبء قيام الفكرة الجديدة إن لم يقم على رجال ‏رواحل ذوي مقدرة وإرادة فستموت الدعوة في مهدها؛ ويعرف أنه يضع أولى لبنات دولة ستناطح بل وستهزم قوتين ‏عظيمتين فيما بعد (الدولة الفارسية والدولة الرومانية)؛ رغم أنه كان حينها لا يزال يتقي شر أم جميل، ويدفع عنه غلواء ‏عقبة بن أبي معيط؛ لذا فليس من المستغرب أن يرفع النبي يديه بالدعاء بأن يعز الإسلام بعمر بن الخطاب أو بعمرو بن ‏هشام فكلاهما له من صفات القوة الشخصية والمنعة ما يقوي به البنية الأساسية للجماعة الإسلامية الناشئة فكان ما كان من ‏إسلام عمر بن الخطاب من نصر للأمة، ورفع للأمة.‏
‏ ‏
إن المجتمع الإسلامي لا يهدف قط للتحليق في السماء، والتطواف حول المنطلق الإيماني بدون إعداد قوي لدولة حقيقية لذا ‏كان اختيار النبي صلي الله عليه وسلم لكوادر أقل ما تُوصف بأنها نجوم لبناء مجتمع أخذ على عاتقه قيام نهضة، وحضارة ‏بشرية جديدة، فزيد بن ثابت عندما جاءه وعمره سبعة عشر عامًا؛ وكان يحفظ ست عشرة سورة قرأها على النبي صلي الله ‏عليه وسلم لم يجلسه بعدها الرسول في عريش بجوار المسجد النبوي يُحفظ الصحابة؛ أو يلقنهم الآيات، كما فعل مع بعض ‏الصحابة، بل أعطى كل شخص من الصحابة مهمَّته!!‏
‏ ‏
لقد رأى الرسول معاهدات تُوقَّع، واتفاقيات تُعقد وبلاد مجاورة سُيوجه إليها دعوة الإسلام تنطق بلغة غير لغة القرآن فوجه ‏النبي زيدًا لتعلم لغة اليهود فتعلمها وحذق بعدها- رضي الله عنه- الفارسية والرومية والقبطية والحبشية والسريانية لُّيكون ‏أول قاعدة للترجمة في الدولة الإسلامية الوليدة.‏
‏ ‏
وفي الجانب العلمي والثقافي توظيف النبي لعبد الله بن مسعود والذي رأي عليه أمارات النبوغ المبكرة عندما لقبه بـ"الغلام ‏المعلم" فحفظ القرآن، واستظهر آياته؛ حتى عُد من أحفظ الصحابة وأقرأهم؛ حتى قال فيه النبي الكريم :"من كان قارئاً ‏للقرآن فليقرأ على قراءة ابن أُم عبد " ولم يتركه النبي رُويعيًّا للغنم، أو حالبًا للشياه ليُكون هو وأبو الدرداء وأُبي بن كعب، ‏وزيد بن ثابت نواة أول معهد لعلوم القرآن.‏
‏ ‏
ولم يُعط الرسول الفرصة لخصوم الإسلام وأعدائه أن يضيقوا الخناق الاقتصادي على المدينة؛ بل بادر بإنشاء كيان ‏اقتصادي ليكن سندًا وظهرًا لدعوة يُنفق في وأدها وإماتتها آلاف الدنانير، ومئات القناطير من الذهب والفضة فوضع عمودًا ‏من الخشب في قطعة أرض لبني النجار وقال: "هذا سوقكم يا بني عوف..." فسبق إلى السوق أُناس عرفوا أن القوة المادية ‏هي عصب الدولة، وقوام الحياة وهي رأس الحربة في مُقارعة الخصوم الذين حيزت لهم الدنيا بحذافيرها؛ فسبق عبد ‏الرحمن بن عوف وعثمان بن عفان وسعد بن أبي وقاص وغيرهم وكان تأثير الواحد فيهم في إقامة الدولة بفضل مواهبهم ‏وقدراتهم أعظم من كل رجال "أهل الُصفة" وما أشد فرحة "عثمان بن عفان" رضي الله عنه بقول النبي صلي الله عليه ‏وسلم عندما جهز نصف جيش بأكمله بعُدته وعتاده: "ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم، عثمان في الجنة، عثمان في الجنة.."‏
‏ ‏
ورُبَّ دعوةٍ قطعت آلاف الأميال بمئات الدنانير خير من دعوة خاملة يحملها بعض العجزى والكسالى؛ يقول محمد أحمد ‏الراشد في رائعته " صناعة الحياة " : "المال ينفق، ورنة الذهب قرينة هدير الواعظ من على منبر، أو هتاف المتحمس في ‏حفلته وشارعه". ‏
‏ ‏
كان النبي صلي الله عليه وسلم يعلم أن القوة المال ستكون في خدمة البلد والجماعة الناشئة وفي خدمة السياسة؛ وهي السند ‏القوي للمشروع الإسلامي فأطلق نداءه لكل الموهوبين أصحاب الفكر الاقتصادي من دعوته" نعم المال الصالح للرجل ‏الصالح."‏
‏ ‏
أما على الجانب العسكري ففي الوقت الذي قُضيت فيه على الحركات الكشفية؛ وأُلغيت المناهج العسكرية التي كانت تُدرس ‏قديمًا في مناهج التعليم؛ ليتم في النهاية تفريخ شبيبة ضعيفة ممسوخة الهوية، ونُكبت الشعوب الإسلامية والعربية بهزائم ‏متلاحقة المرة تلو الأخرى لاعتمادهم على غيرهم في سلاح يذودون به عن أنفسهم؛ فأعطاهم الغرب والشرق ما غلا ثمنه، ‏وقلت منفعته، أو لوضع أشباه من الرجال (بدءًا من عبد الحكيم عامر مرورًا بالعماد مصطفى طلاس والقائمة طويلة) على ‏رأس جيوش أُعتمد عليها في الأغلب لقمع الشعوب، وتأصيل الاستبداد وتحويل البلد إلى ثكنة عسكرية؛ وبعدها ينقلب ‏السحر على الساحر لُتصبح تلك الجيوش المسمار الأخير في نعش كل طاغية، وما الانقلابات العسكرية، أو انسحاب ‏الجيوش (كالعراق مثلاً) عنا ببعيد.‏
‏ ‏
لقد اعتمد النبي الكريم على رجال لم يكن لهم سبق إيمان، أو ابتداء بالنصرة، أو كبر في السن على رأس جيوشه وسراياه بل ‏كانت الأولوية لرجال ضرستهم الحروب وخبروها، فأعطى القيادة إما لصاحب مهارة وموهبة؛ حتى ولو كان صغير السن ‏كأُسامة بن زيد الذي لم يتعد عمرهُ حينها سبعة عشر عامًا الذي قاد جيشًا يحوي كبار الصحابة، وقد قال النبي صلي الله عليه ‏وسلم: "إنه لخليق بالإمارة كما أن أباه كان خليقًا بها...."‏
‏ ‏
وإما لرجلين لم يبرحا أن طرحا ثوب الكفر عن كاهليهما حديثًا وهما خالد بن الوليد، وعمرو بن العاص؛ غير أنهما خالد ‏وعمرو وهما من هما في إدارة المعارك، وقيادة الجيوش؛ فعرف النبي صلي الله عليه وسلم قدرهما، وخبر موهبتهما رغم ‏تأخر إسلامهما، فوظفهما خير توظيف فملآ السمع والبصر، وفي بضع سنين فتحًا من العراق ومصر والشام ما لم يُفتح ‏لغيرهما...‏
‏ ‏
وضع النبي منهجًا عسكريًّا تربى عليه صغار الشباب قبل الرجال:"ارموا بني إسماعيل فإن أباكم كان راميًا" و: "من تعلم ‏الرمي ثم تركه فليس منا.."‏
‏ ‏
وليس من الأمانة أن يُوسد الأمر لغير أهله؛ فاستوزر لحربه مُصعب بن عمير، وعلي بن أبي طالب، والمقداد بن الأسود، ‏وخالد بن الوليد وعمرو بن العاص، وأرسل المقداد والزبير إلى اليمن فتعلما صنع آلات الحرب، واختار من أصحابه من ‏أصحاب الرأي والمشورة "هيئة قيادة عُليا" يُشيرون عليه بالرأي، ويُسدون إليه النصيحة، وكان منهم أبو بكر وعمر ‏والحباب وسعد بن عُبادة وسعد بن مُعاذ، وما كان لفارس أن تدين لأصحابه بالطاعة، وتُسلم الروم بالهزيمة لو لم يبن النبي ‏المجتمع الأول على كوادر وقيادات فحق أن يُسمى هذا المجتمع بـ"مجتمع الرواحل".‏
‏ ‏
أما في نواحي الفن والإبداع فقد أدرك النبي أن هذا الجانب بالذات يفعل في النفوس ما لا تقدر على فعله عشرات الخطب ‏ومئات الكتب كوسائل للرقي بالنفس، والسمو بالروح وتجييش الشعوب، وتعبئتها معنويًّا ‏
‏ ‏
فأبرز من بين أصحابه من وُجه لخدمة الدعوة بشعره، أو بغنائه فبرز في هذا المجال سلمة بن الأكوع، وعبد الله بن رواحة، ‏وحسان بن ثابت، وكلهم ترنم النبي هو وأصحابه بأشعارهم وكلماتهم، واستخدم النبي حسان بن ثابت، وعبد الله بن رواحة ‏كوسيلة لما يُسمى في عصرنا الحديث بـ"الدعاية السوداء" ضد المشركين من تسفيه لأحلامهم، وتعييب لآلهتهم، وتنديد بما ‏يعبدون بما يفعل في النفوس فعلها من ضرب للثوابت والمعتقد الذي يعتقدونه، ويبذلون المهج والأنفس في الدفاع من أجله، ‏وما أجمل وصف النبي صلي الله عليه وسلم لهذا الدور حيث يقول لحسان: "اُهجهم وروح القدس معك" وقوله أيضًا): "والله ‏إن لكلماتك أشد عليهم من نضح النبل" فوظف النبي الكريم المهارة والمادة الخام من أصحابه لمساندة الدعوة، ونصرة ‏القضية.‏
‏ ‏
وفي ذلك يقول أبو الحسن الندوي في كتابه القيم "ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين ": "استطاع النبي برؤيته الدقيقة، ‏وشخصيته الفذة، وبفضل هذا الكتاب السماوي المعجز أن يبعث الإنسانية المتحضرة حياة جديدة ، عمد إلى الذخائر البشرية ‏وهي أكداس من المواد الخام لا يعرف أحد غناءها، ولا يعرف محلها، وقد أضاعتها الجاهلية والكفر والإخلاد إلى الأرض ‏فأوجد فيها بإذن الله الإيمان والعقيدة وبعث فيها الروح الجديدة، وأثار من دفائنها، وأشعل مواهبها، ثم وضع كل واحدٍ في ‏محله فكأنما خُلق له، وكأنما كان المكان شاغرًا لم يزل ينتظره، ويتطلع إليه، وكأنما كان جمادًا فتحول جسمًا ناميًّا، وإنسانًا ‏متصرفًا، وكأنما كان ميتًا لا يتحرك فعاد حيًّا يُملي على العالم إرادته، وكأنما كان أعمى لا يُبصر الطريق فأصبح قائدًا ‏بصيرًا يقود العالم، عمد إلى الأُمة الضائعة، وإلى أُناس من غيرها فما لبث العالم أن رأى منهم نوابغ كانوا من عجائب ‏الدهر وسوانح التاريخ". ا.ه
‏ ‏
هذا في الوقت الذي تردت فيه الأُمة وهوت ليس فقط تحت ضربات المستعمر التي طالما جعلناها تُكأة نتكئ عليها لسد عوار ‏فقرنا وتخلفنا، وإنما تحت ضربات الجهل والعفن التي لحقت بأُمتنا؛ ثم بوأد الكفاءات وأصحاب العقول والمواهب بدءًا من ‏طالب الاقتصاد والعلوم السياسية الذي انتحر لأنه لم يحصل على وظيفته لعدم لياقته الاجتماعية؛ حتى هجرة العلماء ‏المبدعين من القرية الظالم أهلها، والتي وُسد فيها الأمر إما لفاسد أو جاهل، أو مستبد انطبعت صورتهم على البلد الذي ‏نعيش فيه، فعلمت عندها لماذا يحمل البعض عصاه ثم يبصقون على الوطن ويرحلون!!‏

------------------
أحمد عبد الحميد حسين
صحفي وباحث مصري.‏

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال