كنت قد تناولت من قبل (1) كيف أن المعاني ليست فقط تلك المعرّفة في أصولها التقريرية لغويا أو اصطلاحيا من خلال مراجع محددة، وإنما السلطات اللامادية بالواقع تساهم من خلال جدلية تفاعل بين قطبي تحديد المعنى النظري والواقعي، في تغيير معاني المفاهيم
وهو تغيير معاني يتم من خلال نوع من التسلط والمغالبة، فهو تبديل معنى يحصل بنوع من القهر من صاحب السلطة كالزعيم والشيخ والفنان والمناضل والفرد الغربي نسبة للفرد الآخر المغلوب، فهذه كلها سلطات لامادية تساهم في تغيير المعاني وفرضها كواقع
من جهة أخرى يمكن ملاحظة أن معاني المفاهيم يمكن أن تتغير من دون قهر ومغالبة في حالات معينة، أي بنوع من القناعة، وهذا ماتفعله أدوات الثقافة والأدب كالمسرح والسينما والروايات والقصص والمسلسلات التلفزية
لسبب ما يتعامل الناس مع أحداث الفلم أو المسلسل أو الرواية بنوع من القبول والتسليم أنها قيم تتعلق بعالم حقيقي، أي لكأن العمل الفني يصبح لدى المتابعين بمثابة مرجع قيمي ومزود بمعاني المفاهيم وشارح لها
فيكون من نتيجة ذلك أن المفاهيم التي يتناولها ذلك العمل الفني تتحول معانيها بمثابة درس يتم التعامل معه أنه أمر على الكل الانضباط به
لذلك تساهم الأعمال الفنية في تغيير تصورات الناس وأذواقهم ومعاني مفاهيم لديهم كالجمال والشرف والحرية والرجولة والتدين وغيرها، وهي تأثيرات من القوة أنها تنعكس على سلوكياتهم وأنماط حياتهم من لبس وتنظيم وقت وغيرها
هذا يعني أن معاني المفاهيم التي تؤطر حياة الناس وقع تغييرها، وأن الناس قبلوا بطواعية تغير تلك المعاني على غير ماكانت عليه من قبل
لكن هنا توجد إشكاليات
- إلى أي مدى يمكن إعتبار إقبال الناس على الأعمال الفنية التي تنتهي بتغيير معاني المفاهيم لديهم، تصرفا واعيا وتلقائيا
أي ألا يوجد نوع من السلطة المعنوية والضغط الذي يجعل الناس مقبلين على الوسائل الفنية من دون إختيار منهم وقدرة على الرفض، أي أنه يوجد نوع من التوجيه الضمني الموجود بالواقع ينتج من طرف السلطة اللامادية التي تمثلها الأدوات الفنية تلك
- جوابا على السؤال السابق، الفعل الثقافي الذي يغير المعاني لدى الناس يمكن أن ينظر إليه في أي إطار يتحرك نسبة للفرد المستهدف
أولا إن كان يترك للفرد حرية الاختيار بين ممكنات ثقافية متعددة، ولايوجد إكراه بأي نوع من طرق التسلط المادي واللامادي، أي لايوجد ضغط وتوجيه ضمني، فإن إقبال الفرد على أداة الثقافة تلك يتم من خلال وعي منه، فهو بإقباله ذلك يقوم بنوع من التفويض الضمني لتلك الاداة الثقافية أن تطرح مقترحات المعاني مع قابلية لديه ابتداء لتغيير معاني المفاهيم نتيجة تأثره الواعي أي قناعته، فنحن هنا في الحالة المقصودة في هذا البحث وهو تغيير المعنى من خلال تفويض أداة الثقافة في ذلك
في هذا الصنف من التفويض بالتأثير وتغيير المعنى، يمكن إدراج فعل الأعمال الادبية من قص ورواية، وبعض الأعمال الفنية من أفلام ومسلسلات
ثانيا وإن كان يوجد نوع من القهر الضمني فإننا نرجع للحالة التي تناولتها في البحث السابق وهي تغيير المعنى من خلال سلطة تفرض معاني المفاهيم، اي سلطة الزعيم والشيخ والفنان وغيرهم بما يملكونه من سلطة معنوية تفرض أمرا واقعا يغيرون من خلاله معاني المفاهيم
- وسائل الثقافة حينما تكون مكونا من أدوات التشكيل الذهني فإنها تصبح أداة دعاية، والفعل الدعائي عمل غير إقناعي لا يتحرك في مستويات الوعي والفهم وإنما في مستويات التأثير والإخضاع
إذن الثقافة حينما تكون جزءا من أدوات الدعاية فهي مباشرة تدخل في صنف منتجات المعاني القهرية المتسلطة أي الصنف الذي تناولته من قبل حيث تغيير المعاني يتم بصيغة قهرية
-----------
(1) ينظر :
تأملات (62): معاني المفاهيم تأتي من سلطة الموجودات وليس من تعريفاتها الأولية فقط
https://myportail.com/articles_myportail_facebook.php?id=10658
تأملات (63): جدلية تغير المعنى في الواقع، معنى السلطة يغلب سلطة المعنى
https://myportail.com/articles_myportail_facebook.php?id=10665
***********
فوزي مسعود
#فوزي_مسعود
#تأملات_فوزي_مسعود
الرابط على فايسبوك
. بمناسبة الأعمال التلفزية في رمضان: بعض من طرق تأثير منظومات التشكيل الذهني
بمناسبة الأعمال التلفزية في رمضان: بعض من طرق تأثير منظومات التشكيل الذهني
2023-03-06
1470 قراءة
مقالات في المعنى
فوزي مسعود
التعليقات والردود
0حتى الآن لا توجد ردود أو تعليقات على هذا المقال