فوزي مسعود - مقالات فكر ورأي

المسؤولية الفردية تغيرت عما كانت قبل قرون: المتحدثون في الإسلاميات يركزون على الفرد ويتجاهلون المنظومات التي تحكم الواقع

2023-03-22 1439 قراءة الفرد التابع فوزي مسعود
يمكن ملاحظة حقيقة وهي أن حلقات التأثير في الفرد حديثا أكثر مما كانت عليه في أوقات سابقة أي قبل قرون مثلا

بمعنى آخر، فإن حرية الفرد كانت من قبل ذات مساحة أكبر لأن العناصر التي تتدخل في التأثير عليه كانت قليلة من حيث العدد وضئيلة من حيث عمق التأثير

الآن الفرد حينما يقرر أمرا، فهو قرار بالضرورة نتيجة عوامل سابقة وتصورات أخذها من أثر منظومات تشكيل ذهني كالتعليم الحديث والاعلام والتثقيف وهذا كله لم يكن موجودا من قبل

إذن حلقات التأثير في قرار الفرد تعددت وتعمقت معها قيمة التأثير

هذا يقودنا لنتيجة أن التعامل مع الفرد في وقتنا الحالي في مستوى تحميله المسؤولية، يجب أن يكون بالضرورة على غير تعاملنا معه سابقا، لأن المسؤولية الفردية كانت سابقا أكبر بكبر مساحة الحرية المتاحة للفرد

علينا أن نأخذ بعين الاعتبار أن المسؤولية الفردية في فعل ما متعلق بذلك الفرد، هي جزء فقط من المسؤولية التي انتجت الفعل في كل مساره، لأن هناك جهات أخرى وفواعل لها نصيب من التأثير على الفعل في مسار إيجاده

الآن لنفترض أن هناك مايمكن أن نسميه "مسؤولية انجاز الفعل" وهي المسؤولية الكلية لإنجاز الفعل، وهناك "مسؤولية الفرد" اي نصيبه من المسؤولية في كتلة المسؤولية الكلية تلك اللازمة لإيجاد ذلك الفعل، دعنا نحاول أن نفهم مقدار المسؤولية الفردية

الفعل حينما يقع إيجاده فإن معادلة المسؤولية ستكون: مسؤولية_1 + مسؤولية_2+مسؤولية_ن،. علما أن (ن) يقصد بها عدد الأطراف المتداخلة في التأثير في مسار الفعل

يمكن القول أن: "مسؤولية الفرد" = "مسؤولية انجاز الفعل" مقسوما على (ن)

كلما كان (ن) صغيرا كانت المسؤولية الفردية كبيرة وفي الحالة الاستثنائية (ن) تساوي واحدا ذلك يعني ان مسؤولية الفعل هي نفسها مسؤولية الفرد

بالمقابل كلما كثرت الجهات المؤثرة في الفعل أي (ن) قلت المسؤولية الفردية

لكن لو تعمقنا فإننا سنجد أن المسؤوليات المتعددة في إيجاد فعل ليست متساوية في القيمة، فليس كل الأطراف المتداخلة في فعل ما لها نفس التأثير، وبالتالي عدم تساوي المسؤولية

إذن هناك مايمكن أن أسميه عامل المسؤولية، ليكن (ع)، فتكون مسؤولية طرف ما: ع_1، ع_2، ع_ن......

يمكن أن نكتفي بهذا حينما يكون الفعل ذا عوامل متوازية في نفس المساحة، لكن هذه حالة خاصة ونادرة

بينما تكون معادلة المسؤولية التي تصلح لكل حالة:
مسؤولية انجاز الفعل=ع_1+ع_2+ع_ن

وتكون مسؤولية فرد ما:
"مسؤولية الفرد" =[ "مسؤولية انجاز الفعل" مقسوما على (ن)] مضروبا في عامل المسؤولية

ويظهر من هذه المعادلة أن المسؤولية الفردية لايؤثر فيها فقط عدد العوامل المتداخلة إنما كذلك قوة التأثير

يلاحظ أني لا اكتفي بقيمة المسؤولية الفردية وإنما أقسّم أولا لأن عوامل المسؤولية لاتقع بطريقة متوازية وإنما متتابعة فتكون تلك العوامل نسبة لعوامل أخرى أي أنها ليست عوامل في مساحة زمنية واحدة

ولو تعمقنا أكثر لوجدنا أن العوامل اللامادية أكثر تأثيرا من غيرها
ولو زدنا التعمق أكثر، لوجدنا أن ترتيب العوامل اللامادية له قيمة في التأثير، لأنه توجد مايشبه المتتالية الهندسية في التأثير اللامادي، مما يجعل العوامل المؤثرة السابقة تكون عادة ذات تاثير أكبر على العوامل اللاحقة

وقد فصلت هذا الموضوع بعمق في مسألة التأثير اللامادي الفرنسي في تونس (1)

إذن المسؤولية الفردية يجب أن تتناول بطريقة تختلف عما كانت عليه سابقا، والفرد وإن كان دائما مسؤولا بطريقة ما عن الفعل المتعلق به، لكنه ليس ولايجب أن يكون المسؤول الوحيد، فهو مجرد طرف من سلسلة المسؤولية، ثم لكي نفهم الواقع علينا البحث في حلقات عوامل التاثير التي تنتج الفعل وليس التوقف عند إحدى حلقات الفعل وهو الفرد، لان ذلك سيكون تناولا قاصرا لايعطينا حقيقة الفعل

-------

هذه الفكرة التي قدمتها، هي دلالة ما ذكرته مرات سابقة حول القصور المنهجي حين التناول بمحورية العينة والفرد (*)، وأن الأسلم هو تناول الواقع بمحورية المنظومات والفكرة، وقد فصلت من قبل كيف أن العينة تنتح فهما قاصرا موجها، بينما الفكرة والمنظومة تمكننا من استيعاب الظاهرة والفعل (الفعل كمسار وليس الفعل كنقطة)

ثم أن هذا يوصلنا لحقيقة أن المشتغلين بالإسلاميات (أئمة الجمعة، الوعاظ، الدعاة...) اليوم مازالوا ينطلقون في فهمهم للواقع وعملهم الوعظي بمحورية الفرد، لذلك يحمّلون الفرد لوحده المسؤولية عن انحرافاته وينصحونه بتقوى الله لكنهم لا يقولون له كيف يتقي الله في واقع فاسد، الفرد ذاته فيه مجرد مفعول به وضحية منظومات توجيه وإخضاع ذهني

وهذا الفعل الوعظي قاصر تصوريا، لذلك لا تؤدي عموم الأعمال الدعوية أثرا كبيرا ولا تجاوز الشكل، لأنها تصورات لاتستهدف أسباب الظواهر وفعل الانحراف الفردي، فهي تتعلق بعينات وتترك الأسباب الحقيقية التي تؤطر الواقع وهي منظومات التشكيل الذهني من تعليم وتثقيف وإعلام

ثم هي أعمال دعوية ووعظية تتجاهل التأسيس الفكري التي تؤطر بلدا ما وهي في تونس المركزية الغربية منذ عقود تحكم منتسبي فرنسا فينا، وهو التوجيه العقدي الذي ينتج مجالا مفاهيميا يغذي الإعلام والتعليم والفعل السياسي والاقتصادي، فالفردد إذن هو جزء من جزء من نتيجة خيارات وعوامل سابقة

وهي كلها اعتبارات موضوعية تؤثر في الواقع والفرد، يتركها المشتغلون بالإسلاميات ويتوجهون بدل ذلك للفرد فيتجاهلون تلك المنظومات وخطرها ومن يقف وراءها من قوى اقتصادية وسياسية وعقدية مغالبة، مما يحول هؤلاء الناشطين المشتغلين بالإسلاميات ويحول أنشطتهم، لأدوات تكريس الواقع
لذلك ينتشر هؤلاء في بلدان تعادي الإسلام وتستبعده، لأنها تدرك أن "الأنشطة الإسلامية" لهؤلاء تخدمهم ماداموا يتوجهون للفرد ويحملونه لوحده مسؤولية انحرافاته، وهذا يخلق وهم ومغالطة أن وجود ذلك الخطاب دليل على المصالحة مع الاسلام، بينما هو حقيقة توظيف الإسلام بغرض استبعاده وهذا أخطر وأمكر أنواع الدعاية

--------

(*) يمكن الإطلاع على عشرات المقالات لي بموقع بوابتي وعلى لقاءات مرئية بقناتي يوتيوب، تتحدث عن مسائل محورية الفكرة والمنظومة والفرد والفعل كمسار زمني وكنقطة وغيرها من الأفكار المتعلقة

(1) ينظر لبحث: في فهم الربط المادي واللامادي بفرنسا
https://myportail.com/articles_myportail.php?id=9965

***********
فوزي مسعود
#فوزي_مسعود

الرابط على فايسبوك
. المسؤولية الفردية تغيرت عما كانت قبل قرون: المتحدثون في الإسلاميات يركزون على الفرد ويتجاهلون المنظومات التي تحكم الواقع

التعليقات والردود

0

حتى الآن لا توجد ردود أو تعليقات على هذا المقال

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق