يمثّل القطاع الطبي في تونس أداة نموذجية لإنتاج التبعية لفرنسا بطريقة متواصلة، وهو، إضافةً إلى قطاع التعليم، يمثّل آلة تفريخ يومية ومراكمةً لمفاهيم القول بعلوية فرنسا ولغتها
الأخطر أن منتسبي هذا القطاع، أي الأطباء، يمارسون تلك الأدوار السلبية بإقبال ورضا تامَّين، من دون رفض لدور الخادم لفرنسا ولغتها، ذلك الخنجر المغروس في ظهر تونس ولغتها وهويتها
--------
تدخل عيادة طبيب(ة)، فيتكوّن لديك مباشرةً انطباع بأنك لست في البلاد التونسية، الدولة العربية؛ فالمعلّقات كلّها بالفرنسية، حيث لا يوجد فيها أدنى احترام للتونسي. حتى من منطلق تسويقي، فالتونسي هو الحريف الذي يرتزقون من فحصه، لكنهم لا يعبؤون بمخاطبته بلغته، أبدًا، حتى هذا الحد الأدنى الواجب من الاحترام نحو التونسي غير موجود
ثم، لما تقابل الطبيب(ة)، يسألك بضع أسئلة في خليط من الكلمات، أغلبها فرنسية. وحينما يحدث أن تنطق الطبيبة كلمات بالعربية، تنطقها بمشقة، لكنها مشقة مصطنعة، كأنها طبيبة فرنسية حلّت لتوّها بتونس في مهمة إغاثة دولية. ولشدّة قبح نطقها، تريد أن توحي بأنها متفرنسة، وأنها لا تماثلك
تكتب لك الوصفة، فإذا هي طلاسم قُدَّت بحروف غير عربية
تفهم مما يحيط بك أنك لا تتعامل مع مقدّم خدمات طبية تونسي، وإنما مع شخص يعتقد أنه من فئة عرقية أخرى غير التونسيين ولغتهم وهويتهم.
تفهم أنك مع أحد يكاد يكون منبتًّا، له مشكلة مع هويته
الأطباء يمثّلون طبقة مهنية تقع في أعلى السلم من حيث تحصيلها العلمي، لكنهم، للأسف، يقبعون وحدهم في أعلى سلم آخر؛ إنه سلم التيه النفسي والاقتلاع من هويتهم، لا ينازعهم أحد في ذلك.
أستثني من ذلك قلةً لا أعرفهم، لكني أفترض وجودهم بداعي النظر الموضوعي الذي يقول باحتمالية وجود من هم على غير الأغلبية.
--------
الطبيب، حينما ينطق بالفرنسية ويكتب للتونسي وصفةً بالفرنسية، فإنه ينقل رسائل ذات دلالات قوية ومسمومة:
1- أن اللغة الفرنسية لغة العلم، وأن العربية ليست كذلك. وهنا يتم إنتاج مفهوم علوية اللغة الفرنسية، ومن ورائها فرنسا النموذج القدوة. فهذا مجهود إلحاق بفرنسا وتكريس لواقع التبعية لها، يمارسه الطبيب يوميًا بموازاة عمله
2- أن يكون صاحب أعلى سلم في التحصيل العلمي، أي الطبيب، قابلًا بدور الخادم لفرنسا والترويج للغتها، فذلك يعطي رسالة لباقي التونسيين، ذوي المستوى التعليمي الأقل، أن خدمة فرنسا ليست عيبًا، بل دليل رقي اجتماعي. وضمنيًا، أن مقاومتها أمر لا قيمة له ولا فائدة منه؛ لأنه لو كان ذا فائدة، لقام به من هم أكثر تحصيلًا علميًا، وهم الأطباء
3- دور الخادم لفرنسا ولغتها، والإلحاق بها، يمارسه الطبيب بطريقة متصلة ومن دون رفض، وهذا يحوّل القطاع الطبي في تونس إلى منظومة إلحاق بفرنسا. فنحن إزاء قطاع مهني تونسي خادم لجهة أجنبية، وهذا أمر غريب لا يحدث إلا في الدول غير السوية
4- كون الطبيب يقبل بتلك الأدوار القبيحة المذلّة من دون رفض، فذلك يعني، وجوبًا، أن الأطباء التونسيين تحوّلوا إلى ضحايا لعمليات اقتلاع ذهني، بحيث لم ينتبهوا للأدوار القميئة التي انجرّوا إليها من دون شعور منهم.
وإلا فالاحتمال الثاني أن نفترض أن الأطباء التونسيين قبلوا، عن قناعة، دور خدمة فرنسا وتأدية عمليات الإلحاق بها والإقناع بعلويتها، وهذا مستبعد.
فنحن إزاء إيقاع بقطاع مهني كامل ضحيةً لكره الذات
-----------
الأغرب أن هذا الواقع المذل لم تقع مراجعته ولا إعادة النظر فيه منذ عقود، رغم وجود تنظيمات تقول إنها تدافع عن الهوية، لها منتمون في القطاع الطبي. فالكل قابل بوضع التابع، بل إنهم يفعلون ذلك بفرح وطمأنينة تقارب طمأنينة الأطفال
وهذا يعطي فكرة عن مدى قوة منظومة الإلحاق بفرنسا، من حيث دقة عملها ومنهجيته ومهنيته وخفائه
وإلا لكان ممكنًا التخلّص من الفرنسية أصلًا كلغة تدريس في الجامعة لطلبة الطب، وتعويضها بالإنجليزية والعربية، وتعريب الوصفات الطبية
لكن لا أحد فكّر في ذلك ولا اقترب منه. كيف، وعمادة الأطباء تمثّل أحد الواقعين تحت تأثير منظومة فرنسا في تونس؟ حتى مقارنة بغيرها من العمادات والمنظمات في تونس ذاتها: قارن مثلًا بعمادة المهندسين، التي تستعمل العربية في منشوراتها ومؤتمراتها، بعمادة الأطباء التي تكاد تخلو وثائقها ومنشوراتها ومؤتمراتها من العربية
أطباء تونس وأدوار الخادم لفرنسا
2022-10-19
2978 قراءة
مختلفات
فوزي مسعود
مسح للقراءة على الجوال
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال