عند وقوع مشكلٍ ما، يطرح البعضُ السؤالَ مباشرة: ماذا نفعل؟ وليس سؤال: لماذا وقع المشكل؟
وحينما تُقدَّم فكرة مغايرة خارجة عن السائد، يبادر بعضُهم بسؤال من قبيل: كيف ننفّذ تلك الفكرة؟ بدل البحث فيها وتعميق زوايا فهمها
والسائلُ صاحبُ "العقل" التنفيذي لا يدرك أن كيفية الإنجاز التي يسأل عنها متفرّعة من استيعاب الفكرة أوّلًا، وأنه لا يمكن إيجاد طرق التنفيذ ما دمتَ لم تستوعب الفكرة، وأن الدخول في رحاب الفكرة الجديدة هو ما يُنتج الحلول التنفيذية. وعدمُ استيعاب هذا التفصيل هو بعضُ الخلل في العقل التنفيذي
وعند الفعل السياسي، تتمّ مواصلةُ المضيّ في نفس التأطيرات التصورية للموجود بدل مراجعته، والبحثِ في فعلٍ سياسيٍّ يرفض المسلّمات الضابطة للواقع
إذن هناك منوالان للفهم ثم التعامل:
أحدهما منوالٌ تنفيذي لا يفهم غير المستوى المادي من الواقع، ولذلك يستغرق في التفاصيل وطرق إنجازها. وهو منوال لا يملك قدراتٍ تجريدية للمسائل، وإنما يعترف فقط بالمستوى المادي التفصيلي منها ومساحاته: الحقوقي والاقتصادي والاجتماعي. وتشيع لديه مصطلحاتٌ من قبيل: المواطنة، والحرية، والديمقراطية، وما يماثلها
كما أنه فهم يسلّم بالتأطير التصوري للموجود، وتحديدًا بالمركزية العقدية الضابطة للواقع، ولا يهتمّ بكيفية ظهور العيّنة/الحدث ولا إلى أين يؤدّي
وعلى هذا المنوال يمضي الفعل السياسي في تونس، وتتحرّك التشكيلات السياسية التي تقبل جميعُها (العلماني منها والإسلامي سواء) بالنموذج المقدَّم حول "تونس الحديثة" وبالتصميم الذي يؤطّر أفق الفعل
في المقابل، هناك منوالٌ آخر وهو المنوال التفكيري، الذي ينظر من زاوية شمولية تأليفية؛ أي ينطلق من المستوى التجريدي التصوري للواقع كلّه، قبل الدخول إلى مستواه التنفيذي التفصيلي
وبالتحديد فإن المنوال التفكيري يرفض التسليم بالمركزية العقدية الغربية المتحكمة في تونس حاليا والتي نشأت بفعل تحويل قسري حصل للتونسيين منذ عقود
يمكن القول إذن إنّ العقل التنفيذي هو عقلٌ معرفيٌّ يدور في مساحة الكيفيّات، أي أجوبة سؤال "كيف؟"
بينما العقل المفكِّر يدور في مساحة أجوبة الإيجاد والماهية، جوابًا عن أسئلة من نوع: لماذا؟ ما هو؟ متى؟
والمستوى التنفيذي لا يصحّ إلا في التفاصيل التقنية، بينما المنوال التفكيري شرطٌ لازم لدى قادة الرأي من الفواعل المفكّرة والسياسية؛ لأن هؤلاء هم من يجب عليهم البحث في التصوّرات قبل تنفيذها
وبعضُ مشاكلنا في تونس مثلًا، أن فواعلنا (النخب) يتعاملون بمنوال "العقل" التنفيذي بدل منوال العقل المفكّر، ولذلك يمرّون مباشرةً إلى الأفعال وتنزيلها، ولا يناقشون إلا المستويات التقنية من الفعل السياسي والاقتصادي وغيرهما، من دون أي مراجعة للتأسيسيات التصورية الضابطة لتلك الأفعال. ولهذا تنتهي أفعالهم إلى تكريس الواقع الفاسد الذي نقبع فيه منذ عقود، لأنها لم تجرِ أيَّ مراجعة للأساس التصميمي التصوري للموجود الحالي
"العقل" التنفيذي مقابل العقل المفكر
2024-10-25
1262 قراءة
الفرد التابع
فوزي مسعود
التعليقات والردود
0حتى الآن لا توجد ردود أو تعليقات على هذا المقال