هناك تصوّر سائد حول النقاش والحوار عمومًا باعتباره أمرا جيّدا، ينتهي كما يُقال بـ"تلاقح الأفكار"
والحقيقة أنّ تبادل الآراء، بل وتغيير التصوّرات نحو الأفضل، هو في النهاية أحد الممكنات فقط، لكنه ليس بالضرورة نتيجة جيّدة دائمًا، لأنّ الدخول في نقاش مع الغير يمكن أن ينتهي بتكوّن انطباع اللاجدوى، الذي يخلق إرادة جديدة تقول بعبثيّة الفعل لعدم الجدوى منه
-----------
دخلتُ ميدان شبكات التواصل الاجتماعي منذ حوالي ثلاث سنوات، وكنت قبلها أنشر على مواقع عادية من دون أن يحدث لي مع الناس ما يحصل الآن من تفاعلات ونقاشات
ثم قضيت سنتين على شبكات التواصل هذه، أكتب من غير أن أستصحب أيّ أثر من تفاعلاتي مع المتابعين أو أبني عليها
وبذلك الزخم القديم، كنت أنشر محتويات بعمق معيّن لا يحدّني أيّ ضابط، مفترضا أنّ من يقرأ لي سيدرك ما أكتب. وكنت أتحرّك بطاقة معيّنة نتج عنها نشر كتابين، وكنت أنوي مواصلة نشر كتاب كل عام، لأن مواد تلك الكتب متوفرة
----------
ثم أنه من أثر ملاحظاتي على شبكات التواصل، بدأ يتكوّن لديّ انطباع اللاجدوى مما أكتب، وكانت نتيجته أنّني، هذه المرّة، عندما اتصلت بناشر لطباعة كتابي الجديد، لم أكن متحمّسًا، إذ لمّا لم نتّفق على الصيغة المالية، تخلّيت عن فكرة نشر الكتاب أساسًا
وسبب ذلك هو تصوّر يُلحّ عليّ ويُقنعني بأن لا جدوى من هذا الشقاء الماديّ والتعب. طيّب، وماذا لو طبعت كتابًا جديدًا، من سيقرؤه غير قلّة لا تكاد تتجاوز بضع عشرات
فتخلّيت عن طباعة الكتاب، وعن الفكرة التي كانت تأخذني من قبل بطباعة كتب أخرى
----------
ولعلّ من يتابعني لاحظ أنّني منذ حوالي سنة لم أعد أنشر مقالات بعمق معيّن، وذلك راجع لنفس السبب، أي شكّي في وجود جدوى من كتابة فكرة لن تلقى توقّفًا عندها ولا محاولة فهمها
وكم من فكرة تخطر لي وتلحّ عليّ لكتابتها، فأتجاهلها حتى تنقشع من ذهني، لأنّ الأفكار التي أكتبها، عكس ما قد يتصوّر البعض، ليست معطيات متوفّرة دائمًا، إذ إنني أنا نفسي لا تتوفّر لديّ في كل وقت، وإنّما تتأتّى في فترات ولحظات ثم تغيب. حتى إنني أحيانًا حين أقرأ إحدى مقالاتي السابقة، أجد نفسي مضطرًّا للتوقّف لتبيّن الفكرة
ويكون نتيجة ذلك أنّ أفكارًا عديدة تضيع، لأنّها لا تُسجَّل من خلال الكتابة، نتيجة غياب طاقة تدفعك لذلك
-----------
وانطباع غياب الجدوى ينتج من عموم محتوى النقاشات والتفاعلات، أو من خلال محتوى الردود، أو من خلال سقفها وتأطيرها، أو مما تراه من تفاعلات عمّا يكتبه غيرك
نتيجة ملاحظاتك لتلك التفاعلات، يأخذك شعور من الإحباط، أو هو كالإحباط، ينتهي بالإقناع بأنّ ما تفعله لا جدوى منه، على الأقل في الوقت الحالي وفي هذا المجال الانطباعي
يجب التوضيح أنني لاأكتب ماكتبت بغرض الشكوى أو استجداء العطف ، أبدا، إنما هي فكرة أراها هامة أردت تسجيلها
---------
فوزي مسعود
النقاش لا ينتج فقط "تلاقح الأفكار"، وإنما يمكن أن يؤدي إلى فكرة اللّاجدوى
2025-10-11
1218 قراءة
مختلفات
فوزي مسعود
التعليقات والردود
0حتى الآن لا توجد ردود أو تعليقات على هذا المقال