بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

الفكر الإسلامي مابين العلم والفلسفة (1/2)‏

2008-05-03 13171 قراءة مقالات بحوث خالد الجاف
الفكر الإسلامي مابين العلم والفلسفة (1/2)‏
إن الاسلام هو دين الفطرة . فطرة الله التي فطر الناس عليها. فالفطرة أولا مضافة إلى الله فاطرها سبحانه , ثم هي الفطرة ‏التي فطر الناس عليها. انها تتعلق بفطرة الإنسان نفسه فسنن الله التي خلق عليها الإنسان سواء تعلقت بالبدن او النفس ‏وبالعقل او القلب. لقد خلق الله الإنسان مفطورا بطبعه على معرفة ربه وتوحيده والتزام طاعته وعبادته وحده لاشريك له فلا ‏يتلقى إلا منه ولا يتوجه إلا اليه. وهكذا لم يترك الله الانسان فى هذه الحياة لانفسهم , بل احاطهم منذ بداية الخلق بمنهاج ‏الفطرة الاولى . وبعث الله النبيين والمرسلين مبشرين ومنذرين , وجعل الرسالات مع رصيد العقل والمعرفة والعلم ‏والفطرة . ولما فسدت فطرة اكثر الناس واظلمت بصيرتهم وضلت عقولهم واختلفوا بعد ان كانوا على هدى جميعا حتى ‏عبدوا الاصنام , فبعث الله الانبياء لتقويم هذا الاعوجاج , وارجاع البشر الى صراط الله المستقيم (الفطرة الأولى ) . ‏

ولعل اول من سمى الاسلام دين الفطرة هو المرحوم الشيخ عبد العزيز جاويش فى عنوان رسالة له الى مؤتمر المستشرقين ‏عام 1904 كما جاء ذلك فى كتاب ( بين الدين والعلم ) للدكتور محمد احمد الفمراوى . لقد ميز الله الانسان بالعقل والعلم ‏والمعرفة وجعله فطرته الاولى . وقد ارتبط الاسلام والقران الكريم بالعلم والمعرفة , وابتعد عن الفلسفة التى لافائدة منها . ‏وقد امتزج العلم والقران امتزاجا قويا لم يكن ليظهر له من اثر فى الاديان الاخرى . والعلم الذى نعنيه هنا اولا العلوم ‏الكونية والطبيعية . اما الثانى فهو العلم بفروع الدين واصوله وتشريعه , وللصحابة منه الاحاطة التامة والرسوخ فى العلم , ‏وهم العلماء حقا الذين فهموا الدين , ووضعوا نواة العلوم الشرعية لمن بعدهم من المسلمين وهؤلاء العلماء المسلمين الاوائل ‏هم الذين قاموا بالحركة العلمية الشرعية فى جميع صنوفها , وهم الذين تولوا نشرها فى الافاق . اما ترغيب القران فى العلم ‏وحثه عليه فحسبنا فيه هذا التقديس للعلماء وجعلهم اولى الناس برضاء الله واحقهم بخشيته حين قال ( انما يخشى الله من ‏عباده العلماء ) لان هؤلاء العلماء فهموا اسرار الخلق واستجلوا عظمتة الكون فأذعنوا لخالقه خاشعين لجلاله. وقوله تعالى ‏فى رفعة العلماء ( يرفع الله الذين امنوا منكم والذين اوتوا العلم درجات ) ‏

‏ قال المستشرق النمساوى الدكتور ارنست بانيرت ( التأثير الدينى فى الغرب يتعرض لهزات عنيفة كلما حقق العلم ‏انتصاراته . اما الانسان المسلم فأنه يظل على ايمانه المؤكد برغم اطلاعه الدائب والمثابر على العلوم الحديثة ) اما الكاتب ‏المشهور سومرت موم فقد قال ( ان اوروبا قد نبذت اليوم نفسها وامنت باله جديد هو العلم , ولكن العلم كائن متقلب , فهو ‏يثبت اليوم مانفاه بالامس , وهو ينفى غدا مايثبته اليوم , لذلك تجد عباده فى قلق دائم لايسيقرون ) وهناك بعض ‏المستشرقين الغربين حاولوا الطعن بالاسلام والاستهزاء بالدين والادعاء بان الاسلام ليس له موقف ثابت بالعلم والفلسفة ‏فهذا المستشرق ارنست رنان قال فى كتابه الاسلام والعلم (ان الاسلام قد حارب العلم والفلسفة) انه انكر حقيقة الاسلام ‏وارتباطه بالعلم ارتباطا وثيقا لعله اعتبر كلامه هذا ان الاسلام شبيها بالمسيحية التى حاربت العلم والعلماء فى القرون ‏الوسطى . كان التفكير فى العلم فى اوروبا المسيحية فى القرون الوسطى يعد جريمة يعاقب عليها من قبل محاكم التفتيش ‏المسيحية بالموت . ‏

ففى عهد قسطنطين كانت العلوم تعتبر اما نوعا من السحر او الخيانة وكانت هناك كراهية شديدة للعلوم العقلية وحتى البابا ‏جريغورى الكبير ينفى كل من يشتغل بالدراسات العلمية عن مدينة روما ويحرق مكتبة بلاتين التى اسسها القيصر ‏اوكتانيوس ويحرم دراسة كتب الفلاسفة الكلاسيكيين ويستعيض عن ذلك بتشجيع الميثولوجيا الكنسية التى ظلت هى المذهب ‏السائد فى اوروبا لقرون عديدة .فقد سلمت الكنيسة جوردانو برونو الى غرفة التعذيب ثم احرق حيا حتى الموت عام 1610 ‏لتصريحاته العلمية . ونشر مجمع الكرادلة المقدس قرار الجرم لمن يقول بدوران الارض واعتبار القائل كافرا زنديقا. وان ‏غاليلو قد وعد الكاردينال بالطاعة المطلقة مسلما بأن ماقاله عن دوران الارض باطل كما اقسم بالاناجيل سنه 1633 ان ‏الارض لاتدور حول الشمس . ولما انصرف وغادر قاعة المحكمة فضرب الارض برجليه وهو يقول ( مع ذلك فأنت ‏تدورين ) وقد صدر قرار ادانة جاليلو عام 1633 على الشكل التالى (حكم عليه ديوان التفتيش وهو فى السبعين من عمره ‏لانه رفض ان يتراجع عن نظريته العلمية بدوران الارض . ياجاليليو ابن المرحوم فنسان جاليليو من بلدة فلورنسة البالغ من ‏العمر سبعين عاما . بناء على مابلغ المجمع المقدس سنة 1615 من انك تؤمن بصحة المذهب الذى يدعو اليه الكثيرون وهو ‏ان الشمس هى مركز العالم وانها ثابتة وان الارض تتحرك حركة يومية فأن المحكمة رغبة منها فى منع الفوضى ‏والاضرار الناجمة عن ذلك والتى تمنع التصدى للايمان المقدس . ‏

وبناء على اوامر سيدنا بولس الخامس واصحاب النيافة الكرادلة فى هذه المحكمة العالمية العليا يرى اللاهوتيون اصحاب ‏الرأى فى التعريف ان القضيتين المتعلقتين بسكون الشمس وحركة الارض مناقضتان للعقل ومغلوطتان فى اللاهوت ‏فالاولى هرطقة صريحة والثانية خطأ فى الايمان . فنحن نقول ونرفض ونحكم ونعلن انك انت جاليليو المذكور اصبحت فى ‏نظر المجمع المقدس محل شبهة قوية بالهرطقة بأعتقادك وتمسكك بنظرية خاطئة مناقضة للكتب الالهية المقدسة . ونحن ‏نأمر بمصادرة كتاب (محاورات جاليليو ) بموجب مرسوم علنى ونحكم عليك بالسجن الصريح بالمدة التى سنرى تحديدها ‏صادر عنا نحن الكرادلة الموقعين ادناه ). وهذا الباحث لاروس يستهزىء فى قاموسه بالدين حيث يفسر الدين على انه ‏مجموعة مقررات تنافى العقل والفكر الحر. ‏

اما العالم اينشتاين فأنه نطق بالحق عندما قال (إن العلم بلا ايمان ليمشى مشية الاعرج . وان الايمان بلا علم ليتلمس تلمس ‏الأعمى ) ان التعارض بين لعقل والايمان وليد الثقافة الغربية وحدها ، ولو ان مسألة التوافق او التناقض بين الطرفين ولدت ‏وطرحت منذ القدم ، الا انه فى تطور الغرب نحو العلمانية ادى الى حدوث صراع بين هذين المفهومين ادى بهما الى ‏انفصال تام . فالفكر الغربى يرى فى الدين ارتباطه بمفهوم الظلامية والجهل ، وهو عامل ينفى عن الانسان ملكته العقلية ‏التى تسمح له بأن يزن الامور، ويتدبرها بحرية وموضوعية . والثقافة الغربية الحديثة قدمت على انها انتصار الانسان ‏الواعى العاقل على كل ماهو غير عقلانى متمثلا بالدين . وقد حاول فلاسفة ومثقفى الغرب تعميم هذا المفهوم المجافى ‏للحقيقة على الثقافات والاديان الاخرى، وخاصة الدين الاسلامى . فأن مفهوم التناقض بين الاديان والعقل قد عمم على ‏جميع المعتقدات البشرية ، وادهى من هذا كله هو ان ظاهرة الاديان نفسها اصبحت فى قفص الاتهام ، واصبحت كل فكرة ‏دينية ماهى الا تعبير عن ضعف الانسان وخوفه من المجهول من وجهة نظر الفكر الغربى . الا ان الفكر الدينى ومسألة ‏الخالق ووجوده والكون وتكوينه اصبحت من القضايا المطروحة حاليا بقوة . ‏

فالميدان العلمى يصطدم اكثر فأكثر مع مبهمات الكون والحياة والانسان ، لذا اصبحت مسألة الخالق المبدع المطلق الاوحد ‏تطرح نفسها اليوم بطريقة علمية عن طريق العقل الانسانى والعلم الحديث . فالقرأن الكريم ربط بين العلم والايمان ، فعدد ‏الكلمات التى جاءت فى القرأن حول كلمة العلم نجدها 850 كلمة ، اما الايات التى تحث على دراسة الظواهر الطبيعية ‏فعددها 750 اية ..هناك خصائص واضحة بالنسبة للعلم والفلسفة يجب علينا الاهتمام بها وتوضيحها لعلاقتها بالاسلام ‏ومنهجه ومن اهم هذه
‏ ‏

‏ الفكر الاسلامي وعلاقته بالعلم : ‏
‏ ‏
‏ (1)الاسلام والعلم: لقد اخطأ من يظن ان الاسلام دين مثل باقى الديانات الاخرى ليس فيه الا الطقوس والعبادات وهذا من ‏الجهل الفادح فى افكار هؤلاء الجاهلين . ‏

الاسلام دين سماوى لم يعرف له نظير بمطاردة جيوش الاوهام والاساطير والبدع قديما وحديثا انه الدين الذى حرر فكر ‏الانسان من هذه الاساطير والبدع ومن سلطة الوراثة والبيئة والهوى لينظر إلى الاشياء بتجرد ويحكم عليها بعقله الذى ‏اودعه الله فيه . فقد قدس الاسلام العلم والقلم الذى هو رمز التعلم تقديسا كبيرا. وقد حث الاسلام على تحصيل العلم إلى حد ‏بعيد ولم تقع معارضة وتصادم بين الدين والعلم فى الامة الإسلامية شبيه المعارضات التى حدثت بين رجال العلم والفلاسفة ‏الغربين والكنيسة فان الاسلام يحبذ العلم الصحيح الذى لاشبهة فيه ويؤيده ويدعو اليه ولكنه يندد بأولئك الذين يتبعون الظن ‏ويعتبرونه علما ويبنون على هذا العلم الظن العلم الباطل . فالعلم من معطيات العقل اذن وجب ان لايكون تناف بين العلم ‏والدين اذا كان هذا العلم قد بلغ من الصحة والتأييد مايجعله علما حقيقيا لاغبار عليه وقد خرج عن مرحلة الظن والشكوك .‏

‏ والعلم فى المفهوم الاسلامى له معانى عديدة ومما اطلق عليه القران اسم العلم هو الاطلاع على الكتاب والحكمة وذلك فى ‏قوله تعالى( كما ارسلنا فيكم رسولا منكم يتلوا عليكم اياتنا يزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم مالم تكونوا تعلمون ) ‏والعلم فى القران يعنى ايضا المعرفة واليقين والابتعاد عن البدع والاساطير والسفسطة فى قوله تعالى( ولاتقف ماليس لك ‏به علم) وهذه الاية من جوامع الكلم فى كتاب الله تشمل اشياء كثيرة من احكام الدين . ومانستوحيه من هذه الاية هو ان الله ‏نهانا ان نتبع غيرنا من غير علم ويريد الله بالعلم اليقين لانه وصفه فى مقابل الظن يقول الله )مالهم به من علم ان يتبعون الا ‏الظن( ولقد استعمل القران لفظ العلم فى اكثر الاغراض التى يمكن ان يشملها فى العرف الحديث ولقد استعمل القران العلم ‏مقابل الهوى والسفه فى قوله تعالى )بل اتبع الذين ظلموا اهواءهم بغير علم)(وان كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير علم) وقد ‏واءم القران بين العلم والعقل مواءمة تجعل العلم حيث يكون العقل وتجعل العقل حيث يكون العلم )وتلك الامثال نضربها ‏للناس ومايعقلها الا العالمون( ولقد كثر ورود لفظ العلم فى القران كثرة لم يجاره بها كتاب ديانة ولاغيرها حتى كان اللفظ ‏من اكثر الالفاظ تداولا فى تعابير القران مما يدل على ان القران اهتم كثيرا فى ان يلقن الناس الحقائق ويدعبوها فى ‏صدورهم وعقولهم ويدل ايضا على ان القران قد اخى العلم مؤخاة تشعر انهما من اصل واحد. ‏

فالقران يريد من خلال العلم بأكتشاف الاشياء التى تقود الانسان بفهم هذا الكون البديع والرائع التركيب فهما صحيحا ليعلموا ‏ان من ورائه بارئا ومصورا قد احسن كل شىء خلقه. فالقران والعلم هما بهذا اخوان بل تؤمان ولايتوهمن متوهم ان القران ‏نزل ليشرح نظريات خاصة فى علم من العلوم وانما وضع اصولا عامة لكثير من المعارف تصريحا وتلويحا فان الايات ‏القرانية لم يكن القصد منها التحقيق فى كنة سنة من سنن الكون وانما القصد تصوير ظاهر فى ذاته على انه كثيرا مايكون ‏تصوير الظاهر فى جماله وعظمته اروع فى اكتشاف حقيقته . القران اذن لم يتحدث فى الكون وسننه الا ان ظاهرها ولو ‏اراد البحث عن اعمق من ذلك لخرج عن كونه كتاب هدى ونور.‏

‏ اما العلوم التى شملها لفظ العلم فى القران فلا تقتصر على العلوم الشرعية فقط بل قد شمل كثيرا من العلوم حتى التى ‏نسميها عصرية مثل علوم الطبيعة والفلك والعلوم البيولوجية الخ. المقصود بالعلم هو النظر الدقيق والمشاهدة المضبوطة ‏والتجربة المنظمة والاهتمام باليقينيات لافروضه ولانظرياته لان فى العلم الحديث فروضا ونظريات لم تثبت ولكن هى من ‏احتمال الصحة على درجات بقدر عدد المشاهدات والتجارب العلمية التى تتفق معها وتتفسر بها. فالعلم مؤلف من اجزاء ‏وتفصيلات لذلك فهو ملائم للتحليل والفصل والتقسيم وهو يكشف المتماثل والمتناغم والساكن. العلم جميعه منذ بدايته إلى ‏اليوم هو فى الغالب استمرارية الية ياتى اللاحق فيكمل عمل السابق وبما ان العلم يتناول الموجود فهو دقيق لانه يسعى ‏لاكتشاف القوانين واستخدامها.‏

‏ ولذا فان فرانسيس بيكون ‏Francis Bacon‏ وهو اب العلم الاوروبى يؤكد بوضوح على الجانب الوظيفى او النفعى للعلم ‏فيقول ( المعرفة الحقة هى المعرفة الوحيدة التى تزيد من قوة الانسان فى العالم ) والنظريات العلمية اصلها فروض ‏والفروض العلمية هى اراء وافكار يحاول بها العلماء تفسير المشاهدات العلمية فى ميادين العلم المختلفة فلابد للفرض ‏العلمى من ان يتفق مع بعض الوقائع وصحتها واذا رجح عن هذا الطريق سمى نظرية وان اى نظرية فى العلوم الحديثة ‏وخاصة العلوم الفضائية الكونية يرجح العلماء صحته ولكن لايزال عندهم يحتمل البطلان ولكن اذا كثرت الوقائع بحيث ‏لاتدع عند العلماء شكا فى صحة النظرية اعتبرت قانونا. ومن المهم ان نلاحظ ان الفرض العلمى لابد ان يكون قابلا ‏للاختبار عن طريق التجربة وهذا فارق اساسى بين الراى العلمى والراى الفلسفى او بين العلم والفلسفة. فالعلم مرتبط ‏بالفطرة التى فطر الله عليها الاشياء وهى حكم لايخطىء ولاتتبدل ولاتتغير. ام الفلسفة فليس لديهم مرجع وثيق كهذا ‏يتحاكمون اليه ويخضعون له عند الاختلاف ولذا كثرت فى الفلسفة المذاهب المختلفة التى لا امل فى التوفيق بينها وان زعم ‏كل منها انه يستند إلى العقل. ان النظرية العلمية مهما طال عمرها وكثرت الوقائع المؤيدة لها يكفى القضاء عليها واعتبارها ‏بحكم الميتة فى اكتشاف واقعة جديدة اخرى تناقضها بحيث لايمكن التوفيق بينهما بحال. وفى تاريخ العلم نظريات كثيرة لم ‏تستمر على حالها وتستقر بل صرعتها حقيقة علمية اخرى وهكذا سنن الكون والقوانين التى تجرى عليها فطرة الكون ‏والحياة ونبذ العلم النظرية اذا شذت عنها واقعة كان يجب ان تشملها وهو فارق اخر من الفروق الاساسية بين العلم والفلسفة ‏ففى الفلسفة يكفى التمسك بقضية ان تشهد لها بعض الحقائق ولو ناقضها حقيقة اخرى وهنا ينعدم معيار الحق والواقع ‏ويرجع الفلاسفة إلى الشك فى مثل هذه الحالة كما يرجع العلماء الطبيعيون إلى التجربة .‏

فالتجربة ليست كل شىء فى نمو الانسان خلافا لما يقوله الماديون ففى الانسان ملكة التعليل والاسباب وملكة التعميم ‏والتجريد دون ان يكون للتجربة دخل فيها ويقول اينشتاين العالم الذرى بهذا الصدد (ان بصيرتنا الدينية هى المنبع وهى ‏الموجهة لبصيرتنا العلمية) ويقول العالم الفلكى فاى (من الخطأ ان نقول بان العلم يقضى بصاحبه إلى نكران وجود الله) ‏ويقول العالم باستور(لاتنافى بين العلم والايمان وكلما زاد علم الانسان زاد ايمانه بالله) ويقول العالم الجيولوجى الذائع ‏الصيت ادموند هربرت المدرس بجامعة سوربون ( العلم لايمكن ان يؤدى إلى الكفر ولا إلى المادية ولايفضى إلى ‏التشكيك ) وقد جاز عند الفلاسفة ان تكون الفطرة غير متناسقة ولامطردة وهم فى مثل هذه الحالة يتسألون من ادرك ان ‏سنن الفطرة المطردة اليوم كانت فى الماضى السحيق مطردة ايضا وستظل مطردة فى المستقبل؟ الا ان العلم لايأتيه هذا ‏التشكيك القائم على مجرد الظن والتخمين والاستنتاج .‏

‏ واصل اتساق الفطرة واطراد السنن فيها واستحالة التناقض بينها الذى يجيز الفلسفة انكاره بالظن والتخمين هو اصل دينى ‏فى الاسلام قرره القران الكريم قبل ان يولد العلم الحديث ( ولاتجد لسنتنا تحويلا ) ( ولن تجد لسنة الله تبديلا ) (سنة الله ‏التى قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا ) لو اجاز العلم ان الفطرة قد يدخلها التبدل والتحويل والتغيير لسقطت ‏السموات والارض . فهذه الايات القرانية تشهد باطرادها واتساقها ليس فقط فى الميادين العلمية بل انها تدل سنن الله فى ‏فطرة الكون او فى فطرة الناس او تدل بسياقها على سنن الله فى الامم وانزال العقاب والهلاك بها فالعلم فى ايمانه باتساق ‏الفطرة واطرادها يجد تشكيكا فى الفلسفة ولكنه يجد فى الاسلام كل التأييد. ان العلم الحديث يقوم على اساس اتساق الفطرة ‏واطرادها فلو لم تكن متسقة لاتتعارض حقائقها ومطردة لاتختلف سننها على الزمن والعلم قد اثبت ببحوثه وطريقته فى ‏البحث اتساق الفطرة واطرادها من خلال البحث واختيار الفروض والنظريات والتجارب العلمية واثبت بذلك صدق قوله ‏تعالى (ماترى فى خلق الرحمن من تفاوت) (فلن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا) اما الفلسفة تكذب وتخطىء ‏حين تشك عقلا فى هذا الاساس وتجيز التغيير والتبديل فى السنن الجارية فى الكون فالقران يبعد الشك عن طريق العلم فى ‏العقول البشرية ويطمئنه انه على حق حين يمضى فى طريقه الصحيح غير مبال بالفلسفة وشكوكها. ‏

‏ وفى القران آيات يخدمها العلم الحديث بتوضيحها وكشف اسرارها حيث قال تعالى(انا كل شىء خلقناه بقدر)، فالعلم يتكفل ‏بكشف اسرار الكون والحياة باضهار جزئياتها على مدى الزمان ولن يستطيع ان يحيط بجميع تلك الجزئيات وتفاصيلها لان ‏العلم فى تطور مستمر ولكنه لايستطيع ان يحيط بتفصيل كل ماخلق الله. فالعلم الحديث كله جاء لخدمة الدين انه يقدم اجل ‏خدمة للاديان عامة بأثباته استحالة ان يكون نظام الكون وليد الصدفة العمياء وبذلك قطع الطريق على الماديين والملحدين ‏الذين ينكرون وجود الله وبديهى ان الاديان والاللهيات ليس من مباحثات العلم لأنه لايستطيع ان يبحث فى مسألة وجود الله ‏ووجود الله مسالة لاحاجة إلى اثبات. فان وجود الخالق هو من الوضوح بحيث يكاد يلتحق بالبديهيات عند الفلاسفة والعلماء ‏الذين لم يصبهم انحراف فى الفطرة او عوج فى التفكير ولايملى عليهم الغرور ماشاء من ظنون واوهام. لقد حرص الاسلام ‏كل الحرص بتعاليمه الواضحة على طلب العلم والظمأ إلى المعرفة فطلب العلم فريضة على كل مسلم. ‏

والقران يحث المسلمين فى آيات متعددة على ضرورة طلب العلم وهذا الظمأ إلى العلم مقترنا باستعداد المسلم لاستخدام عقله ‏كانا القاعدة الرئيسية لازدهار العلوم الإسلامية وظهور العلماء المسلمين الأوائل الذين اخذوا على عاتقهم فى تطوير ‏الحضارة الهلينية لأنه لم يجد المسلمون لدى الغرب شيئا يذكر يستحق أن تبذلوا جهدا ليتعلموه على حد تعبير مارشال ‏هدجسون ثم ذبلت الحضارة الإسلامية فى القرن الرابع عشر وانحسر مدها فى جميع المجالات العلمية والانسانية من علوم ‏طبيعية وجغرافية وفلسفية والسبب الرئيسى لهذا الانحسار هو اغلاق باب الاجتهاد والاقتصار على التقليد زعما بأن السلف ‏الصالح من الصحابة والتابعين كانوا على علم اتم واكمل بكل مااتى به القران الكريم . ‏

والتمس المقلدون الذين ارادوا اغلاق باب الاجتهاد آيات من الكتاب يفسرونها تفسيرا يسند دعواهم مثلا قوله تعالى(قالوا ‏سبحانك لاعلم لنا الا ماعلمتنا ) ( ويتعلمون مايضرهم ولاينفعهم)، هكذا نظر الفقهاء المسلمون نظرة معادية للعلوم الطبيعية ‏والفلسفية نجم عن هذا الموقف اعتبار كل نظرة للعلوم بدعة وكل بدعة ضلالة حسب تفسيرهم للحديث النبوى الشريف (كل ‏بدعة ضلالة وكل ضلالة فى النار) وهم لم يفرقوا بين بدعة حسنة وبدعة سيئة وضارة ولم يبينوا للمسلمين ان الاحاديث ‏التى تعرضت للبدع لاتعنى بحال من الاحوال الى العلوم الطبيعية او التقدم العلمى والتكنولوجى وانما تعنى البدع التى ‏لاتتفق مع مبادىء الشريعة الاسلامية. ‏

هل يمكن اعتبار العلم وتطوره بديلا للدين الاسلامى وشريعته ؟ كلا بل العكس هو الصحيح ان اكثر الاصوات تنادى بعد ‏اندحار النظرية الماركسية المادية فى العودة الى الميتافيزيقا الدينية نتيجة للمعرفة المتأخرة زمنا وانه كلما اشتد الوعى ‏الدينى صارت الحاجة الى الدين اقوى والزم. لقد غلبت المعرفة من جديد فى اتباعها ان الدين والعلم الحديث لاغناء لبعضها ‏عن بعض وان فكرة انقضاء اجل الدين كانت فكرة مرحلية خاطئة محدودة الافق فقد ماتت كل الافكار والنظريات الداروينية ‏وسيجموند فرويد وكارل ماركس وسوف يصير علماء الطبيعة اشد تواضعا واكثر التصاقا بالدين بعدما تبين لهم ان العلم ‏يوصلهم شيئا فشيئا الى منابع الدين والى القوة العليا (الله) وفلاسفة الاسلام القدماء الذين ادخلوا الاسلام فى الفلسفة انتهى ‏دورهم وجاء دور العلم الحديث الذى تحرر الان من قيود الغرور فلابد من جعله ذا قيم اسلامية اى (ادخال الاسلام فى ‏العلم). والاسلام يعنى بالتنمية العلمية عناية فائقة لان العلم هو الباب الاوسع الى الايمان والى معرفة سنن الله تعالى والى ‏التفكير فى خلق السماوات والأرض.‏

قال الله تعالى (انما يخشى الله من عباده العلماء) ومن هنا قال الرسول الكريم محمد ( العلماء ورثة الانبياء ) وقوله سبحانه ‏‏( يرفع الله الذين امنوا منكم والذين اوتوا العلم درجات ) وبما ان الاسلام دين الفطرة والعقل معا ولذلك كانت صلته بالعلم ‏وثيقة. فالعلم تجارب عملية لافكار عقلية ومجال هذه التجارب هو الكون وعلاقة الانسانية به وشمل الاسلام الكون والانسان ‏معا لانه كدين يتعلق بفطرة الانسان نفسه وبالسنن التى فطر الله الانسان عليها والتى لاراحة ولاسعادة للانسان الا فى ‏تحقيقها وتطبيقها كاملة غير منقوصة ( فطرة الله التى فطر الناس عليها ) كلمات قليلة حوت معانى جليلة وشرحها يطول ‏فهى اولا اكدت معنى الفطرة وفسرتها بالخلق واضافت الخلق الى الله ( لاتبديل لخلق الله ) والعلم الحديث يقدم وجوده رغم ‏الفلسفة وشكوكها على هذا القانون الالهى (لاتبديل لخلق الله ) اذ العلم وطريقة النظرية العلمية التجريبية متوقعة على اتساق ‏الفطرة واتساق سننها بالاطراد. ان تطور العلم والتكنولوجيا له ارتباط كبير بالايمان وكل تطور علمى وكل اكتشاف علمى ‏تكنولوجى جديد يهيىء هو الاخر الدافع لاكتشاف علم جديد . وهكذا وفى هذه العملية تكون الاختراعات والاكتشافات بالذات ‏مادة وقوة عظيمتين تعملان للقضاء على المفاهيم المادية الديالكتيكية .‏


يتبع في الجزء الثاني باذن الله

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال