تمهيد:
تعيش المدرسة التونسية اليوم أزمة مركّبة، لا يمكن اختزالها في ضعف الموارد أو تراجع مستوى المتعلم، بل تمتد إلى العمق البنيوي والقيمي للمؤسسة التربوية. فهي تعكس تناقضات المجتمع التونسي وصراعاته بين التقليد والحداثة، بين ما هو معلن في الخطاب التربوي وما هو كامن في الممارسة اليومية.
المدرسة لم تعد فقط فضاءً للتعليم، بل تحوّلت إلى مرآة لأزمة المعنى في المجتمع، حيث تراجع الإيمان بدورها التنويري وتهمّش المربي، وتخلّى المجتمع عن الفعل التربوي لصالح قنوات أخرى أكثر تأثيرًا، كالفضاءات الرقمية والإعلامية.
1. القراءة البيداغوجية:
من الزاوية البيداغوجية، يمكن فهم الأزمة باعتبارها نتيجة تراكم خيارات تعليمية غير منسجمة، تتأرجح بين الإصلاحات الشكلية والتجارب المتسرّعة. فالمناهج تظلّ تقليدية رغم محاولات التحديث، والمعلم يعيش حالة من الاغتراب بين ما يُطلب منه وما تتيحه له إمكانياته المحدودة.
لقد تحوّل التلميذ إلى متلقٍ سلبي في منظومة تعليم بنكي (Freire, 1970) تُغيب التفكير النقدي وتُغرقه في الحفظ والتكرار، مما أفقد الفعل التعليمي روحه ومعناه.
2. القراءة السوسيولوجية:
سوسيولوجيًا، تُجسّد المدرسة التونسية انعكاسًا لبنية المجتمع، إذ تُعيد إنتاج الفوارق الطبقية بدل أن تحدّ منها. فالتلميذ القادم من أوساط فقيرة يجد نفسه في مواجهة مدرسة لا تملك القدرة على تحقيق العدالة الاجتماعية.
وهنا تتجلّى مقولة بورديو (Bourdieu & Passeron, 1970) حول “إعادة الإنتاج الثقافي”، حيث تتحوّل المدرسة إلى أداة لتثبيت التراتبية الاجتماعية عبر رأس مال ثقافي غير متكافئ بين الفئات.
ومع غياب مشروع مجتمعي واضح، تفقد المدرسة معناها كمحرّك للتغيير الاجتماعي، وتغدو مجرّد مرآة للفوارق البنيوية القائمة.
3. القراءة الرقمية (أو التحول الرقمي التربوي):
فرضت الرقمنة نفسها اليوم كأحد أهم التحولات البنيوية التي تمس الفعل التربوي عالميًا، غير أنّ المدرسة التونسية ما تزال تتعامل معها بخطاب تجميلي أكثر منه مشروعًا استراتيجيًا.
فبين مدارس تمتلك تجهيزات رقمية متقدمة، وأخرى ما تزال تعاني انقطاع الكهرباء أو غياب الإنترنت، تتجلى فجوة رقمية حقيقية تُعيد إنتاج اللامساواة الاجتماعية في شكل جديد.
تحوّل التعليم عن بُعد زمن الجائحة إلى مرآة لهذه اللامساواة، حيث استفاد أبناء الفئات الميسورة من الحواسيب والشبكات، بينما حُرم آلاف التلاميذ من حقّهم في التعلم.
إنّ الرقمنة في السياق التونسي لم تُوظّف بعد كوسيلة للتحرر المعرفي، بل كواجهة شكلية تُخفي ضعف التكوين والبنية التحتية. وفي غياب رؤية بيداغوجية واضحة، تتحول الرقمنة إلى "حداثة زائفة" (Baudrillard, 1981) تُكرّس الفجوة بدل أن تجسرها.
غير أنّها في المقابل تمثّل فرصة لإعادة تعريف المدرسة كمنصة تفاعلية مفتوحة على العالم، بشرط أن ترافقها سياسة رقمية تربوية عادلة تراعي تكافؤ الفرص، وتكوّن المعلمين والمتعلمين على الاستعمال النقدي للتكنولوجيا لا على استهلاكها السلبي.
4. القراءة السياسية والإدارية:
من الجانب السياسي والإداري، تعاني المدرسة من تضارب القرارات وغياب الرؤية الاستراتيجية. تتناوب الإصلاحات بتغيّر الوزراء لا بتغيّر الحاجات الفعلية، في ظل بيروقراطية خانقة تُجهض أيّ مبادرة ميدانية.
لقد تحوّلت المدرسة إلى مجال لتجريب السياسات لا لتجسيدها، وإلى حقلٍ للتجاذب النقابي والسياسي أكثر من كونها فضاءً للإصلاح التربوي الحقيقي.
5. القراءة الثقافية والفلسفية:
ثقافيًا وفلسفيًا، تكشف أزمة المدرسة عن فقدان البوصلة الفكرية. فهي تتأرجح بين مرجعية عربية-إسلامية وأخرى حداثية غربية دون أن تمتلك القدرة على إنتاج نموذجها الخاص.
المعنى التربوي تاه وسط صراع الهويات، فتراجع الحسّ النقدي، وتفكّكت العلاقة بين المعرفة والقيمة.
بات التعليم وسيلة اجتماعية لا فكرية، هدفه الشهادة لا الوعي، والإندماج لا التحرر.
6. القراءة النقدية:
عند جمع هذه القراءات، يتضح أنّ المدرسة التونسية ليست فقط ضحية سياسات تعليمية فاشلة، بل هي أيضًا مرآة لأزمة المجتمع بأسره: أزمة قيم، وتربية، ومواطنة، ورؤية.
فكل إصلاحٍ يظلّ مجرّد رقعة على نسيج ممزّق ما لم يُطرح سؤال المعنى أولًا: لماذا نُعلّم؟ ولأيّ مجتمع نُربّي؟
7. نحو مدرسة تحويلية:
الرهان اليوم ليس في تحديث البرامج أو إدخال التكنولوجيا، بل في استعادة روح المدرسة كمشروع إنساني.
مدرسة تنقد ذاتها، وتُعلّم أبناءها كيف يفكرون لا ماذا يفكرون، وتعيد الاعتبار للمعلّم كفاعل مجتمعي لا كموظف إداري.
مدرسة تُؤمن بأنّ العدالة المعرفية هي المدخل إلى العدالة الاجتماعية.
خاتمة:
في النهاية، تبدو المدرسة التونسية عالقة بين زمنين: زمن الذاكرة الذي يحنّ إلى قيم الماضي، وزمن السرعة الرقمية الذي يفرض نفسه دون رؤية واضحة.
فهي لم تعد فقط موضوعًا للأزمة، بل أصبحت فاعلًا فيها؛ تُعيد إنتاج هشاشة المجتمع وتناقضاته في كل درس وكل قسم.
إنّ إنقاذ المدرسة لا يكون عبر ترميم البنى أو تغيير المناهج فحسب، بل عبر إعادة تأسيس معنى الفعل التربوي ذاته، أي استعادة العلاقة بين المعرفة، والحرية، والعدالة.
فحين تعود المدرسة لتكون فضاءً لإنتاج الإنسان الحرّ لا المواطن المنساق، عندها فقط يمكن الحديث عن تحول تربوي حقيقي، لا عن إصلاح شكلي أو تحديث تقني عابر.
والسؤال الذي سيظل مفتوحا:
هل يمكن للمدرسة التونسية أن تتحول من مرآةٍ تعكس أزمة المجتمع إلى ورشةٍ تصنع مستقبله؟
أم أننا محكومون بأن تظلّ المدرسة “تحت الميكروسكوب” دون أن تخرج من غرفة التشريح؟
المراجع:
1. Arendt, H. (1961). Between Past and Future. New York: Viking Press.
2. Baudrillard, J. (1981). Simulacres et Simulation. Paris: Galilée.
3. Bourdieu, P., & Passeron, J.-C. (1970). La Reproduction: léments pour une théorie du système d’enseignement. Paris: Les ditions de Minuit.
4. Freire, P. (1970). Pedagogy of the Oppressed. New York: Herder & Herder.
5. Durkheim, . (1897). L’ducation et la sociologie. Paris: Alcan.
6. Castells, M. (1996). The Rise of the Network Society. Oxford: Blackwell.
7. Buckingham, D. (2007). Beyond Technology: Children’s Learning in the Age of Digital Culture. Cambridge: Polity Press.
8. Fullan, M. (2007). The New Meaning of Educational Change. New York: Teachers College Press.
9. OECD (2021). Digital Education Outlook 2021: Pushing the Frontiers with Artificial Intelligence, Blockchain and Robots. Paris: OECD Publishing.
المدرسة التونسية تحت الميكروسكوب: أي قراءات؟قراءة سوسيولوجية وبيداغوجية في أزمة الفعل التربوي
2025-11-05
567 قراءة
مقالات بحوث
سمير سعدولي
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال