فوزي مسعود - مقالات فكر ورأي

فِتْية "الحمّامات" أطلقوا صرخة ثوّار، إنها محاولة لتحرير المجال العام، والموضوع أكبر من الصلاة

2025-09-26 1206 قراءة إسلام العقيدة فوزي مسعود
علينا أن نرتقي لدلالة الفعل الذي حصل في إحدى معاهد "الحمّامات" في تعلّق بمسألة الصلاة
علينا أن نقوم بتجريد وننظر بمحورية الفكرة لا بمحورية الحدث والأفراد:

المسألة موضوع الجدل في حقيقتها ليست صلاة، ولم تكن الصلاة في ذاتها في مستوى تأديتها مشكلة لدى منتسبي الغرب المنتفضين حاليًا، بل قد تجد بعضهم يصلي ومستعدًا أن يوفّر غرفة ما لتأدية الصلاة

والصلاة كفعل يؤدّى وحركات أيضًا ليست هي المشكلة لدى الفتية، ولم تكن في الحقيقة هي دافعهم لمواجهة الإدارة، وإلّا لكان بإمكانهم أن يصلّوا في مكان قصيّ بعيد عن الأنظار من دون إثارة ضجّة

-------------

الموضوع الحقيقي والذي لا يصرّح به مباشرة لا الفتية من جهة، ولا المنتفضون الفزعون من حركة الصلاة في الساحات من جهة ثانية، هو التنازع حول استعمال المجال العام والفضاء العمومي

منتسبو الغرب يتحكّمون في الفضاء المشترك منذ عقود، ويضخّون فيه القيم والمعاني التي تدور في مجال مفاهيمي مشتقّ من المركزية الغربية

لذلك الساحات العامة تعجّ باللباس الذي يحيل إلى منظومة القيم الغربية، والمؤسسات التعليمية منذ التحضيري وصولًا إلى الجامعة، تعجّ بالسلوكيات واللباس والأنشطة الثقافية والرياضية المتفرّعة من النموذجية الغربية

ثم إن أهمية المجال العام تكمن في كون التحكّم فيه يحوّله لأداة وحامل حيّ ونشط، منتج لفعل الترويج والتبرير للمركزية الغربية ومفاهيمها، أي أن الفضاء العام تحوّل لجهاز دعائي تلقائي يعمل على إقناع التونسيين بفضائل التبعية للغرب وقيمه، ونفس هذا المجال العام بالمقابل يمثّل عامل ضغط ضد القلّة التي ترفض الإلحاق والتخلي عن منظومة قيمها المتفرّعة من المركزية الإسلامية

لذلك فإن الفضاء العمومي هو طرف غير محايد، وجهاز تعبئة ودعاية في يد منتسبي الغرب يوظّفونه للترويج لتصوّراتهم والإقناع بها

لهذا السبب نفهم رفض هؤلاء كل ما ينازعهم ملكية المجال العام أو التأثير فيه، لأن ذلك يعني تهديدًا لوجود جهاز فعّال يوظّفونه في الإخضاع الذهني والتحويل الناعم للتونسيين

ولهذا نفهم رفضهم الشديد والعنيف للحجاب الإسلامي، لأنهم في الحقيقة لا يرفضون تغطية الرأس في حدّ ذاته، وإنّما يرفضون دلالة الحجاب باعتباره يمثّل منازعة لهم في مستوى التأثير في المجال العام

------------

الآن بالنسبة لمسألة الصلاة، فإن منتسبي الغرب المنتفضين يرفضون فعل الفتية باعتبار ذلك يمثّل محاولة لافتكاك جزء من المجال العام التلمذي بالمعاهد، ومشاركة في إحداث تأثير فيه بما ينازعهم الملكية الحصرية للمجال العام

بالمقابل الفتية أظهروا بفعلهم وعيًا متميّزًا، لأن موقفهم دلالته كأنهم يقولون: نحن مسلمون وعلى الفضاء العام أن يعكس وجودنا، ونحن نرفض أن تتواصل غربتنا في بلدنا، وعلينا المشاركة في إحداث تأثير بما يعكس وجودنا

لا يعقل أن يكون المجال العام في المعاهد التونسية كلّه يروّج للمنظومة الغربية من لباس وسلوكيات متهتّكة وأنشطة رياضية وثقافية متفرّعة كلّها من التأطيرات الغربية، هذا أمر يجب أن ينتهي

وكان إصرار الفتية على فعل الصلاة في الساحة بمثابة صرخة ثوّار ضد الاستبداد والتحكّم الرمزي المفروض عليهم كما فُرض على آبائهم منذ عقود، ومحاولة منهم لافتكاك وتحرير المجال العام من تحكّمات منتسبي الغرب

إذن علينا الخروج من نقاش الصلاة كفعل مادي، ونقل النقاش لمستوى آخر وهو وجوب تحرير المجال العام والفضاء العمومي في المؤسسات التعليمية أو العادية من تحكّمات وتأثيرات منتسبي فرنسا الذين يخنقوننا منذ عقود

-----------
فوزي مسعود
#فوزي_مسعود

التعليقات والردود

0

حتى الآن لا توجد ردود أو تعليقات على هذا المقال

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق