فوزي مسعود - مقالات فكر ورأي

أن لا تفعل أفضل من أن توهِم بالفعل: التعاطف مع المسجونين، خطباء الجمعة..

2025-12-04 1205 قراءة مختلفات فوزي مسعود
حين التعامل مع الواقع ومشاكله، يتصوّر بعضهم أنّ المطلوب منه، كفرد، هو إنتاج موقف مهما كان مضمونه، لذلك يبادرون إلى قول أو كتابة أيّ كلام، ونادرًا ما يكون مفيدًا
لسبب ما، يعتقد هؤلاء أنّ كتابة تدوينة عن الصبر مثلًا هي مساهمة منهم في مقاومة الواقع وتمثّل وقوفًا مع من سجنتهم منظومة الانقلاب. وهذا التصرّف ينطلق من اعتقاد بأنّ التذكير بنضالات المسجونين يمثّل مساهمة في مقاومة الواقع وسادته المتحكّمين فيه

وهي كلها مواقف تنطلق من فرضية أنّ الفعل ما دام يصدر متّصلًا بالموضوع فهو بالضرورة مساهمة إيجابية، وهذا تصوّر غير سليم

تفسير ذلك أنّ الحديث مثلًا عن المناضلين، وإن كان سليما من زاوية محورية الفرد، فهو غير سليم من زاوية التصدي لمنظومة الانقلاب، وعموما لسادة الواقع.
إذ إنّ مشكلتنا ليست في جدارة المسجون ورمزيته، وليس النقاش حول ذلك الشخص، فيكون التركيز عليه تحرّكا خارج الموضوع. فهو إذن كلام، نسبة إلى الموضوع الأصلي، نوعٌ من الإيهام بالفعل

والمشتغلون بالإسلاميات (الوعاظ وخطباء الجمعة) الذين يتعاملون مع التهتّك الأخلاقي في الواقع وتفتّت منظومة الأسرة من خلال الحديث عن أهمية الأخلاق مثلا، إنما يتحدّث في موضوع غير مطروح أساسًا؛ لأنّ موضوعنا ليس أهمية الأخلاق، إذ هو مستوى متَّفق عليه ابتداء، والمشكل لا يوجد في رفض الناس للأخلاق، بل يوجد في عجزهم عن الالتزام الأخلاقي بفعل منظومات التحكّم الذهني. أي إنّ التناول يجب أن يكون في الأسباب التي أوصلتنا إلى المشكل. فنحن إذن إزاء كلام، نسبةً إلى الموضوع الأصلي، نوعٌ من الإيهام بالفعل وحديث خارج الموضوع

والذي يتعامل مع مشكلة تسلّط اللغة الفرنسية في المجال العام من خلال سبّ فرنسا وأتباعها في تونس، إنما يتكلّم في مستوى لا أثر له؛ لأنّ واقعنا ومآلاته الخاضعة لفرنسا ولغتها وثقافتها لا ترتبط بكمية السبّ المنتَجة، ولا بالتقصير فيها. بل هناك تأسيسات عميقة يدور حولها الواقع التونسي منذ عقود، وتحويل ذهني حصل وفُرض على التونسيين، وهي المستويات التي يجب النبش فيها. فيكون معنى ذلك أنّ الذي يتعامل بأساليب تنشغل بمستوى النتيجة والضحايا من سبّ وتعارك مع الأفراد، فهو، على أهميته (إذ هو مؤشر وعي بخطر التحكّم الفرنسي)، يبقى مجرّد كلام لا قيمة له، نسبةً إلى الموضوع الأصلي، وهو بالنهاية نوعٌ من الإيهام بالفعل

---

خطر الإيهام بالفعل، يوجد في كونه يمثّل تعويضًا عن الفعل الحقيقي الواجب القيام به. فالمواقف السائبة التي تتحرّك في مساحة النتيجة تعطي زخما مغالطا يكوّن انطباعًا بوجود موقف، وقد يؤدّي ذلك إلى الرضا عن الذات، بينما الأمر في حقيقته زخم مغالط يوهم بالفعل مقابل غياب الفعل الواجب إنتاجه نسبة إلى المشكلة

وأخطر نتائج الإيهام بالفعل أنه يستهلك طاقة الرفض ويبدّدها في لا شيء؛ لأنّ الأفعال البشرية تصدر عن إرادة تتغذى من طاقة داخلية ما. فإذا كتبت أو أصدرت موقفا من نوع الثرثرة أو الإيهام بالفعل، فإن هذا الموقف سيتغذى بالضرورة من رصيد طاقة الفعل لديك، مما ينتهي إلى تبديد ونقص طاقة الفعل الحقيقي الواجب القيام به

ويمكن القول أن الفعل الذي لا ينتج إضافة تساهم في صدّ المغالب، فإنه بالضرورة يمثل مساندة ضمنية له، لأنه لا يوجد فعل من دون أثر

لذلك، فإنّ عدم الفعل مرة واحدة أفضل من الموقف السائب الموهِم بالفعل، وأقلّ الأفضلية أن عدم الفعل يحافظ على طاقة الرفض لديك

---------------
فوزي مسعود
#فوزي_مسعود

التعليقات والردود

0

حتى الآن لا توجد ردود أو تعليقات على هذا المقال

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق