بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

مرارة أم طرافة أم إنحدار: الكل في تونس يسعى لكسب ودّ فرنسا‏

2008-05-02 8161 قراءة مختلفات بوابتي
1
مرارة أم طرافة أم إنحدار: الكل في تونس يسعى لكسب ودّ فرنسا‏
انتهت الزيارة التي قام بها الرئيس الفرنسي لتونس، عملت خلالها العديد من الأطراف التونسية على تسليط الضوء على ‏الجوانب التي تخصها منها، والتي ترى أنها الرابح فيها، كما حاولت بعض وسائل الإعلام تشويه التونسيين بتصويرهم على ‏أنهم يحملون ولاء لفرنسا من خلال الزعم أن الشارع الرئيسي بالعاصمة ازدحم بالمستقبلين التونسيين للرئيس الفرنسي.‏

وتزداد الصورة قتامة حينما نعلم أن الأطراف الإعلامية الفاعلة تنافست في تصوير الرئيس الفرنسي على انه معها من دون ‏الطرف الآخر وأنها تنتظر منه أن يساندها في "موقفها"، ويمكن تناول بعض من الصورة كالتالي:‏

‏- سواء كان المتحدث عن الزيارة، أولئك الذين يرون الرئيس الفرنسي قد وافقهم على تمشيهم، أو أولئك الذين خابت آمالهم ‏منه كما يقولون، إذ غض الطرف عن شكاويهم، متنكرا لمبادئ الثورة الفرنسية كما يرون ويتخيلون، فان الملاحظ هو أن ‏الطرفين على السواء (المعارض والمعارض بفتح ثم كسر الرّاء)لا يختلفان في شيء جوهريا، وكلاهما يحمل بداخله تبعية ‏لفرنسا، من حيث انه يعتبرها المرجع والقدوة، ويزداد الأمر سخرية إذا عرفنا أن هناك من الأطراف من تقول عن نفسها ‏إنها من المعارضة أقامت الدنيا ولعلها لم تقعدها بعد، بقولها إنها تعلق آمالا على وقوف فرنسا معها، كما تساءلت بعض ‏الأطراف الأخرى حول إمكانية تخلي فرنسا عن مبادئ الثورة الفرنسية من أجل المصالح المادية، وينتهي الأمر لشيء من ‏الطرافة إذا عرفنا أن هناك من هذه الأطراف من يقول عن نفسه أنه "إسلامي". ‏
‏- من الطبيعي جدا أن يتعلق العلماني بفرنسا ويعتبرها قدوته، حيث انبنت مرجعيته على التبعية للغرب الكافر، ومن البديهي ‏جدا أن يتصور العلماني الذي يعتبر الولاء للغرب أمرا طبيعيا، فرنسا صاحبة مبادئ في حقوق الإنسان، ولكن الغير طبيعي ‏هو أن تصدر مثل هذه المواقف ممن يزعم تبنيه خلفية إسلامية، حيث لا يخجل بعضهم من أن يكتب مقالات متوسلا للرئيس ‏الفرنسي أن يتبنى "قضيته"، فبئس القضية وتبّا لها إن كانت ستحل بتدخل طرف كافر للنصرة فيها.‏
‏- اذا استثنينا الجماعات البدائية ( حيث قبلت الاستعمار الغربي من دون مقاومة ورحبت به، كتلك المتواجدة ببعض الجزر ‏بالمحيط الهندي وفي سواحل القارة الأمريكية) أو تلك المتعاونة مع القوى المستعمرة حين احتلال بلدانها (كالجماعات ‏السياسية العراقية المتعاونة مع المحتل الأمريكي الآن)، فإن الشعوب السوية، تتنافس فيها عادة القوى الفاعلة السياسية منها ‏والفكرية، على الذود على المبادئ والنأي بنفسها عن التعاون مع القوى الأجنبية، وكان ولا زال التقرب من القوى الغربية ‏ينظر إليه على أنه دليل إدانة، أما أن تتنافس كل الأطراف من كل الاتجاهات كما هو حاصل لدينا بتونس، على التقرب من ‏قوة غربية من دون ان يكون ذلك داع للادانة، فهذا فضلا على انه لا يقع في المجتمعات السوية، فهو مؤشر على خلل ‏خطير يصيب المجتمع التونسي، ودليل على انحدار لا يعلم نهاياته أحد.‏
‏- لا نريد أن نستطرد كثيرا، ولكن يحسن التذكير أن فرنسا دولة كافرة احتلت العديد من البلدان ومنها تلك الإسلامية ‏كتونس، و يجدر التذكير أيضا أنها قتلت الملايين من الضحايا منهم أكثر من مليون مسلم جزائري واستباحت حرمات ‏الشعوب ومنهم التونسيين، واستغلت ثرواتها طيلة عقود بدون إذن منها وبدون مقابل. ولا يفهم كيف يسمح إنسان عاقل ‏لنفسه بان يقول عن بلد ارتكب كل هذه الجرائم انه بلد حقوق إنسان، فضلا على أن يكون الرائد فيها.‏
‏- كان من المفترض (نظريا على الأقل) ومنتظرا من القوى الحية ومنظمات المجتمع المدني بتونس، أن تسعى للمطالبة ‏بتعويضات مادية من فرنسا عن جرائمها التي ارتكبتها في حق تونس و التونسيين إبان فترة الإستعمار، وعن الخيرات التي ‏نهبتها طيلة فترة احتلالها لبلدنا، وليس أن يقع التوسل لرئيسها بان يقف معها ضد الطرف الآخر. أما والأمر لم يقع، فهذا ‏دليل على انه لا خير في الأطراف الفاعلة والمنتجة للمواقف بتونس، مادامت أنها نخب مبنية على خلفية فكرية ترى في ‏الغرب المرجعية، بحيث إنها بطبيعتها ستعمل على إعادة إنتاج التبعية للغرب وتنشيطها، وليس مقاومتها.‏
‏- ذكرت العديد من وسائل الإعلام في تقاريرها أن التونسيين اصطفوا للترحاب بالرئيس الفرنسي بالجادة الرئيسية ‏بالعاصمة (شارع الحبيب بورقيبة)، وقدر إحدى التقارير عدد التونسيين الذين تواجدوا حين مقدم الرئيس الفرنسي بعشرين ‏ألف، وزعم التقرير أن أولئك التونسيين جاؤوا للترحيب بالرئيس الأجنبي، مما يعطي الانطباع الغير مباشر على أن ‏التونسيين في عمومهم يحملون ولاء نفسيا نحو فرنسا، وهو الشيئ الذي لو كان صحيحا فانه سيكون ذا دلالات اخطر من ‏التبعية التي تحملها الأطراف السياسية الأخرى.‏
‏- وليس يمكننا أن ننفي وجود تونسيين يحملون ولاء لفرنسا، فلا يخلو مجتمع من شواذ ومرضى، ولكن يمكن للواحد منا أن ‏يقول باطمئنان أن نسبة كبيرة من العشرين ألف من التونسيين المذكورين حين وصول الرئيس الفرنسي لم يكن وجودهم ‏بذلك المكان لغرض الاستقبال أو حتى رؤية الرئيس الفرنسي، وبالتالي فان ذلك التجمع، لم يكن دليلا على الترحاب البتة ‏وذلك لانتفاء عامل القصد فيه، وبالتالي لا دليل على أن هناك 20 ألف تونسي اصطفوا للترحاب.‏
‏- لا ندري أكان الأمر نتيجة سوء تنظيم أم نتيجة لشيء آخر، ولكن سكان العاصمة ومن يشتغل بقلبها يعرف جيدا نه تم قبيل ‏مجيء الرئيس الفرنسي بوقت قليل، تسريح آلاف الموظفين من مقار عملهم، كما تم تسريح تلاميذ المدارس، ولما كانت ‏وسائل النقل معطلة لاعتبارات أمنية، فان النتيجة البديهية هي أن الناس ستتكدس في انتظار انفراج الموقف، وهو مقدم ‏الرئيس ثم الانطلاق بعدها لوسائل النقل، وبالطبع لم يبق أمامهم من شيئ فعله غير الانتظار في الشارع الرئيسي الذي مر ‏به الرئيس الفرنسي، وبالتالي ليس هناك أي ترحيب متعمد من حيث انتفاء القصد من الوجود بذلك المكان.‏
‏- يجب أن يعرف البعض أن تصوير الناس في طوابير انتظار، فرحا بمقدم أي كان فضلا على أن يكون رئيس دولة أجنبية ‏احتلت بلدهم، لا يمكن أن يكون أبدا مؤشرا ايجابيا يرفع من صورة تونس والتونسي، وإنما بالعكس تعطي مثل هذه المواقف ‏صور سلبية عن بلدنا. قد يكون مفهوما أن يرحب السكان البدائيون ببعض أدغال إفريقيا بمقدم رئس غربي ويرقصون فرحا ‏أمامه ويرددون الأهازيج الشعبية، كما انه من المقبول أن يصطف بضع العشرات فرحا بمقدم رئيسهم هم، أما أن يقاد آلاف ‏التونسيين ورثة حضارة عظيمة ممن لا يستقيم معه أن يصوروا في موقف ذل وتزلف، رغما عنهم واستغلالهم في إخراج ‏موقف بدون إذنهم، فهذا مما يسئ للتونسي ولتونس على حد سواء، ثم هل رأى احد يوما أن الفرنسيين اصطفوا بالمآت مثلا ‏دعك من الآلاف، لاستقبال رئيس عربي بباريس.‏

التعليقات والردود

1
كفوا أيديكم عن المسلمين فإن انتقام ربهم لرهيب.
2008-05-07
كفوا أيديكم عن المسلمين فإن انتقام ربهم لرهيب.
مبروك للشعب العظيم زيارة صديقه ساركوزي و ها أن النتائج بدأت تظهر فالتضييقات على المحجبات و على المسلمين ككل ارتفعت بشكل حاد. طبعا فتونس بلد الحريات كما قال صديق الشعب ساركوزي.

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال