بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

المدرسة التونسية تحت مجهر المنصف وناس – الفوضى المنظمة وانهيار الشخصية المدرسية

2025-11-12 370 قراءة مقالات رأي سمير سعدولي
التوطئة: المنصف وناس والمرآة المدرسية للشخصية التونسية

المنصف وناس، عالم الاجتماع التونسي البارز، قدّم في كتابه الشخصية التونسية رؤية معمقة لفهم سمات الفرد التونسي، من حيث السلوكيات الاجتماعية، والانعكاسات النفسية، وطبيعة العلاقات داخل المجتمع (وناس، 1982). لم يكتفِ وناس بوصف الشخصية الوطنية، بل ربطها أيضًا بالفضاءات الاجتماعية التي تنتج هذه السمات، مثل الأسرة، والمؤسسات، والساحة العامة.

إنّ المدرسة التونسية، من هذا المنظور، ليست مجرد فضاء تعليمي، بل هي مرآة حيّة للشخصية التونسية (Bourdieu & Passeron, 1970). فالقيم، والعادات، والمواقف التي يرصدها وناس في المجتمع، تتجسد في الفضاء المدرسي من خلال التفاعلات اليومية بين التلاميذ والمعلمين، ومن خلال الطريقة التي تُصاغ بها المناهج وتُنفّذ البرامج التعليمية.

لذلك، يمكن إسقاط تحليلات وناس على المدرسة التونسية الحالية لفهم أعمق لأزمة المؤسسة التعليمية: الجمود الفكري، الفوضى المنظمة، المقاومة الصامتة للتلاميذ، والتحول التدريجي للمعلم إلى منفذ للمنهج الرسمي فقط (Dewey, 1916). هذه الإسقاطات تبرز أن أزمة المدرسة ليست مسألة تنظيمية أو بيروقراطية فقط، بل هي انعكاس لأزمة الشخصية الوطنية نفسها، بما تحمله من صراعات بين التقليد والانفتاح، بين الطاعة والمبادرة، وبين الإبداع والجمود الفكري (Delors, 1996).

1. المدرسة التونسية بين النظرية السوسيولوجية وتمثلات الواقع الميداني:

المدرسة التونسية، وفق هذا المنظور، ليست فقط ناقلًا للمعرفة، بل فضاء لتشكيل الشخصية الوطنية. فالفصول التونسية اليوم تكشف التفاعل المباشر بين سمات الشخصية الوطنية التي وصفها وناس (1982) وبين المؤسسة التعليمية: الخضوع للسلطة، الجمود الفكري، الانتماء المتذبذب بين التقليد والانفتاح، والاعتماد على الحفظ والتلقين بدل التفكير النقدي والمبادرة.

هذه السمات تنتج فضاءً مدرسياً متردداً يميل إلى الفوضى المنظمة أكثر من إنتاج المعرفة، حيث يمكن ملاحظة تمرد التلاميذ، وعدم تحفيز الإبداع، وتحول المعلم إلى منفذ للمنهج الرسمي فقط، دون القدرة على التفاعل البنّاء مع مطالب الفصل (Bourdieu & Passeron, 1970).

2. المدرسة والفوضى المنظمة:

إنّ ما يسميه وناس "اللاانسجام الداخلي للشخصية التونسية" يجد صداه اليوم في ما يمكن وصفه بـ"الفوضى المنظمة" داخل الفضاء المدرسي. هذه الفوضى لا تحدث عبثًا، بل تمثل انعكاسًا مباشرًا للطبيعة السلوكية للشخصية الوطنية كما وصفها وناس (1982): مقاومة ضمنية للهيمنة، تردد في اتخاذ المبادرة، وميل للبحث عن الثغرات في النظام بدل الالتزام بمضمونه.

أمثلة معاصرة كثيرة توضح هذه الظاهرة:

تلاميذ يرفضون متابعة الدروس التقليدية، ويظهرون مقاومة غير مباشرة عبر المزاح أو تأخير الأداء.

معلم محاصر بين المنهج الرسمي ومتطلبات التقييم، وبين الإدارة المدرسية والواقع الميداني، مما يقلل من تأثيره التربوي (Dewey, 1916).

فصول تعج بالروتين البيروقراطي، مع غياب أي استراتيجية تشجع التفكير النقدي أو الإبداع الفردي والجماعي (Delors, 1996).

هذه الظواهر تؤكد أن المدرسة مرآة للفشل البنيوي للمجتمع، وأن أي إصلاح سطحي لن ينجح دون معالجة العمق الثقافي والاجتماعي (Bourdieu & Passeron, 1970).

3. الجمود الفكري وتعطيل الإبداع:

اعتماد المدرسة على التلقين والحفظ يولّد عقلية مترددة، عاجزة عن النقد والمبادرة. فالمناهج الجامدة، والاختبارات التقليدية، والضغط على المعلم لإنتاج نتائج قابلة للقياس، كلها عوامل تعطل الإبداع (وناس، 1982).
وهنا تتحول المدرسة من فضاء لبناء التفكير الحر إلى جهاز لإعادة إنتاج البنية الذهنية الخاضعة، في تكرار صريح لما وصفه بورديو بإعادة إنتاج اللامساواة الرمزية (Bourdieu & Passeron, 1970).

تتجسد هذه السمات، كما يوضح وناس (1982)، في الشخصية المدرسية نفسها: تلميذ يلتزم بالقوانين شكلًا دون فهم، ومعلم ينفذ المنهج دون تفكير نقدي، وإدارة تركّز على الرقابة أكثر من التحفيز. النتيجة: أجيال تكرّس الجمود الفكري وتعيد إنتاج السلوكيات التقليدية للمجتمع، بدل تشكيل مواطنين قادرين على مواجهة تحديات العصر.

4. الهوية الوطنية بين التقليد والانفتاح:

المدرسة التونسية، وفق هذا المنظور، مسرح متجدد لصراع الهوية بين التقليد والانفتاح. المناهج الجامدة والممارسات البيروقراطية تعزز التقليد، وتهمش الابتكار والانفتاح الفكري (Delors, 1996). وهكذا، تصبح المدرسة مكانًا لإعادة إنتاج أنماط الشخصية التونسية المعيبة: الخضوع للسلطة، ضعف المبادرة، وعدم القدرة على التعامل مع الاختلاف أو التحديات الجديدة.

الفوضى داخل الفصول ليست فوضى عشوائية، بل تعبير عن صراع داخلي بين شخصية مدرسية متأصلة تقليدية وشخصية وطنية حديثة بحاجة إلى التحديث والتحفيز (وناس، 1982).

5. قراءة نقدية معاصرة:

الفوضى المنظمة، والمقاومة الصامتة للتلاميذ، وتحول المعلم إلى منفذ للمنهج الرسمي، كلها تعكس انعكاس الشخصية الوطنية على المؤسسة التعليمية. وناس (1982) كان واضحًا: المدرسة ليست معزولة عن المجتمع، بل انعكاس حي لكل أزماته. أي إصلاح يركز على الشكل دون الجوهر الثقافي والاجتماعي، سيكون بلا جدوى (Bourdieu & Passeron, 1970).

الفشل البنيوي للمدرسة هو فشل الشخصية نفسها، وانهيار المعنى التربوي هو انعكاس للزمن الفاصل الذي تعيشه تونس اليوم (Dewey, 1916; Delors, 1996).

الخاتمة: نحو شخصية مدرسية فاعلة

إعادة بناء المدرسة التونسية لا يمكن أن تنجح دون إعادة بناء الشخصية المدرسية نفسها. فالإصلاح التربوي الحقيقي ليس إصلاحًا في المناهج أو البنية الإدارية فحسب، بل هو قبل كل شيء مشروع لإعادة تشكيل الوعي النقدي والإبداعي.
إنّ المدرسة التي لا تُحرّر الفكر تُكرّس الجمود، والتي لا تُشجّع المبادرة تُعيد إنتاج الطاعة، والتي تُقصي النقد تُنكر ذاتها التنويرية.

ربما تكمن مأساة المدرسة التونسية اليوم في كونها تُعلّم النظام دون أن تزرع المعنى، وتُدرّب على الطاعة دون أن تفتح باب المبادرة.

> سؤال ختامي:
هل يمكن للمدرسة التونسية اليوم أن تكسر دائرة الجمود والفوضى المنظمة، وتنتج شخصية وطنية متوازنة قادرة على النقد والمبادرة، أم أن الأزمة البنيوية للشخصية التونسية ستظل حاجزًا لا يمكن تجاوزه؟

المراجع:

1. وناس، المنصف. الشخصية التونسية. تونس: دار الساقي، 1982.

2. Bourdieu, P., & Passeron, J.-C. (1970). La reproduction. léments pour une théorie du système d’enseignement. Les ditions de Minuit.

3. Dewey, J. (1916). Democracy and Education. Macmillan.

4. Delors, J. (1996). L’éducation: un trésor est caché dedans. UNESCO.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال